فوتوغرافيون عراقيون يحولون ويلات الحرب إلى حالة جمالية

ثمانون صورة فوتوغرافية أسست لمعرض أقامته جمعية المصورين العراقيين في كربلاء بمناسبة عيد المصور العراقي، صورٌ زيّنت بألوانها المختلفة وثيماتها المتنوّعة قاعة الجمعية في مركز المدينة، والتي تحتضن الكثير من الفعاليات المهمة طوال العام الواحد.
الجمعة 2017/08/04
صور مغلفة بالحزن والانتصار

كربلاء (العراق) – أقيم بجمعية المصورين العراقيين في كربلاء (وسط العراق) معرض ضم ثمانين صورة فوتوغرافية بمحاور عديدة جمعها خيطٌ واحد، هو الجمال واللقطة التي تريد إعادة الذاكرة.

ثمة خيوطٌ متشابهة وإن اختلفت الزوايا مثلما اختلفت المحاور، فهناك الصورة الحربية ودخانها والصورة الرياضية وثيلها الأخضر والتراث وتلك الأقواس الإسلامية والطابوق العتيق لدروب وأزقة كربلاء القديمة التي يمتد عمرها لأكثر من 300 عام، وهناك أيضا صور حياة الناس وهم يتنقلون ما بين المقاهي والأسواق والعمل والكسبة، لتسجل لحظات الزمن وتجاعيد العمر ومحنة الانتماء إلى المكان، والصراع من أجل البقاء بعمر ينمو فيه السلام وراحة البال.

صور التقطتها عدسات مصورين حصل الكثير منهم على جوائز عالمية في بريطانيا والصين وأميركا والبرازيل والإمارات وإيران وغيرها من البلدان التي أجريت فيها مسابقات العالم المختلفة.

ويقول رئيس جمعية المصورين العراقيين علاء الميالي إن أكثر من 50 مصورا بينهم خمس مصورات شاركوا في هذا المعرض الذي حمل شعار “الصورة رسالة محبة وسلام”، وهذا الشعار يبين ما هي القصديات التي تحملها الصور وما هي الرسائل التي يريد المصورون بثّها، خاصة وأنهم شكلّوا فرقا لهم لكي يتنافسوا ليس على الجوائز، بل على كيفية التقاط صورة تكون معبّرة عن الحالة التي يودّون توثيقها، وكان همّ جميع الفرق الفنية، هو مواجهة الخراب والموت الذي يحيط بالمواطن العراقي.

ويضيف “إن هذه الفعاليات ليست حجرا يرمى في بركة، بل هي الضوء الذي يغطي الحياة ولا نريد للظلمة أن تكون هي السائدة أو أن لنا مياها راكدة”، فمن بين هذه الفرق كما يقول أمين سر جمعية المصورين في كربلاء غسان الربيعي “الفريق الفوتوغرافي الحربي وفريق عيون كربلاء والفريق الفوتوغرافي الرياضي والآخر لمصوري العتبتين الحسينية والعباسية، فضلا عن مصورين آثروا البقاء حتى لا يتخصّصوا في محورٍ محدّد فتكون عدستهم هي صاحبة القول الفصل”.

ويشير الربيعي إلى أن جنس المصورين في كربلاء لا يقتصر على الذكور، بل هناك مصورات بارعات انتمين إلى أغلب الفرق وزرن جبهات الحرب ووثقن انتصارات القوات الأمنية على عصابات داعش.

وهنا يقول المصور الحربي ذياب الخزاعي الذي شارك بثلاث صور “أمضينا نحن الفريق الفوتوغرافي الحربي أسابيع عديدة في جبهات الحرب متنقلين ما بين جرف الصخر والفلوجة والرمادي وامرلي وصلاح الدين والموصل لنوثّق الانتصارات والتضحيات التي يقدّمها أبناء العراق ضدّ هذه العصابات”.

ويضيف “لكن لم نكن نحمل هذا الهمّ فقط، بل كنا نبحث عن لقطات تعبّر عن الفرح في أجواء الدخان والمعارك، نبحث عن صورة تحمل بين طياتها روح البقاء، الحرب واحدة والانتصار له طعم العسل، ولكن الصورة ستبقي هذا الانتصار شهدا مستمر المذاق وله عنوان الحرب بلغة السلام، لذا كانت الوجوه وحركة الغبار والصور التي شاركنا بها هي خلاصة كلّ هذه الأسابيع، وأغلب الصور هي صور مغلّفة بالحبّ والجمال، مثلما هي مغلّفة بالحزن والانتصار”.

والصور هنا ميزان العين، فالمتلقي يبحث عن تلك اللحظات التي يمكن أن تعطيه روح الذاكرة أو عمق التأمّل والمضي ما بين ألوان الصورة وتلك التدرجات الظلالية التي لا يمكن للعين أن تغافلها، تشعر أن الصورة لا تلتقطها عدسةٌ، بل عين المصوّر ذاتها التي أينعت لوحة فنية فأغمض عينيه، فكانت لوحة تعلّق على الجدران وتحكي قصّة زمن أو قصة لقطة حياتية أو رياضية أو دينية وتلك التي تمازج فيها ما بين السماء والغيوم والقباب، مثلما تسعى إلى تصوير الحقول والسنابل في تموّجاتها مع الريح أو حتى تلك النسائم التي تهب في صيف عراقيّ قائظ.

صورٌ تتنقل في أجواءٍ متعدّدة، سبطانات مدفعية لا تريد أن تقول إنها تسعى للحرب، فغلّفت السماء باللّون الأصفر مثلما تظهر الجندي وهو يجلس خلف أكياس الجنفاص، متمنيا أن يعود أدراجه بعد النصر، لكن العدو يحتاج إلى تربّص من نوعٍ آخر، وهي شبيهة لصورة الجندي الذي يُمسك ببندقيته وثمة ضوءٌ في السماء يخترق إصفرار الحرب، وكأنها تؤذّن إما للنصر وإما للعودة إلى الحياة والعيش بسلام، بل إن الصورة التي تظهر الجنود وهم بين ورود الحقول وزهرة عباد الشمس كأنّها تعلن الانتماء إلى النماء والديمومة، وليس إلى الموت والقتل. وفي المعرض ثمة تأويل قابع في الروح بأن الحياة للجمال وليست للحرب، لذا فإن (بسطال) جندي يسحق على أثرٍ لساقٍ رسمت حوله وجوه مشعلي الحروب، لتكون واحدة من الصور المتميزة في المعرض، ولكن اللعنة دائما تطارد صناع السلام وهي متساوقة مع صور الآثار التي تزخر بها المحافظة والتي تصل إلى أكثر من 500 موقع أثري مكتشف ومحدّد غير تلك التي لم يتم اكتشافها، وهي تمتدّ من عصور ما قبل التاريخ كآثار الطار وعصور ما قبل الإسلام كقصر شمعون المسيحي وكنيسة الاقيصر التي يمتد عمرها إلى أكثر من 170 عاما قبل الإسلام إلى حصن الأخيصر الإسلامي المعروف، وخانات المسافرين في زمن العثمانيين.

17