"فودكا" كتاب النميمة المصرية عن وقائع هزيمة المثقف

حظي الجزء الأوّل من كتاب الصّحافي أشرف عبدالشّافي «البغاء الصحافي» بحفاوة بالغة من قبل الكثيرين الذين وجدوا فيه نقطة ضوء لكشف المستور عنه في السلطة الرابعة، بعد أن رفع ستار الحياء عن هذه السلطة ورجالاتها؛ فتضمن أسماء لكبار الصحافيين وقد جرّدهم من كل فضيلة أخلاقية دفعتهم إليها لعبة الكراسي، والتطلّع إلى كرسي يجلس عليه زميل شاركهم الخبز والسرير، لكنه لم يشاركهم مغانم السلطة، وبقدر الحفاوة كان الانزعاج من الطرف الثاني ممّن وردت أسماؤهم في الكتاب.
السبت 2016/02/13
الهزيمة والانكسار (لوحة لبهرام حجو)

اختار الكاتب والصحافي أشرف عبدالشّافي عنوان “فودكا” الصادر عن دار مقام بالقاهرة، لكتابه الجديد الذي يتحدّث عن خبايا الصّحافة وتحولات وسقطات الكبار من عتاة المهنة، مع أنه يقرّ بأن الفودكا «مشروب سيء الطعم» لكن حروفه ذات فخامة، وهو ما يعني أنك تقرأ كلاما فخما عن مشروب حرام في نظر البعض، وممتعا أو لاذعا أو سيّئا بالنسبة إلى آخرين، هذه المراوحة بين المتعة والحرام، والفخامة والسوء هي التي تتمحور حولها فصول الكتاب وشخصياته التي تتراوح بين الحرام والحلال، والأخلاق والانحلال أو الفضيلة والرذيلة.

السقوط والمال

يجمع كتاب “فودكا” بين الكبار والصغار، الأساتذة والتلاميذ، في معارك سقوطهم وهم يُوَلّون شطورهم نحو السلطة، مع اختلاف أيديولوجياتهم، كل الأسماء والنجوم في عالم الصّحافة حاضرة بأسمائها وصفاتها، فهيكل الذي تباهى بأنّه عاصر كل الرؤساء ومن قبلهم ملك، هرول إليهم جميعا حتى آخرهم مرسي، وعادل حمودة يستغل هذه الهرولة لقتل الأب، على نحو ما فعل بلال فضل مع أستاذه إبراهيم عيسى عقب شهادة الأخير في محاكمة مبارك، كما شمل السّقوط ما فعلوه مع بعضهم البعض، على نحو ما فعلوا مع عبدالله كمال، حيث كانوا يقاتلون في الخفاء لتنحيته عن موقعه بالقرب من جمال مبارك، ثم زايدوا على موقفه من مبارك بعد تنحيته، وما إن مات الرجل فجأة حتى اصطفوا في الصف الأول في سرادق عزائه.

حينما جاءت الثورة، أسرع كتاب السلطة ومثقفوها ليقدِّمُوا قرابين الولاء عند خيمة الوافد الجديد؛ فيُعلن مجدي الجلّاد «أنا إخواني»، ويحكي قصة عائلته الإخوانية، كما يكتشف رجل الأعمال الدكتور حسن راتب أنّه حفيد حسن البنا، ويتعجّب الدكتور حسن نافعة من الليبراليين الذين يتحدّثون عن أخونة الدولة، واتهمهم بتضخيم الأمور، والغريب أنّ الإعلامي الرِّياضيّ ياسر أيوب يكتشف أنّ كرة القدم ولدت في حضن الجماعة. فقد كان ثمّة سباق فيمن يركب بمقدمة السيارة، وما إن تغيّر المسار بعد أحداث 30 يونيو حتى يمّمُوا على الفور وجهاتهم حيث السّاكن الجديد، ولم يدّخروا لا الحيلة ولا الجهد للنفاذ إليه.

لا تنبع أهمية الكتاب من أنّ صاحبه ذكر الأسماء صراحة دون مواربة أو بالرمز، وإنما تنبع أهميته ممّا كشفه من علاقات غير شرعية بين السلطة الرَّابِعة والسُّلطة التنفيذية، من ناحية وعلاقتها بالمال من ناحية ثانية. فبدلا من أن تكون هذه السلطة هي عين المواطن على هذه السلطات، صارت عيونا لها على الجميع، بل أخرجت لسانها للكلِّ. الكتاب كشف عن تبدّلات في مواقف هؤلاء الكتاب وعن حروب خاضوها من أجل الاقتراب من السلطة.

الكتاب ذكر الأسماء صراحة، وتتبع أهمدته مما كشفه من علاقات غير شرعية بين السلطة الرابعة والسلطة التنفيذية

كما يتحدث “فودكا” عن لعبة رأس المال الذي كان بمثابة رمانة الميزان بين السلطة والصحافة، فدخل رجال المال وصنعوا صحافتهم وجرّدوا الدولة من أهم صحافييها بالإغراء المالي تارة، وبتقريبهم إلى السلطة تارة ثانية، وقد زحفت أهم الكفاءات، وصُنع من هوامل الناس كتّاب ومستشارون كما في تجربة محمد فودة؛ لقد كان ثمة سباق حثيث وصراع خفيّ بين هؤلاء الرأسماليين الجدد وبين السلطة، لذا تحصّنوا بهذه المؤسّسات.

معظم القصص الواردة في الكتاب، عبارة عن تجارب شخصية مرّ بها الكاتب مع هؤلاء الكتاب بحكم علاقته بهم قبل أن تحدث الطفرة للكثير منهم منذ أن كانوا يتقاسمون فتات النقود التي تكفي فقط للساندويتش والمواصلات، وبعضها عن أشخاص ارتبط بهم بحكم العمل في مكان واحد، أو من عاش معهم في شقق أيام العزوبية وغيرها. فهو يتحدّث عن أبطال هزت الثورة بعواصفها أرضهم، فصاروا شخصيات روائيّة مكتملة الأركان، ومع الأسف كما يقول هي «شخصيات تعكس الطبقة المتوسطة بكل أمراضها وأحلامها وأوهامها ورغباتها وشهواتها، قادمين من الريف والمُدن المتواضعة، مقهورين ومهزومين وباحثين عن شهرة وفلوس، وبينهم أولاد ناس بالطبع».

لا ملائكة على الأرض

ربما بطريقة غير مُباشرة يحكي الكاتب عن شخصيات عاشت وقع الهزيمة والانكسار، ولم يكن بديلا لها سوى الهروب كما حدث مع تجربة وائل قنديل، بعدما انحاز كليّا إلى معسكر الرئيس مرسي، وبالمثل محمد ناصر الذي ناله من عقاب استضافته في قناة المحور ليتحدث عن الجزء الأول من الكتاب، فلحقه العقاب سريعا بغلق برنامجه، وَشُرّد إلى أن فرّ والتحق بالفارين إلى جنة الإخوان الحالمين بالشّرعيّة. لكن الهزيمة الحقيقية التي يرصدها الكاتب كانت في علاقة المثقف الليبرالي عمرو حمزاوي بالفنانة بسمة، وشعور الهزيمة التي جسّدها عمرو في مقالة له عن حواراته الليلية مع بسمة.

قصص الأحلام التي سقطت تحت أقدام السلطة والمال

الجامع المشترك بين هذه الشخصيات التي صارت شخصيات درامية، على الرغم ممّا حققته من نجومية وصلت بالبعض أن يتمادى ويطمح إلى أن يرشح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية، وبالفعل في الدولة الجديدة وجد له مكانا كمستشار لرئيس الجمهورية، وهناك آخرون طمحوا إلى أن يكرّروا تجربة هيكل الصحافيّة، وفئة سعت إلى التطهّر كما في تجربة بلال فضل الذي قتل الأب، وغيرهم سعوا إلى التمسّك بمبادئهم ورفضوا الهجرة، وكانت أقصى طموحاتهم أن يمسكوا كارنيه النقابة كما في تجربة سعيد شعيب الذي بكى عندما عثر عليها.

المشترك بين هذه الشخصيات على اختلاف ما حققت وما انتهت إليه هو الهزيمة والسقوط، والكتاب رغم صراحته إلا أنه تسجيل دقيق لوقائع سقوط هذا المثقف ابن الطبقة المتوسطة، سقوطه مع سقوط الشعارات الكبرى التي رفعت، والأحلام التي هوت، والأخرى التي داستها السلطة وقهرتها.

الكاتب على الرغم من نبرة التهكم التي تبدو عليه وهو يعرض وقائع سقوط أصدقائه وزملائه وأساتذته، والبادية في العناوين التي اختارها للفصول، أو حتى المقتطفات التي صدّر بها للفصول من: أمل دنقل وإيليا الحاوي، وأحمد فؤاد نجم، وجمال الغيطاني وإبراهيم داوود، ومريد البرغوثي وأورهان ولي، وآخرين، كان في حقيقة الأمر يرثي بها نفسه وهذا الجيل الذي سقط، الجيل الذي وصفه ذات مرّة بأنه «جيل يوم السابع» الذي حفر في الصّخر ليصل إلى ما وصل إليه رغم المعوِّقات. لكنه اكتشف أنّ الجميع -مع الأسف- كان هشا وضعيفا، لم يصمد أمام إغراءات السلطة أو الواجب الاجتماعي، أو حتى التحولات. فقد استطاعت السلطة أنْ تروِّض الكثير منهم، ومَنْ فشلت في ترويضه همّشتُه وقهرته.

الكتاب شهادة على علاقة صراعية بين طرفين كان الأجدر أن يكون فيها الثاني، الصحافة، منافسا للأوّل، وذلك في مراقبة هذا الطرف للسلطة، ومحاسبتها، لكنه صار تابعا لها ويتودّد إليها، والغريب أنها تُعرض عنه، فيبتذل في عروضه كراقصة استربتيز، ومع الأسف بقدر ما كان يبتذل في العرض كانت تنأى وتشيح بوجهها عنه، وتختار مُنافسه ليكون إلى جوارها.

كان الكاتب مثاليا حينا إلى حدّ ما، وكان مرهونا بعاطفة الصّداقة حينا آخر، وأحيانا يظل ينتظر لحظات النور التي تأتي صدفة للبشر، لكنها لم تأت، وذهب الجميع حيث اختاروا، واكتفى الكاتب، وهو يتعجب من هذه الأحوال، بأن يقول بصوت موجع “كفاية قرف”.

17