فوبيا اللاجئين السوريين تتصاعد في لبنان

القوى السياسية في لبنان تعتبر أن ساعة الصفر قد حانت لعودة اللاجئين باعتبار أن المعارك قد انتهت في مناطق عدة.
الخميس 2019/06/13
اللبنانيون على حق في قلقهم، لكن ما ذنب اللاجئ الهارب من جحيم الحرب

عرسال (لبنان) – بعدما دمّرت الحرب منزله في سوريا وشرّدته خارج بلده قبل ست سنوات، يجد أبومحمد نفسه اليوم مضطرا إلى أن يهدم بيده وبمطرقة صغيرة غرفة بناها في مخيم عشوائي في شرق لبنان تشكل مأوى له ولعائلته.

وأبومحمد واحد من نحو أربعة آلاف لاجئ حولوا خيمهم في جرود بلدة عرسال الحدودية مع سوريا، إلى غرف ذات جدران مبنية من حجارة الخفان أو أخرى غير مكتملة البناء، ما أثار مخاوف السلطات التي أنذرتهم بوجوب هدمها بوصفها “بناء غير شرعي”.

في مخيم النور العشوائي على تخوم عرسال، ينهمك رجال في إزالة ألواح معدنية جعلوها سقفا لغرفهم، بينما يهدم آخرون الحجارة المرصوصة فوق بعضها البعض.

وتم حتى الآن هدم نحو ثلاثين غرفة في المخيم بينما غطى الركام الأزقة الضيقة الفاصلة بينها. ويمكن أحيانا رؤية الأحواض الحديدية المخصصة لغسل الأطباق والأواني المنزلية وسط الركام. وحدّد الجيش اللبناني التاسع من الشهر الحالي مهلة نهائية لإزالة الغرف قبل أن يمدّدها حتى بداية الشهر المقبل.

ويقول أبومحمد (37 عاما) بينما يغطي رأسه بكوفية حمراء وبيضاء اللون تقيه أشعة الشمس الحارقة في البلدة ذات الطبيعة الجرداء القاحلة، “هل تصدق أننا نعيش في غرفة ولم نكن نصدق ذلك، فيما غيرنا يتمنى أن تكون لديه غرفة؟”.

وحاليا يضطر إلى أن يبيت ليلا مع زوجته وأطفاله الخمسة في خيمة أحد أصدقائه مع لاجئين آخرين. ويوضح الرجل ذو اللحية الكثّة “تؤوي الغرفة أربع عائلات تضم أكثر من 16 طفلا”.

فرّ أبومحمد من محافظة حمص في وسط سوريا قادما إلى لبنان صيف العام 2013. ولا يخفي رغبته في العودة إلى مسقط رأسه لكن الخيارات أمامه ليست كثيرة. ويسأل متحسرا “أريد العودة بالتأكيد لكن إلى أين؟ لم يعد لي منزل في سوريا، لقد عرفنا أنه سوّي بالأرض”. وأضاف “في بيتنا كان لدينا دجاج وكنا نضعه في غرفة بوضعيات أفضل من وضعيات هذه الغرفة، على الأقل لم يكن الدجاج يتعرض للمطر شتاء”.

منع التوطين

تتحول هذه الغرف إلى ما يشبه الفرن صيفا مع ارتفاع درجات الحرارة فيها، كما لا يمكن الحؤول دون دخول مياه الأمطار الغزيرة إليها شتاء. لكنها رغم ذلك، تبقى أفضل من الخيم التي تعصف بها الرياح وتغمرها المياه بانتظام وفق ما يروي عدد من اللاجئين.

ويطال قرار الهدم هذا نحو 35 ألف لاجئ سوري، يقيمون في أنحاء لبنان، وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بينهم 15 ألفا في عرسال التي تضم نحو 4000 بناء “مخالف”، وفق مسؤول محلي في البلدة.

ويقول رئيس بلدية عرسال باسل الحجيري إن هدف القرار “منع التوطين، ومنع النازح السوري من البقاء الدائم في لبنان”، هذا البلد الصغير حيث تشكل التوازنات الطائفية مسألة شائكة. ويضيف مبررا “نحن كبلدية علينا تنفيذ القرار الصادر عن الدولة اللبنانية”.

تصاعد حملات العنصرية وخطاب الكراهية ضد اللاجئين والدعوات إلى ترحيلهم

وتعتبر كافة القوى السياسية في لبنان أن ساعة الصفر قد حانت لعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم، باعتبار أن المعارك قد انتهت في مناطق عدة. وترى أن وجود اللاجئين يحمّل الاقتصاد عبئا كبيرا.

وتتصاعد بين الحين والآخر حملات العنصرية وخطاب الكراهية ضد اللاجئين، والدعوات إلى ترحيلهم وعدم توظيفهم في المؤسسات التجارية وبعض المهن الحرة.

ومؤخرا أثارت تغريدة لوزير الخارجية اللبناني جبران باسيل، أعطى فيها الأولوية للعامل اللبناني على أي يد عاملة أخرى بينها السورية، انتقادات واسعة. وشهدت بلدة دير الأحمر في البقاع قبل أسبوع إشكالا داخل أحد المخيمات، بدأ مع امتعاض لاجئين سوريين من وصول سيارات إطفاء متأخرة لإخماد نيران أتت على بعض الخيم وتطور مع قدوم العشرات من سكان البلدة لحرق المخيم وطرد اللاجئين منه.

وذكرت منظمة العفو الدولية في بيان الأربعاء أن “السلطات أمرت بإخلاء بلدة دير الأحمر التي كانت تستضيف 600 لاجئ سوري” إثر الإشكال. وتقدّر السلطات وجود مليون ونصف المليون لاجئ سوري في لبنان.

ها هو إسطبلي

Thumbnail

في أحد أزقة مخيم النور، تخلي مجموعة من النساء ملجأ قبل هدمه، ينقلن وسائد وفرشا إلى شاحنة محملة بأغراض عدة بينها حقائب سفر ومروحة وأسطوانة غاز. بعدما أخلت ليلى عبدالقادر (39 عاما) غرفتها، تبحث عن شاب لهدمها مقابل دفع بدل مادي له.

وتخشى هذه الأرملة مع ابنتها الصغيرة العودةَ إلى السكن مجددا في خيمة، وهي تجربة اختبرتها لمدة عام ونصف العام. وتقول السيدة التي ترتدي عباءة سوداء مطرزة بحبات اللؤلؤ وتخفي شعرها بوشاح بينما ملامح الحياء بادية على وجهها “سنبتلّ حتما بماء المطر”.

وتبدي انزعاجها من عدم توفر أي خصوصية داخل الخيمة، إذ “يمكن للجيران سماع كل شيء، ويمكن لأي ولد أن يشق شادر الخيمة”.

وتسعى المنظمات الدولية التي تأسف لقرار السلطات اللبنانية، إلى تقديم مساعدات إضافية ومستلزمات تشييد خيم جديدة. وتقول المتحدثة الإعلامية باسم مفوضية اللاجئين في لبنان ليزا أبوخالد “يشكل هذا الوضع عبئا اقتصاديا إضافيا على اللاجئين، الذين يعيش معظمهم في فقر”.  ولتجنب تكبد أي عبء مالي، طلب أبونعيم من أصدقائه المساعدة في هدم الغرفة.

ويقول الرجل الهزيل البنية ذو الشعر الأسود ساخرا بينما يحتسي الشاي قبل بدء العمل “إليكم إسطبلي”، مشيرا إلى الغرفة الخالية من أي أغراض، ما أثار قهقهة أصدقائه. ويسأل ساخطا “أين التضامن العربي؟ أهذا ما يزعج الحكومة اللبنانية؟”، مضيفا “نحن في منطقة حدودية، فهي ليست بيروت أو منطقة سياحية”.

6