فوبيا الإخوان

الثلاثاء 2013/09/03

كانت الساعة تقترب من الثامنة مساء بتوقيت غرينتش، يوم الأربعاء 3 يوليو. كنا جميعا نتابع شاشات التلفزيون ووكالات الأنباء، انتظارا لبيان عبد الفتاح السيسي، الذي كنا نعلم محتواه مسبقا، ورغم ذلك لم يمنعنا علمنا من أن ننتظر ما سوف يأتي به، وكأننا نترقب هطول الأمطار في صحراء قفر تغطت بالغيوم.

بعد أن انتهى السيسي من إلقاء بيانه، الذي نزل على المصريين كماء بارد بعد ظمأ استمر عاما كاملا، عانوا خلاله صلف السلطة وتماهيها مع الفاشية الأيديولوجية تحت حكم الجماعة. وبعد أن هدأت الضجة التي عمّت مكتب صحيفة «العرب» في غرب العاصمة البريطانية لندن، فرحا بالإطاحة بالإخوان من الحكم في مصر، نظر إلي محدثي الذي كان يجلس بجواري مباشرة، بعيون تملؤها دموع الفرح وقال «أنا أكره ذلك السيسي، وأكره كل ما هو عسكري».

تداخل مشاعر الرجل، بين الفرحة والحزن والنقمة على العسكريين في مصر، في الوقت الذي كان كل مواطن عربي يرمقهم فيه بنظرة يملؤها الفخر والإعتزاز، أصابني بحالة من الذهول، استمرت لبضع دقائق، استيقظت بعدها على قوله «أكرههم لأنهم يسعون دائما إلى السلطة. مصر خرجت للتوّ من حكم الفاشية الدينية، ودخلت حقبة جديدة من الفاشية العسكرية».

تذكرت هذا المشهد وأنا أطالع صفحات التواصل الاجتماعي من مختلف الدول العربية، وتفاعل العرب وخاصة المصريين مع ما يحدث في سوريا، وتأثير قرار مجلس العموم البريطاني بعدم مشاركة بلاده في توجيه ضربة عسكرية للنظام السوري، وإصرار اميركا على معاقبة الأسد، وردعه بعد استخدامه للسلاح الكيماوي وقتل المئات من الأطفال السوريين الأبرياء.

تذكرت كل ذلك وأتابع موقف غالبية المصريين الرافضين لتوجيه هذه الضربة، وكيف أنهم ينظرون إليها على أنها عدوان على الأراضي السورية وليس على النظام الذي يحتل تلك الأراضي. ما يدعو إلى التعجب، هو أن المصريين الذين أبهروا العالم بثورتهم السلمية في 25 يناير 2011 وبموجتها الثانية في 30 يونيو من هذا العام، هم أنفسهم الذين ينظرون اليوم إلى ثورة الشعب السوري على أنها مؤامرة، تقف خلفها قوى الإمبريالية العالمية، التي تدعم المعارضة، وتسعى لتقسيم سوريا إلى عدة دويلات صغيرة، ضمانا لأمن إسرائيل وحفاظا على معادلة توازن القوى في المنطقة لصالحها.

ما يقلق في هذا كله، ليست تلك النظرة التي لا تستند إلى دراية كاملة بالواقع السوري، وبما يحدث على الأرض هناك، ولا غياب الإدراك الكافي بتشابك المصالح الدولية واشتباك الرؤى الإقليمية اللذان تعاني منهما الثورة في سوريا وحسب، ولكن القلق الفعلي يرجع إلى هذا التحول المفاجئ في الموقف الشعبي المصري من الثورة في سوريا، ومن مساندة وصلت إلى حد عدم التردد في تقديم الغالي والنفيس لهذه الثورة، في وقت كانت مصر تمر فيه بأزمات اقتصادية طاحنة، عقب الإطاحة بنظام مبارك وأثناء حكم المجلس العسكري.. وتحول هذا كله إلى تخوين الجيش الحر، والمعارضة السورية بشكل عام، واتهامها بالتعاون مع القوى الغربية الاستعمارية للإطاحة بنظام الأسد، وتسليم البلاد إلى الإخوان المسلمين، أداة الغرب لتقسيم الدول العربية جميعا.

على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تجد من يؤكد أن بشار الأسد بطل، يحافظ على أمن واستقرار بلاده من جماعات إرهابية تتلقى دعما من الغرب (الشرير) الذي يريد لبلادنا الفوضى والتقسيم، وتجد أيضا من يحيل إلى مقولة ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني «عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي، فلا تحدثني عن حقوق الإنسان».

علامة التعجب التي تسبق تلك الكلمات لا تعني، بالطبع، إنكار مقولة كاميرون، فهي صحيحة، والمعنى من ورائها بليغ، لكن علامة التعجب قد تتحول إلى علامة للسخرية عندما يقرن أحدهم تلك المقولة بما يحدث في سوريا. فلا بشار الأسد هو ديفيد كاميرون، ولا ثورة الأحرار في سوريا، هي «انتفاضة الحرامية» التي اندلعت في العاصمة البريطانية أواخر 2011، وكانت سببا لأن يطلق كاميرون عبارته الشهيرة.

ظاهرة «فوبيا العسكر» التي تحولت إلى «فوبيا الإخوان» واستشرت في جميع أرجاء مصر (وفي عدة دول عربية أخرى) تستوجب التوقف عندها بالبحث والتأمل، ومحاولة فهم الواقع المسيطر على الشارع العربي، وعلى نخبته السياسية. صحيح أن الإخوان المسلمين في مصر تحولوا إلى جماعة عميلة، كانت مستعدة لأن تقدم كل شيء، وأي شيء، يمكن أن يصل بها إلى تحقيق مشروعها الأممي وحلمها في «أستاذية العالم»، وكادت أن تضع في سبيل ذلك كل ما لا تملك في مصر، من ثوابت وطنية وإرث اجتماعي وأخلاقي ترجع جذوره إلى آلاف السنين، تحت أقدام كل من لا يستحق، بداية من دويلة قطر (التي لا تعدو أن تكون بلدة صغيرة في صعيد مصر) وصولا إلى الولايات المتحدة بمشروعاتها وأطماعها في المنطقة. ولكن هذا لا يعني، في الوقت نفسه، أن يتغاضى العرب عن مذابح النظام البعثي الفاشي في سوريا، وأن يمنعوا الغيث، حتى ولو أتى من فم الشيطان، عن الشعب السوري الذي يعاني منذ أكثر من عامين من البطش والقتل، طالما أن أيديهم قد غُلت عن تقديم أية مساعدة.

الشعوب العربية لا تتعلم من تجاربها وتبني عليها، وإنما تفضل طمس هذه التجارب ومحوها من سجلاتها التاريخية، وتعود لتبدأ من جديد، ومن ثم تقع في نفس أخطاء الماضي.. هذه هي المشكلة.

أما الحل فيكمن في تجنب تلك الأخطاء، من خلال الاحتفاظ بجميع السجلات، مَلكية كانت أو عسكرية أو حتى إخوانية، وإعادة قراءتها من جديد كخطوة ضرورية لفهم الواقع قبل الاندفاع نحو المستقبل.


صحفي مصري

9