فوبيا التغيير تضاعف شراسة النظام القطري في مواجهة معارضيه

المعارضة السياسية المتنامية للنظام القطري ليست من دون تأثير على هذا النظام الذي جعلته سياساته في قطيعة مع مجتمعه وساقته إلى عزلة خانقة عن محيطه القريب وأوقعته في حالة من الخوف المرَضي من التغيير تكشف عنها ردود أفعاله المتشنّجة وإجراءاته العنيفة ضدّ معارضيه.
الأربعاء 2017/10/18
المعارضة القطرية ليست بوارد السكوت طالما أن مصير البلد هو موضع الرهان

الدوحة - تكشف شراسة النظام القطري في مواجهة الأصوات المعارضة له سواء في الأوساط القَبَلية أو من داخل الأسرة الحاكمة نفسها حالة من العصبية والفزع من سيناريو التغيير الذي أصبحت أرضيته مهيأة في الواقع القطري مع توسّع الغضب من السياسات المتبعة من قبل أمير البلاد الشيخ تميم الواقع تحت تأثير قويّ لوالده الأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ودائرته المؤلّفة أساسا من أشخاص وافدين يمثّلون مصالح الأوساط التي ينتمون إليها ومن بينها جماعة الإخوان المسلمين.

وبرزت من داخل الأسرة القطرية الحاكمة أصوات محذّرة من سياسات الدوحة التي وضعت ثروة البلد في خدمة جماعات إرهابية متشدّدة وسخّرت بعضها لتمويل الإرهاب والبعض الآخر لتمويل الدعاية الهادفة لتحسين صورة النظام في العالم، وهو الأمر الذي لا تقف مخاطره عند تبديد تلك الثروة وإهدارها بل تتعدّاه إلى إفساد علاقة البلد بمحيطه العربي وحاضنته الخليجية بعد مقاطعة كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر بسبب دعم نظامها للإرهاب.

ويضاعف من غضب المعارضة القطرية استدراج الدوحة لكلّ من تركيا وإيران للتدخل في الشأن الخليجي ما يجعل قطر عرضة للابتزاز من دولتين تفوقانها حجما وقوّة في غياب أيّ سند إقليمي لها بسبب عدائية قيادتها تجاه جيرانها الأقربين.

وظهر في مقدّمة معارضي نظام الدوحة من داخل الأسرة الحاكمة كل من الشيخ سلطان بن سحيم آل ثاني والشيخ عبدالله بن علي آل ثاني.

وفي إجراء عقابي للشيخ سلطان الذي سبق أن أعلن تأييده لدعوة الشيخ عبدالله لاجتماع وطني وعائلي لتصحيح الأوضاع في قطر اقتحمت قوة من 15 عنصرا من قوات أمن الدولة قصره فجرا وعاثت في محتوياته وصادرت عشرات الحقائب والخزائن المعدنية التي تحوي جميع وثائق ومقتنيات أسرة الشيخ، إضافة إلى الأرشيف الضخم لوالده الشيخ سحيم بن حمد آل ثاني وزير الخارجية السابق الذي يشكل ثروة معلوماتية وسياسية رفيعة القيمة، ويمثل تسجيلا دقيقا لتاريخ قطر وأحداثها الداخلية منذ ستينات القرن العشرين حتى وفاته أواسط ثمانيناته.

محمد سالم الكعبي: قطر تحولت إلى دولة بوليسية بعيدة عن سلوك الدولة المسؤولة

وفي سابقة لانتهاك الخصوصية اقتحم رجال أمن الدولة الغرفة الخاصة للشيخة منى الدوسري أرملة الشيخ سحيم ووالدة الشيخ سلطان وبعثروا محتوياتها وصادروا كل صورها الشخصية والعائلية الخاصة، بالإضافة إلى نهب كل الجواهر والمقتنيات والأموال.

وخلال الاقتحام تعرض العاملون في القصر إلى التعدي والضرب والاعتقال. وبينت أخبار مسرّبة عن العملية أن منفّذيها تصرّفوا بعنف بالغ وقاموا بكسر الأبواب والعديد من المحتويات.

كذلك بادرت السلطات القطرية إلى تجميد كل حسابات الشيخ سلطان واستولت على أختامه وصكوكه وتعاقداته التجارية، ما ينذر بإمكانية إصدار وثائق مزوّرة للإضرار بسمعة الشيخ ومحاولة “إعدامه” سياسيا لوقف صعوده كمعارض صلب للنظام القائم في قطر.

ويبدو أن محاولة حصار المعارضين ماليا باتت ضمن استراتيجية الدوحة أملا في الضغط عليهم لإسكاتهم تحت طائلة الخوف على مصالحهم. إذ أنّ تجميد أرصدة الشيخ سحيم كانت الثانية في ظرف أسبوع واحد بعد تجميد حسابات وممتلكات الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني.

ومن وسائل النظام القطري لترهيب خصومه ومعارضيه سحب الجنسية القطرية منهم بقرارات إدارية. وقد طبّقت سلطات الدوحة ذلك على أحد أشهر شعراء البلاد وهو محمد بن فطيس المري بذريعة مساندته المملكة العربية السعودية على حساب الحكومة القطرية.

وجاء الإجراء بنتائج عكسية مع موجة التعاطف غير المتوقّعة في منطقة الخليج مع بن فطيس ذي المكانة بين الأوساط الثقافية الخليجية نظرا لكونه فائزا بلقب “شاعر المليون” أهم لقب للشعر النبطي في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

كما سبق أن سحبت السلطات القطرية الجنسية من أكثر من خمسة آلاف مواطن قطري ينتمون إلى قبيلة الغفران وقطعت رواتبهم ومنعت الجمعيات الخيرية وصندوق الزكاة القطري المموّل من التبرّعات من تقديم المساعدات لهم بعد أن اتهمتهم بحمل جنسية مزدوجة سعودية قطرية، وهو ما ينفيه أبناء القبيلة المذكورة بشدّة.

واستنكرت أوساط حقوقية خليجية معاقبة الدوحة لمعارضيها على خلفية مواقفهم السياسية. واعتبر محمد سالم الكعبي رئيس مجلس إدارة جمعية الإمارات لحقوق الإنسان أن إقدام السلطات القطرية على تجميد أموال الشيخ عبدالله بن علي آل ثاني يمثل انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان التي أصبح خرقها والمساس بها سياسة منتهجة في دولة قطر.

وذكر الكعبي أن قرار التجميد ينطوي على اعتداء صريح على حق الملكية وهو إجراء غير شرعي يؤكد إمعان الدوحة في مواصلة الانتهاكات ليس فقط لحقوق الإنسان وإنما لجميع الأعراف والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان والميثاق العربي.

كما استنكرت الجمعية على لسان الكعبي تجميد النظام القطري لأموال الشيخ سلطان بن سحيم وإقدام جهاز أمن الدولة القطري على اقتحام قصره والعبث به ونهب الكثير من محتوياته مؤكدة أن هذا الانتهاك لحق الملكية والخصوصية إضافة جديدة إلى سجل الدوحة في انتهاكات حقوق الإنسان وحرياته.

ورأى الكعبي في تلك الإجراءات مؤشرا على تحوّل قطر تحت نظامها الحالي إلى دولة بوليسية بعيدة عن سلوك الدولة المسؤولة.

3