فوز المحافظين بالأغلبية.. استفتاء ثان لصالح بريكست

النصر الكبير مقامرة تضمن لجونسون موافقة البرلمان على صفقة المغادرة لكنها لا تعد بطريق سلس.
السبت 2019/12/14
قرار قاطع بطيّ صفحة الاتحاد الأوروبي بعد 47 عاما من شراكة شهدت الكثير من التقلبات

نجح رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون في أن يضمن بقاءه في 10 داونينغ ستريت لخمس سنوات قادمة، سيكون أهم إنجاز له وللمملكة المتحدة خلالها، تحقيق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي بعد أن حقق المحافظون، في الانتخابات المبكرة، أكبر انتصار لهم منذ فوز تاتشر في الثمانينات بأغلبية ساحقة، فيما سجّل حزب العمال أدنى عدد من المقاعد منذ سنة 1935.

لندن - أثبتت نتائج الانتخابات المبكرة في بريطانيا، والتي جاءت لصالح المحافظين بقيادة بوريس جونسون، أن نتائج استفتاء يونيو 2016 من أجل الانفصال عن الاتحاد الأوروبي (بريكست) لم تكن مجرّد انطباع مواكب لموجة الشعبوية الصاعدة في تلك الفترة، أو أن نتيجة التصويت لصالح الانسحاب جاءت بسبب “تدخل خارجي تلاعب بالنتائج”.

في يونيو 2016 صوّت 52 بالمئة من البريطانيين لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، إثر حملة كان بوريس جونسون من أبرز وجوهها. وفي انتخابات ديسمبر 2019، حصد حزب المحافظين نحو 362 من أصل 650 مقعدا في البرلمان، ما يعني فوز جونسون بتفويض يمكنه من إنهاء عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إما في التاريخ المحدد بـ31 يناير 2020، أو في أي وقت آخر تفرضه المفاوضات المقبلة مع بروكسل.

آلان جونسون: جيرمي كوربين سبب الخسارة. كان كارثة  على حزب العمال
آلان جونسون: جيرمي كوربين سبب الخسارة. كان كارثة  على حزب العمال

تنافس الحزبان الرئيسيان (المحافظون والعمال) على القيادة، واعتمد كل منهما برنامجا مختلفا ضمن حملة انتخابية وصفت بغير التقليدية خاصة على مستوى خطاب المرشحين وتبادل الاتهامات، كما الحديث عن التضليل الإعلامي.

وإلى غاية وقت قصير من انطلاق التصويت لم تكن النتيجة واضحة، كما رجحت أغلب الاستطلاعات فوز المحافظين بأغلبية ضعيفة. لكن، حصلت المفاجأة بتدارك حزب المحافظين التراجع الذي سجله في انتخابات 2017 (318 مقعدا)، محققا أقوى نتيجة يسجلها أي حزب بريطاني منذ عقود.

في المقابل، حصل حزب العمال على 203 مقاعد بعد خسارته عشرات المقاعد في معاقله التقليدية، في شمال ووسط إنكلترا لصالح المحافظين، حيث صوت الكثيرون لصالح خروج بريطانيا في استفتاء عام 2016.

كما جاءت نتيجة الانتخابات مخيبة لآمال حزب الديمقراطيين الأحرار المناهض لخروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، حيث فشل الحزب في زيادة حصته من المقاعد عقب عدد من الانشقاقات داخل حزب المحافظين. وفاز الحزب بـ10 مقاعد.

وقالت زعيمة حزب الديمقراطيين الأحرار جو سوينسون عقب خسارتها لمقعدها النيابي في دائرتها الانتخابية إيست دنبارتونشاير في غرب إسكتلندا، إن السبب في هذه النتيجة هو تنامي “موجة من القومية” في إسكتلندا وإنكلترا. وقد فاز مرشح الحزب القومي الإسكتلندي بأغلبية 149 صوتا في هذه الدائرة.

ونجح الحزب القومي الإسكتلندي في استعادة أغلب المقاعد في المناطق التي خسرها في الانتخابات السابقة عام 2017، بحصوله على 48 من أصل 59 مقعدا في إسكتلندا. وتعهدت زعيمة الحزب القومي الإسكتلندي نيكولا ستورجن بإجراء استفتاء ثان على استقلال إسكتلندا، التي تعارض الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكانت إسكتلندا أجرت استفتاء للاستقلال في سنة 2014 انتهى لصالح البقاء.

مقامرة سياسية

هزيمة متوقعة لكوربين
هزيمة متوقعة لكوربين 

بالنسبة لكثير من الناخبين، قدمت الانتخابات خيارين سيئين، حيث يحمل كل من جونسون وكوربين صفات سلبية وواجها نسبة معارضة كبيرة في عدد من الدوائر الانتخابية، لكن في الأخير حسم الناخبون أمر السباق، لصالح جونسون.

وقال إيان لافري، القيادي في حزب العمال، “يشعر الناس بالغضب في معاقل حزب العمال بعد أن اتخذ موقفا أساسيا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ينافي في جوهره ما صوّت لصالحه 17.4 مليون ناخب. تجاهل الحزب هؤلاء. ستواجه العواقب إذ قررت تجاهل الديمقراطية”.

كما حمّل القيادي في حزب العمّال ووزير الداخلية السابق، آلان جونسون، جيريمي كوربين، الاشتراكي المخضرم الذي كلف حزبه هزيمتين انتخابيتين منذ سنة 2017، مسؤولية الخسارة، وقال “كان كوربين كارثة على حزب العمال. كان الجميع يعلم أنه لا يستطيع إخراج الطبقة العاملة من كيس ورقي”.

وبينما ينطلق جونسون في تحقيق وعد الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، سينكبّ حزب العمال على مراجعة حساباته التي جعلته يمنى بواحدة من أسوأ هزائمه.

سينحسر الضوء في المرحلة المقبلة عن حزب العمال، لتتجه كل الأعين نحو جونسون وما سيحققه المحافظون في مشاورات بريكست داخل البرلمان ومع الاتحاد الأوروبي. وقد منحت الانتخابات الأخيرة جونسون أفضلية على رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي التي استقالت لعدم تمكنها من تنفيذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في موعده الأول (29 مارس 2019).

واجهت ماي صعوبات في تمرير صفقتها للخروج، وشهدت تفكّكا تدريجيا لحكومتها مع أكثر من 30 استقالة، وتصويتين على سحب الثقة، ورفض النواب ثلاث مرات لاتفاق بريكست الذي توصلت إليه مع بروكسل.

في المقابل، يدخل جونسون، متسلحا بنتيجة الانتخابات المفاجئة التي يبدو أنها ستنهي الجمود السياسي الذي عطّل عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولئن تحمل معها أيضا تحديات كثيرة للمملكة المتحدة ولن تبعد عنها شبح الانقسام. وقد مثّلت هذه الانتخابات مقامرة سياسية حققت نتائجها المرجوة بالنسبة لبوريس جونسون، حيث يعدّ النصر الكبير كافيا لموافقة البرلمان على صفقة المغادرة. لكنها لا تعد بطريق سلس أمام المملكة المتحدة بعد وفاء جونسون بوعده المتمثل في إنهاء عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

مستقبل بريكست

جونسون يكسب الرهان
جونسون يكسب الرهان

اُستقبل جونسون قبيل الظهر في قصر باكنغهام لتُكلّفه الملكة إليزابيث الثانية رسميا بتشكيل الحكومة الجديدة. وأعلن جونسون لأنصاره أنه بعد أكثر من ثلاث سنوات من الانقسامات والخلافات حول بريكست، سيضع حدا لهذه الأمور العبثية وسيحققه في الوقت المناسب بحلول 31 يناير.

وهو يرى في انتصاره مؤشرا على قرار البريطانيين “القاطع الذي لا يمكن مقاومته ولا التشكيك فيه” بطيّ صفحة الاتحاد الأوروبي بعد 47 عاما من شراكة شهدت الكثير من التقلبات. ورغم حديث جونسون عن “زلزال” أعاد رسم المشهد السياسي، إلا أنه يسعى أيضا لطرح نفسه في موقع جامع، مردّدا وعوده الانتخابية بالاستثمار في قطاعي الصحة والأمن. ويبدو جونسون عازما على طرح اتفاق الطلاق، الذي تفاوض بشأنه مع بروكسل، على النواب قبل عيد الميلاد، فهل يودّ طلاقا يبقي على علاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول لبلاده، أو يفضل انفصالا مع الابتعاد عن المعايير المشتركة حتى الآن بين الطرفين، ولاسيما على الصعيدين الاجتماعي والبيئي؟

في رده على هذا التساؤل، كتب مدير مركز الدراسات “سنتر فور يوروبيان ريفورم” تشارلز غرانت على تويتر “مع امتلاكه غالبية واسعة، بإمكان بوريس جونسون تجاهل مجموعة البحث الأوروبي”، الجناح الأكثر تشددا ضد أوروبا في حزبه المحافظ، “واختيار بريكست أكثر ليونة إن شاء”.

لا شك في أن نصر المحافظين الحاسم يمكن أن يوفر بعض الراحة للاتحاد الأوروبي الذي سئم من تردد بريطانيا في خروجها منه. وسيبدأ الطلاق مرحلة جديدة من المفاوضات حول العلاقات المستقبلية التي ستجمع البلاد المغادرة والدول المتبقية في الاتحاد الأوروبي.

لكن، في كل الحالات لن يحدث أي تغيير في الوقت الحاضر بسبب المهلة الانتقالية الممتدة حتى نهاية 2020 والتي ستواصل بريطانيا خلالها تطبيق التنظيمات الأوروبية لتفادي طلاق شديد الوطأة. وحتى لو كان هناك خروج منظم لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن المفاوضات حول اتفاقية التجارة الحرة بين الكتلة ولندن ستكون معقدة لأن قضايا مثل اتفاق بريطانيا مع معايير الاتحاد الأوروبي ومستقبل القطاع المالي في البلاد ستعيق أي صفقة سريعة، وهذا يعني أنه بعد محادثات طويلة الأمد حول بريكست قد تجد بروكسل ولندن نفسيهما في محادثات تجارية تستمر حتى عام 2021.

في الأثناء، ستفتح أمام جونسون معارك أخرى من أبرزها مواجهة استفتاء ثان لاستقلال إسكتلندا، حيث حقق الحزب القومي الإسكتلندي بزعامة نيكولا ستورجن أيضا فوزا لافتا للنظر، وهو ما قد يؤدي إلى تجدد المواجهة بين الطرفين بشأن مستقبل المملكة المتحدة.

وقد نجح الحزب القومي الإسكتلندي في استعادة أغلب المقاعد في المناطق التي خسرها في الانتخابات السابقة عام 2017، بحصوله على 48 من أصل 59 مقعدا في إسكتلندا.

وقد يحفز هذا الفوز الحزب القومي الإسكتلندي على السعي إلى إجراء استفتاء ثان لاستقلال إسكتلندا، التي تعارض الخروج من الاتحاد الأوروبي، عن بريطانيا.

ويقاوم جونسون، مثل سلفه تيريزا ماي، باستمرار الضغوط من الإدارة التي يقودها الحزب القومي الإسكتلندي في إدنبرة لإجراء تصويت آخر على الاستقلال. ولكن التصويت الأخير على استقلال إسكتلندا جرى في عام 2014، أي قبل تصويت المملكة المتحدة لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

وقال سايمون هيكس، أستاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد “لدى جونسون تفويض لإتمام خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي، بينما لدى ستورجن تفويض بإجراء استفتاء من أجل استقلال إسكتلندا….نحن نتجه نحو أزمة دستورية جديدة يبدو أنه لن يتم حلها بسهولة خلال السنوات القليلة المقبلة”.

وفي أيرلندا الشمالية، من المرجح أن تزداد الضغوط من أجل إجراء استفتاء على الوحدة مع جمهورية أيرلندا، وذلك بعد أن حصل القوميون على مقاعد في الانتخابات وفقدت الأحزاب الوحدوية أغلبيتها.

7