فورة تحركات دولية لإنعاش الاقتصاد التونسي

التجاذبات السياسية والعملية الإرهابية لم تمنع الدول والمؤسسات المالية الدولية عن تقديم الدعم المالي وضخ المزيد من الاستثمارات للبلد، الذي يعتبر أيقونة الديمقراطيات الناشئة في منطقة مضطربة.
الجمعة 2018/07/13
البنية التحتية في قلب الاستثمارات الأجنبية
 

اتسع اهتمام الكثير من الدول والمؤسسات المالية الدولية بتقديم الدعم للاقتصاد التونسي من خلال تنفيذ مشروعات البنية التحتية واستكمال الإصلاحات الشاملة، وخاصة المتعلقة بإعادة هيكلة النظام المالي ودعم الموازنة، وسط ترجيح الخبراء بانتهاء الأزمة تدريجيا رغم البطء الشديد في تنفيذ الخطط.

تونس- اعتبر خبراء أن فورة التحركات الدولية الأخيرة لإنعاش الاقتصاد التونسي، ستكسب الإصلاحات الحكومية زخما كبيرا، في ظل المؤشرات التي تظهر أن البلاد تسير نحو الخروج من دوامة الكساد.

ولم تمنع التجاذبات السياسية المستمرة والعملية الإرهابية التي هزت تونس مطلع الأسبوع، الدول والمؤسسات المالية الدولية عن تقديم الدعم المالي وضخ المزيد من الاستثمارات للبلد، الذي يعتبر أيقونة الديمقراطيات الناشئة في منطقة مضطربة.

وتلقت تونس الأسبوع الجاري دعما من الصين بالانضمام رسميا لمبادرة “الحزام والطريق”، إلى جانب قروض بشروط ميسرة من البنك الدولي وأخرى من ألمانيا تبلغ قيمتها الإجمالية نحو مليار دولار لدعم التوازنات المالية المختلة.

ماري فرنسواز ماري نيللي: رصدنا إشارات قوية على انتعاش الاقتصاد التونسي منذ مطلع العام الجاري
ماري فرنسواز ماري نيللي: رصدنا إشارات قوية على انتعاش الاقتصاد التونسي منذ مطلع العام الجاري

وبعد ماراثون من المفاوضات، دخلت تونس في المبادرة الصينية بتوقيع وزير الخارجية خميس الجهيناوي مذكرة تفاهم في بكين الأربعاء الماضي، مع نظيره الصيني وانغ يي، لتكون بذلك آخر الدول المنضمة لهذا البرنامج الضخم، الذي رصدت له الصين أكثر من تريليون دولار.

وأكد الجهيناوي في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني العربي المقام في بكين، أن انضمام بلاده للمبادرة سيدعم مساهمة الصين في إنجاز مشاريع البنية التحتية المدرجة ضمن المخطط التنموي الخماسي الذي ينتهي أواخر 2020.

وقال إن “تونس لديها مؤهلات واعدة للاستثمار نظرا لموقعها الاستراتيجي في المنطقة العربية والأفريقية والأورومتوسطية، كما أنها توفر الطاقات البشرية الكفؤة التي تحتاجها الشركات”.

وستجعل هذه الخطوة من تونس قبلة للاستثمارات الأجنبية في المستقبل خاصة باتجاه القارة الأفريقية، وهو ما يضعها في منافسة مباشرة مع المغرب، الذي بات مركزا للاستثمارات الصينية بفضل رؤية الملك محمد السادس.

ونقلت وكالة شينخوا الصينية عن وانغ يي قوله إن “الصين ستواصل دعم المجهود التنموي في تونس، من خلال إنجاز المشاريع المتفق عليها واستكشاف مجالات جديدة للتعاون في المستقبل”.

ورغم أن بكين لم تكشف عن حجم الأموال المرصودة لتونس، لكن ترجيحات تصب في أنها ستنجز مشاريع ميناء المياه العميقة بالنفيضة وجسر بنزرت ومشروع “التليفريك” في جندوبة وبناء خط للسكك الحديدة يربط تونس بليبيا.

وهناك اتجاه على ما يبدو لتعزيز التعاون في قطاع النقل، من خلال إطلاق خط جوي مباشر بين البلدين لتسيير رحلات مرتين في الأسبوع، مع اعتماد إجراءات التأشيرة الإلكترونية.

وتروج الصين للمبادرة كسبيل جديد لدعم التنمية العالمية، منذ أن كشف الرئيس شي جين بينغ عن الخطة في 2013 والتي انضم إليها قرابة مئة بلد ومنظمة دولية وإقليمية بهدف تعزيز الروابط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا من خلال استثمارات ضخمة.

وحتى تستطيع الحكومة استكمال برنامج الإصلاح، تلقت دفعا آخر من ألمانيا التي قررت إقراض تونس 357 مليون دولار بشروط ميسرة في السداد تمتد لـ15 عاما مع خمس سنوات إمهال ونسبة فائدة 2.3 بالمئة، وسيتم ضخها على ثلاثة أقساط بحلول 2020.

وقال زياد العذاري وزير التنمية والاستثمار والتّعاون الدولي في مؤتمر صحافي عقب توقيع اتفاقية تمويل بقيمة 119 مليون دولار لدعم الموازنة الحالية وإعادة هيكلة النظام المالي والقطاع المصرفي إن “تونس لديها التزامات كثيرة ولا خيار لها سوى الحصول على تمويل خارجي”.

وتحتاج الحكومة تمويلات خارجية بقيمة 4.2 مليار دولار لتغطية العجز في الموازنة المقدر بنحو 4.9 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وفرض البنك المركزي في أبريل الماضي، قواعد حوكمة مصرفية جديدة، ضمن خطة موسعة لتحسين أداء القطاع الذي يعاني من أزمة مالية غير مسبوقية، وقد اعتبرها محللون ضربة مزدوجة لإصلاح النظام المصرفي وإخراجه من الركود.

وتتضمن الاتفاقية كذلك منحة مالية بقيمة تقدر بنحو 12 مليون دولار، سيتم إبرامها لاحقا للمساعدة على تنفيذ إصلاحات متفق عليها. ولم تقف التحركات عند ذلك الحد، بل قدم البنك الدولي دعما إضافيا بقيمة نحو 630 مليون دولار، لثقته في نجاح التجربة التونسية، موزعة بين دعم الموازنة بنحو نصف مليار دولار، والباقي لبرنامج التنمية الحضرية والحوكمة المحلية.

وتلتزم تونس، بحسب الاتفاق الذي وقعه العذاري مع ماري فرنسواز ماري نيللي، المديرة الإقليمية للبنك في المغرب العربي ومالطا الأربعاء بسداد القرضين على 28 عاما، مع إمهال لخمس سنوات، وبنسبة فائدة لا تتجاوز واحد بالمئة.

وانغ يي: سنواصل دعم جهود التنمية في تونس بإنجاز المشاريع المتفق عليها
وانغ يي: سنواصل دعم جهود التنمية في تونس بإنجاز المشاريع المتفق عليها

وقالت نيللي في ندوة صحافية عقب التوقيع إن “هناك إشارات قوية على انتعاش الاقتصاد التونسي منذ مطلع العام الجاري، مع استعادة قطاع الصناعات التحويلية زخمه، وتحسن مؤشرات السياحة”، التي حققت عوائد في النصف الأول من العام بلغت 491 مليون دولار.

وأوضحت أن هناك مؤشرات كثيرة على تحسن مناخ الاستثمار، لكنها حثت السلطات التونسية على العمل أكثر لاستقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية في الفترة المقبلة لتحفيز النمو الاقتصادي.

وتطمح تونس من وراء قانون الاستثمار الذي أقرته قبل عام إلى إعادة جذب المستثمرين الأجانب بعد سنوات من الركود بسبب الوضع الأمني الهش وتزايد الإضرابات.

ويتضمن القانون حوافز للمستثمرين المحليين والأجانب، من بينها خفض الضرائب وإعفاء الأرباح من الضرائب لعشر سنوات وإنشاء صندوق استثماري يساهم في تمويل مشاريع البنية التحتية لتشجيع المستثمرين على إقامة مشاريع في المناطق الفقيرة.

ووفق بيانات رسمية، فإن حجم التمويلات التي قدمها البنك منذ مطلع يوليو العام الماضي، وحتى نهاية يونيو من هذا العام، بلغ حوالي 930 مليون دولار، منها مئة مليون دولار في شكل هبات.

وقال العذاري إن “حجم التمويلات المقدمة لدعم الموازنة بلغ مليار دولار حتى الآن، منها قسطان من صندوق النقد الدولي بقيمة إجمالية تقدر بنحو نصف مليار دولار”.

ويرى اقتصاديون أن الارتفاع المستمر في حجم الدين العام البالغ 70 بالمئة تقريبا يشكل حجر عثرة أمام الحكومة لتنفيذ الإصلاحات، وذلك استنادا لتوقعات وكالة موديز للتصنيف الائتماني التي ذكرت أن معدل النمو هذا العام سيبلغ 2.8 بالمئة، في حين تتوقع الحكومة نموا بنحو 3 بالمئة.

ولكن نيللي تتوقع نمو أقل من ذلك عند 2.5 بالمئة لتونس، التي حلت في المركز السادس في منطقة الشرق الوسط وشمال أفريقيا، والمركز الـ88 عالميا من أصل 190 دولة، في تقرير ممارسة الأعمال 2018 الذي أصدره البنك الدولي مطلع فبراير الماضي.

11