"فوتو كوبي".. فيلم إنساني يخرج عن المألوف

أغفلت الأفلام السينمائية المصرية تقديم أعمال درامية تحمل مضمونا إنسانيا، لكن يعود فيلم “فوتو كوبي” ليقدم نسيجا إنسانيا فنيا راقيا، يطرح من خلاله قضية تأثير التطور التكنولوجي على العلاقات الاجتماعية بين جيل الشباب والأجيال السابقة.
الجمعة 2018/01/05
الحياة مليئة بالأمل رغم التقدم في العمر

القاهرة – بلغة موسيقية راقية تشبه “البوليفونية”، وهي موسيقى تصدر عنها نغمتان أو أكثر في نفس الوقت، يصيغ السيناريست المصري هيثم دبور فيلمه الروائي الطويل الأول “فوتو كوبي” في لحنين يسيران معا في تناغم واحد، إحداهما يتحدّث عن المرحلة الزمنية والعمرية التي توقّف فيها فكر الآباء الذين يعيشون في وحدتهم وسط عالمهم متواضع الإمكانيات.

ويتقابل مع هذا الجيل تيار الشباب المتبحّر في عالم التكنولوجيا ودوّامة العمل التي أضعفت روابط التواصل مع أكثر المقربين، وبين هذا وذاك نكتشف العالم المعزول لدى كل منهما بشكل سلس وغير مباشر وبفكرة غير تقليدية من ناحية تناول الموضوع.

يبدأ المشهد الأول من الفيلم، ليظهر رجل في نهاية الستينات من عمره اسمه “محمود”، يلعب دوره الفنان محمود حميده، يجلس أمام محله “فوتو كوبي” المتخصّص في طباعة الأوراق، متذمرا من وضعه البائس بعد أن قطع التقدم التكنولوجي عنه رزقه، واتجه الناس إلى وسائل عصرية للتصوير.

ويظهر ذلك من خلال حوار يدور بين صاحب المتجر ومهندس صيانة ينصحه ببيع ماكينة التصوير بعد أن أصبحت بلا جدوى، في إشارة إلى أنه لن يستطيع مجاراة التقدّم. ويكتشف صاحب المتجر أنه يعيش في عصر متأخّر بعد دخول شاب إلى متجره يطلب منه كتابة بحث حول انقراض الديناصورات، ليبدأ في اكتشاف عالم “الإنترنت” أثناء بحثه عن معلومات حول الظاهرة.

الفيلم يحمل رسائل خفية تتمثّل في بثّ الأمل في نفوس هؤلاء الكبار الذين شعروا بأن الحياة توقّفت عنهم نتيجة حالة الوحدة التي يمرّون بها

ولا يعرف محمود شيئا عن عالم الإنترنت فيلجأ إلى الشاب “أسامة”، الذي يلعب دوره الفنان الصاعد علي الطيب، صاحب مقهى الإنترنت الذي يمتلئ بالشباب، وهنا يكون الصدام بين محمود وأفراد هذا الجيل الذين يسخرون منه بعد سماعهم تعبيره عن رغبته في تعلم استخدام الإنترنت من أجل البحث عن معلومات حول عالم الديناصورات.

وفي المقابل تظهر شخصية الفنانة شيرين رضا “صفية”، وهي سيدة في أوائل الخمسينات من العمر وتعاني من مرض السكري، يراها جارها محمود خلال مرورها بالصيدلية المقابلة لبيته لاقتناء حقنتها العلاجية (الأنسولين). هنا نكتشف عالم العزلة الذي تعيش فيه السيدة، بعد هجرة ابنها الذي أصبح يعمل في إحدى دول الخليج، وتجاهله السؤال عنها، ويظهر ذلك في محادثة هاتفية لا تتعدى ثواني معدودة، ويلوم الابن والدته على اتصالها به في وقت نومه.

وصفية التي تبدو عليها علامات السن المتقدّمة من حركة رجليها، تعاني ألم الوحدة والمرض بعد استئصال أحد ثدييها وتساقط شعرها بسبب العلاج الكيميائي، ما انعكس على ملابسها، فارتدت ملابس واسعة وجهازا تعويضيا بمنطقة الصدر، ويقدم الفيلم في أحد المشاهد، التي سقط فيها الجهاز التعويضي الذي ترتديه أثناء تغيير ملابسها، زاوية دقيقة لنظرة سيدة تساقط معها الزمن بقسوته.

وبرغم العزلة التي تسيطر على محمود في متجره ومنزله الذي يعيش فيه بمفرده لكونه غير متزوّج، وكذلك عزلة صفية داخل منزلها الذي يؤنسها فيه جهاز الراديو، تنشأ علاقة حب بين الاثنين ترفضها الأخيرة في البداية بسبب حالتها المرضية، لكنها تكتشف أن محمود يعلم الحقيقة كاملة بعد أن قامت بتصوير أوراقها المرضية لديه منذ سنوات، لتنتهي العلاقة بالزواج في النهاية.

التساؤل حول انقراض الديناصورات يكشف أيضا جهل الجيل المعاصر الذي ركّز اهتمامه على استخدام التكنولوجيا في الألعاب ومواقع التواصل

واختار مؤلف الفيلم فكرة الديناصورات لتكون هي محرك الأحداث في شخصية البطل محمود؛ لأن انقراض الديناصورات يتوافق مع فكرة انقراض مشاعر الإنسانية والإحساس بالآخر في عالم تبدو فيه التكنولوجيا قد قتلت مثل هذه المشاعر.

والتساؤل حول انقراض الديناصورات يكشف أيضا جهل الجيل المعاصر الذي ركّز اهتمامه على استخدام التكنولوجيا في الألعاب ومواقع التواصل، ويظهر ذلك في مشهد اصطفاف الشباب على المقاعد في مقهى أسامة وتصدرهم أمام منصات الألعاب.

ومن أهم مميزات “فوتو كوبي” التوازن الذي أحدثه مؤلفه بالشخصيات، ففي الوقت الذي تنشأ فيه علاقة حب بين رجل وامرأة متقدّمين في العمر، تظهر علاقة مماثلة بين أسامة صاحب مقهى الإنترنت و”داليا” الطبيبة التي تعمل بالصيدلية التي تتردّد عليها صفية، وتلعب دورها الفنانة فرح يوسف.

ويحمل الفيلم رسائل خفية تتمثّل في بثّ الأمل في نفوس هؤلاء الكبار الذين شعروا بأن الحياة توقّفت عنهم نتيجة حالة الوحدة التي يمرّون بها، ويبدو ذلك في الرومانسية التي تداعب محمود الرجل الأعزب الذي يخطّط في عيد الحب لمفاجأة صفية بمصارحتها، ويستكمل ذلك بالأحلام التي يشاهدها فيها بكامل أنوثتها، بشعرها المنسدل وفساتينها المنقوشة، رغم علمه بحالتها الصحية.

وتتواصل رسائل الأمل في تلك اللحظة التي تبعث بها صفية لإحدى الشابات الصغيرات وتجمعهما غرفة الفحص الدوري لسرطان الثدي بعد أن أصيبت الشابة بانهيار أثناء الفحص، فتحاول صفية طمأنة الفتاة بمداعبتها ورسم ابتسامة على وجهها.

16