فوزية أبو خالد شاعرة شجاعة تقبض على الجمر وتعاكس التيار

الأحد 2014/06/15
فوزية أبو خالد شاعرة إنسانية تنتمي إلى الجديد بروح طفولية

تعتبر الشاعرة فوزية أبو خالد المولودة في الرياض سنة 1956 من الأصوات الشعرية المجددة في المملكة العربية السعودية، وهي بمثابة صوت متمرّد وملتزم بقضايا الإنسان والحرية. درست في الجامعة الأميركية ببيروت، وفي الولايات المتحدة وبريطانيا، وحصلت على الدكتوراه في "المرأة والخطاب السياسي" من جامعة سالفورد بمانشستر.

تتلمذت على أيدي أعلام في الثقافة كالشيخ حمد الجاسر ود. إحسان عباس، والشاعر خليل حاوي، ود. هشام شرابي، ود. سلمى الخضراء الجيوسي.

صدر لها عدد من المجموعات الشعرية، بدءا من "إلى متى يختطفونك ليلة العرس" (19975)، "قراءة في السر للصمت العربي/ أشهد الوطن" (1982م)، "ماء السراب" (1995)، "مرثية الماء"، (2005)، "شجن الجماد" 2006.تُرجم عدد من أعمالها الشعرية إلى اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.

خلال أيام تكون أعمالها الشعرية الكاملة مضافا إليها ديوان جديد في متناول القراء العرب، وذلك في مجلد كبير يصدر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت"، وقد قدم للأعمال كل من د. سلمى الخضراء الجيوسي، والشاعر والكاتب السعودي علي الدميني. وقد خصت الدار "العرب" بكلتا المقالتين، ننشرهما احتفاء بالشاعرة.

يفاجئك شعر فوزية أبو خالـد باتساع رقعة اهتماماتها، فهي تجمع بين الشخصي الحميم، وبين هموم العالم الواسع، وهذه علامة الأصالة الأولى. يعنيها العالم، وأول ما يعنيها هو الوطن العربي، لا سيما البلدان التي تعرضت للفواجع وعلى رأسها فلسطين، ولكن هموم العالم العربي جميعه تحاورها باستمرار:


“في الصفاة بين غياب الشهود وصمت القضاة

ذهب مصعب في الراية وبقيت الراية

من المحيط إلى الخليج

من الخليج إلى المحيط”.


أو:


“هل كان كل ما ينقصنا سلام ناقص

لنسلم مفاتيح القدس وغرناطة وبغداد

دفعة واحدة؟”.


أي شاعر يمكنه التغاضي عن المآسي التي تفجرت في الوطن العربي، في هذا الزمن المتحرك المليء بالظلم، ورفض الظلم الذي ابتليت به شبيبته ورواد مستقبله؟ عن الاستهتار بحياته ومتطلباته، والتجاهل لمعنى التحولات التي يحكمها منطق اللحظة، وإنكار الأسئلة اللجوج التي يطرحها، والتي ستتضاعف لجاجة:


“لم يخرج كل ما قلنا

في الذبح العربي

عن باب المديح

والهجاء

أو الغزل”.



شاعرة شجاعة


امرأة عظيمة الشجاعة، لا تتصالح لحظة واحدة مع اعوجاج المارقين، بل تظل قابضة على الجمر:


“رأيتك تخلعين العباءة

تديرين الرحى

تشبين نارا

فتسّاقط رهط من العبيد وأعدّ للشواء البعض

وعبد النار بعض آخر

وسلّم آخرون شعاراتهم وسيقانهم للريح

لم يبق من القوم إلا القابض على جمر الوطـن”.


قصائدها، إذن، العامرة بالحب للوطن العربي الكبير، والقلق عليه، والشوق لبوادر التغيير ومنازع حركته المشرئبّة نحو مستقبل متحرر، هو نوع من ولاء قديم منغرس في النفس، فهي لا شك شاعرة وافدة من عالم الأصالة النادرة، في زمن التأقلم والتفسخ والتنصل على حساب الكبرياء وحصافة الرؤيا وشجاعة القلب.

حالما تبدأ بقراءة أول دواوينها بعنوانه الاحتجاجي ‫”إلى متى يختطفونك ليلة العرس‫” الذي فاجأ القارئ بروح صبية نادرة في تمردها، ومنه إلى دواوينها الأخيرة ‫”شجن الجماد‫”، و‫”تمرد عذري‫”، و‫”ملمس الرائحة‫”، تواجه مثالا على تحدى شاعرة غير هيابة، وعدم ترددها لدفع ثمن الانفتاح على التجديد، وشذب الرؤى العتيقة المتراكمة التي أصبحت غير قادرة على الحياة، في عالم لم يعد متسامحا مع الظلم المترسخ في عالمنا، لا سيما ظلم المرأة وحجرها دون الحياة‫:

شعر أبوخالد لا يشكو من الغموض المعقد الذي أرهق الكثير من التجارب الشعرية


“كل صنوف الغنج والتنكيل التي تلقاها

نساء الضيم في بلدي

بعض من حضارتنا

بعض من ثقافتنا

بعض من هزائمنا”.



‫أنا الممسوسة


إنها من أوائل ثائرات الجزيرة، ولعلها أصبرهن وقوفا ضد الظلم، ومن أبرز المبدعات العربيات دعـوة إلى دخول العصر،‫ ومعانقة الحياة اللائقة بالإنسان، وتحرير المرأة من موانع ومحظورات لا تكرّمهـا ولا تحترم إنسانيتها:‫


“أنا البنت التي بها مس

ويلبسها القرين إلى القرين”.

هي البنت نفسها التي تكتب، بعصيان حرون، قصيدة مخالعة:

“خلعتْ أسنانَ اللَّبن وتمضمضتْ بالحبرِ

خالعتْ طاعاتٍ طاعنةً في العمرِ

شبَّتْ عن الطَّوقِ

وأشعلتْ حريقاً صغيراً …”.

علاقتها مع الشعر عميقة راسخة ووصفها لهذه العلاقة دقيق مبهر:

“أغفو

فتتسلق القصيدة نوافذي

على حبال أعصابي التي تمتد إليها

خلسة عني

ترش زيتها على أصابعي

وترمي شمعداناتها المشتعلة

على الفراش”.


قصيدتها ‫”المكتبة‫”، في مجموعتها ‫”شجن الجماد‫”، تصف المنذورين للكتابة والإبداع وصفاً يتعرف عليه من عاناه حالا، ففيه مفاتيح ألفة لا يدركها إلا المنذورون، ولكن دقة لغتها وحيوية وصفها قادرتان على أن تدهشا حتى من لا يعرف معنى هذا التكريس وأبعاده‫:


“أُولِئكَ الأَشْقياءِ الذينَ أَدارُوا ظُهورَهم عَاريةً للعالمِ

وانحْنَوا دونَ خَشيةٍ من طَعَناتِ الخلْفِ

يَحرُثونَ سَواقِي الحبرِ بِوَحشيِّةٍ

وَبِحُزنٍ وَحُبورِ يَعبُّونَ أنْخابَ وِحدَتِهِم

وَحدَهمْ.”.



جنازة امرأة


لعل أكثر ما يلفت النطر في هذا الشعر هو حساسية الشاعرة نحو التجربة الإنسانية وشفافيتها. فمن أعماق الذاكرة تستنبش في قصيدتها “نكهة الموت الأولى” صورة جنازة لامرأة فتية شاهدَتْها في أيام صباها اليافع، فعرّفتها، للمرة الأولى، على معنى الموت، ولم تنسها قط:


“من مكامن سحيقةٍ في الذَّاكرةِ

يلتمِعُ نعشٌ كان مكلَّلاً بالشَّوكِ والغارِ.

مَن كانت تلك الملكةُ المكحَّلةُ المعطَّرةُ

التي تمدُّ ساقَيها كنهرِ كهرمانٍ،

وتستلقي دونَ خشيةٍ على أكتاف الرِّجالِ،

وهمْ يذهبونَ بها بعيداً..

مَن.. مَن كانت… الملكة…؟ عبثاً أكدُّ الذَّاكرة

ليس إلا لذعة حزنٍ غامضٍ

تعبثُ في قاع القلبِ ..”.



حداثي وتراثي


إذا نظرنا إلى النص الشعري عندها، واجَهَنا تعبيرها الشعري الأنيق الرشيق، ملتزما بالعناصر الشعرية جميعها، فلا تغمط المعنى حقه في سبيل تنويع الصورة المبتكرة والعبارة الجديدة، أو العكس، فهي تحافظ على قاعدة الشعر الأولى، التي يدركها الشاعر الأصيل بمحض الغريزة الشعرية الصائبة، وهي الجمع بين شعرية المعنى وجمال المبنى في القصيدة.

إن إمساكها باللغة الشعرية مدهش، لم تتدرج قوة علاقتها المبتكرة بها مع السنين، بل لازمتها منذ أول مجموعة. لحظة بدأت كان قاموسها ثَرِيا بشكل لافت، معجونا بالشعر، مرتويا بالمفردات الغنية ويتوسع باستمرار. أما العبارة الشعرية وتركيب الجملة فهما مزيج من الحداثي والتراثي. تجتمع في تركيب عباراتها المتماسكة نفحة التراث، دون أن يبتعد، نصها الشعري، إطلاقا، عن يومه ومعاصرته، ودون أن تتداخل فيه روح ذكورية أو نعومة مغناج. اللغة الشعرية هي عنصر الشعر الأول، وعليها قبل كل شيء تُبنى قوة الشعر والشاعر.


لغة الشعر


ما حدث للشعر العربي المعاصر هو، أولا، أن عددا غير قليل من الشعراء تقمصوا لغـة متشابهة فلا يسجل الشاعر أسلوبا خاصـا يُعرف به، بينما يُعرف الشاعر المتميز قبل كل شيء بلغته الشعرية حالما تقرأه أو تسمعه، فهل من يخطئ في التعرف السريع على نزار قباني مثلا وهو الذي كان أبرع من اختار أصلح كلمات اللغة لمعناه المعين، أتحدّث هنا عن الكلمات التي لا بديل في اللغة أحسن منها.

رائحة المطر

فوزية أبو خالد

تحتفي الأرض العطشى

والبساتينُ المترعةُ بعبيرِ الماء

تخرجُ الحلزونات من مخابئها

وتتلوى بغنجٍ الأغصانُ والقمصانُ

يغافل الأطفالُ الكبارَ

ويخرجونَ على المطر

بعضهم آت من ماضٍ سحيقٍ وبعضهم للتوِّ عاد من المدرسة

ينتشرُ القطرُ المعطر في الهواءِ

فتتزينُ نوافذي بأحزانٍ غامضةٍ

منها ما علقَ بمريولي

منها ما علقَ بثوبِ عرسي

ومنها ما أنشبَ مخالبَهُ المخمليةَ بشال الشتاءِ

في أعماري المبتعدةْ.

تباغتني رائحة المطر

بما خلتُ أني شفيت منه

حين تنكرت لأعشابي القديمة

وغيرت عطري

وأوغلت نحو مراحل أقل حرقةٍ في العمرِ

بيدَ أن المطرَ كما يبدو

يملكُ أخلاطاً سحريةً

تعيدنا صغاراً

في لمح البصر

غير عابئ بعدها

بما يتركه علينا من أعراض الانسحابْ.

ثانيا، قد يحدث أن عددا من الشعراء يمعنون في اختراع مفردات جديدة متتالية لم تدخل بعد في المصطلح الشعري العربي. إن الجِدَّة في عناصر الشعر جميعها مطلوبة، شريطة أن تحافظ على شروط الشعر الجيد وهي شروط يدركها الشاعر الأصيل دون أن تكون مكتوبة في كتاب، وليس تراكم الكلمات الجديدة واحدا منها. الجدّة الكاملة في اللغة الشعرية لا تضمن جودتها أو ملاءمتها للقول الشعري ولا تصبح بالضرورة جزءا من المصطلح الشعري الجديد في لغة الشعر المعاصـر لها، فالتوازن في عناصر القصيدة وقدرة القول الشعري على التأثير السريع على القارئ، حتى عند تعقد المعنى الكلامي عليه، هما الجواز الأهم للشعر. وهذا لا يتوافق مع انهمار لغة جديدة متلاحقة لم يدشنها الشعر بعد. إنها لهاث مقصود لا قيمة شعرية لـه في النهايـة.


نموذج فريد


أما فوزية، فيظل أسلوبها في أغلب شعرها نموذجا فريدا في رعايته للمبنى والمعنى. إن افتتان فوزية بالصورة المبتكرة والعبارة الجديدة والقاموس الشعري الواسع، لا يجد له مثيلا كثيرا في الشعر، لأنه دائما يقوم على معنىً فيه قيمة شعرية وإنسانية واضحة، هي أصل في إمساكه بلب القارئ الذي يريد للشعر أن يقول له شيئا منفتح الأفق، كاشفا لأسرار القلب والروح، فاضحا لما يشين الحياة من قهر وانغلاق.

ولأنها تهتم بالمعنى وتؤديه بوضوح فإن شعرها لا يشكو من الغموض المعقد الذي أرهق الكثير من التجارب الشعرية وأطفأ بريقها.

أنا لست ضد الغموض الشعري المبني على المعنى المركّب، الذي قد يصور تعقيدات الحياة، أو كثافة التجربة والتفاعل معها، أو تحكّم الشاعر بجمالية الشعر، بل أتحدث عن الغموض الناجم عن فذلكة الشاعر وعجزه عن ردع اندفاعاته أمام تلك الرغبة المصرة على الابتكار، رغم كل شيء، ولو جاء مصطنعا. لا بد أن يكون عند الشاعر ما يقوله للعالم. لا مخرج للشعر إذا لم يخاطب خارج جمال اللـغة حتى لو خاطب الشاعر نفسه منفردا بها عن الكون، مبتعداً بها عن المألوف، ولكنه يطرح في خطابه تجارب حياته الشخصية أو الجمعية، طرحا شعريا يشرك معه الآخرين ويوسع آفاق تجربتهم.


فقد محمد


أمامنا مجموعة كاملة لفوزية تخاطب فيه أخاها محمدا، الذي مرض طويلا ثم مات في العشرين من عمره. وهي لا تتركك إلا بعد أن يصبح محمد فقيدك أنت أيضا، تأسى لضياعه من العالم، ولكن دون سيولـة دمع، دون أن تغرق في العاطفية الجارفـة التي ينكرها الشعر الجيد. ليس بين المراثي في الشعر الذي أعرفه قصائد أكثر تغلغلا في قلب القارئ من قصائد هذه المجموعة الخاصة بموت محمد.

في حرقة الفقدان تتساءل فوزية: “ما الذي قطع تيار النور عن الأرض؟ ” وتضيف:


“أستمهل الليل ليبقى قليلا

وأترك النهار

يطرق الباب

طوال اليوم يطرق

ويطرق

دون أن أفتح الباب”.


لا يمكنك عندما تقرأ انهماكاتها مع الآخرين ممن عرَفَتْهم وأحبتهم، معلمات ورفيقات وقريبات، وقلقها على ورطة الإنسان في الوطن العربي الكبير، إلا أن تأنس لانفتاحها على الآخر، وإلى حضوره معها، ولكنها تواجهك فجأة بانعطاف حاد على الذات الفردية، فإذا بها سيدة المتاهـات الواسعة العاشقة لوحدتها:


“غير أن متاهات الهجرة

تزيد من انقسامي بين

المنافي الفارهة

والأوطان المطبقة

دون أن أجد أحدا

بانتظاري”.


ويعلو في ضميركَ صوت رهيف: كيف استطاعت هذه المنفية التي تأنس لوحشتها، التي عاشت في غربة شخصية دائمة أن تأنس إلى الآخر؟ إن قدرتهـا على التماهي مع زمنها وضد زمنها يعلن عن فرادتها وعن ذلك الإحساس العميق بالمسؤولية الذي تفرضه أخلاقية رفيعة لا تتهجن أبدا في زمن هجين.


* شاعرة وناقدة ومترجمة من فلسطين


إقرأ في العرب أيضا:



شعرية تشكيل الخطاب وجدل الغنائي والتأملي

12