فوز الديمقراطيين ليس بداية النهاية لترامب

لم ينه فوز الديمقراطيين حكم الحزب الواحد بل أنهى حكم الفرد، أي حكم الرئيس الأميركي الذي رسم صورة جديدة للحزب الجمهوري طمست ملامحه ليصبح "حزب ترامب".
السبت 2018/11/10
النظام السياسي الأميركي يعبر حاليا عن حكم الأقلية

مع فوز الحزب الديمقراطي بالانتخابات النصفية لمجلس النواب الأميركي قبل أيام، ينتهي حكم الحزب الواحد في الولايات المتحدة والذي استمر لعامين، ولكن من دون انتهاء حكم الرئيس دونالد ترامب الذي لا يزال يحتفظ بفرصة حقيقية لتجديد ولايته بعد عامين بحسب ما أكدت الانتخابات الأخيرة.

لم ينه فوز الديمقراطيين حكم الحزب الواحد بقدر ما أنهى حكم الفرد، أي حكم الرئيس الأميركي الذي رسم صورة جديدة للحزب الجمهوري طمست ملامحه الرئيسية وأعادت تشكيله ليصبح “حزب ترامب”.

مع بداية حكمه قبل عامين، حاولت مراكز القوى داخل الحزب الجمهوري إخضاع الرئيس المنتخب فواصلت انتقاده في محاولة لتشذيب سلوكه الجامح والخارج عن أعراف وتقاليد الجمهوريين والذي طالما تسبب لهم في حرج كبير. ويشمل ذلك سياسات من قبيل منع سفر شامل لسكان عدة دول مسلمة، والانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ والدخول في نزاعات تجارية وسياسية مع الحلفاء الأوروبيين ومع كندا وإنهاء اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، وفرض رسوم جمركية بصورة تتعارض، تماما، مع مبادئ الحزب الجمهوري الرافض للتدخل في عمل اقتصاد السوق.

ولكن، بعد مرور العام الأول، أدرك قادة الحزب الجمهوري استحالة ضبط سلوك ترامب وكان عليهم الاختيار بين قبوله كما هو، أو مناصبته العداء والتنصل من سياساته وتصريحاته. لم يكن الخيار الثاني ممكنا في ظل إدراك تنامي شعبيته ضمن قاعدة الحزب الجمهوري وخصوصا في ظل تحسن أداء الاقتصاد الأميركي وتزايد حدة الاستقطاب الداخلي. هكذا حكم ترامب منفردا من دون أي قيود خلال العامين الماضيين، وصولا إلى انتخابات الأسبوع الماضي التي أعادت تفعيل التوازن بين مراكز السلطة في النظام السياسي الأميركي؛ لقد أعادت الحياة للديمقراطية.

دفع هذا بعض المحللين إلى التفاؤل ببدء انحسار “تيار الترامبية”، نسبة للرئيس الأميركي، وأن يمهد ما حدث الطريق لخسارة الانتخابات الرئاسية القادمة بعد عامين. لكن هذا التفاؤل يبدو متسرعا ومبكرا وسابقا لأوانه. فأولا، رغم فوز الديمقراطيين بمجلس الشعب، واصل الجمهوريون سيطرتهم على مجلس الشيوخ، بل عززوا تلك السيطرة. يدل ذلك على استمرار شعبية الرئيس الأميركي لدى شريحة محددة من الأميركيين بل وربما توسعها.

لتوضيح ذلك، من المفيد التذكير بأن أحد أهم أسباب انتخاب دونالد ترامب في العام 2016 كان امتناع شريحة واسعة من جمهور الديمقراطيين عن التصويت بسبب إحباطهم من الحزب الديمقراطي وسياساته وعدم قناعتهم بالمرشحة هيلاري كلينتون، هذا فضلا عن استبعادهم التام لنجاح مرشح مثير للجدل مثل ترامب في الانتخابات.

بهذا المعنى، كان لمشاركة فعالة وواسعة في انتخابات 2016 أن تمنع ترامب من الوصول إلى الحكم بحسب الكثير من المراقبين. في الانتخابات الحالية، بدا جمهور الديمقراطيين في حالة تعبئة عالية بسبب البغض الشديد للرئيس الأميركي، واندفعوا إلى التصويت بصورة غير مشهودة منذ الولاية الأولى للرئيس السابق باراك أوباما.

كان ذلك من المتوقع أن يؤدي إلى هزيمة ساحقة للجمهوريين وحدوث “موجة زرقاء” كما كان يحلم بها الديمقراطيون. لكن النتائج جاءت مخيبة جدا وأظهرت تماسك الشريحة الداعمة لدونالد ترامب الذي نجح في تعزيز الاستقطاب خلال ولايته وعمّق الانقسامات داخل المجتمع الأميركي بطريقة رفعت من أعداد مؤيديه وبثت فيهم الحماس.

ثانيا، يشير تاريخ الانتخابات الأميركية إلى عدم وجود علاقة محددة بين الانتخابات النصفية لمجلسي النواب والشيوخ من جهة، وانتخابات الرئاسة بعد عامين من جهة أخرى.

خسر معظم الرؤساء الأميركيون الانتخابات النصفية التي تأتي بعد عامين على توليهم السلطة، ولكن العديد منهم تمكنوا من الفوز بولاية ثانية. يشمل ذلك الرئيسين السابقين باراك أوباما وجورج بوش اللذين خسرا الانتخابات النصفية وفازا بولاية ثانية بعدها بعامين.

ثالثا، يحابي النظام الانتخابي الأميركي الحزب الجمهوري بصورة واضحة تزيد من حظوظه بالفوز في حال حافظ على قاعدته الشعبية الحالية، ذلك أن الحصول على أكبر عدد من أصوات الناخبين لا يضمن الفوز في الانتخابات الرئاسية، ولا في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ.

في انتخابات العام 2016، حصلت هيلاري كلينتون على العدد الأكبر من أصوات الناخبين الأميركيين، ولكنها خسرت السباق لصالح ترامب.

في انتخابات مجلس الشيوخ الحالية، حصل مرشحو الحزب الديمقراطي مجتمعين على أكثر من 12 مليون صوتا انتخابيا، زيادة عن مرشحي الحزب الجمهوري ومع ذلك خسروا الانتخابات. وذلك بسبب تمثيل كل ولاية أميركية بعضوين داخل مجلس الشيوخ بصرف النظر عن عدد السكان فيها. تميل الولايات الريفية للتصويت للمحافظين الجمهوريين وهي تحظى بعدد مقاعد مشابه للمدن الكبرى التي تفوقها بعشرات المرات من حيث عدد السكان.

باختصار، يعبر النظام السياسي الأميركي حاليا عن حكم الأقلية. مسألة لا يبدو أنها قابلة للتعديل في المستقبل القريب. إذ يعد هذا النظام ضمانة الحزب الجمهوري في وجه التغييرات البنيوية العميقة والسريعة التي تهدد وجوده. وأقصد بذلك التغير العميق للتركيبة الديمغرافية للولايات المتحدة والتي أصبحت متنوعة، عرقيا ودينيا، إلى درجة يُخشى من أن تشكل عائقا بنيويا أمام وصول الحزب الجمهوري المحافظ إلى السلطة. تعززت تلك المخاوف بانتخاب رئيس ديمقراطي أسود البشرة لدورتين متتاليتين.

هكذا يعمل النظام الانتخابي الأميركي على تقييد التنوع وإبقائه تحت سيطرة وهيمنة الجماعة البيضاء المحافظة. بهذا المعنى، لا تزال حظوظ فوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب بولاية ثانية قائمة وقوية.

8