فوز بوتفليقة وتداعياته على المشهد الجزائري

الثلاثاء 2014/04/22
الجزائريون بانتخابهم بوتفليقة يعولون على برنامجه السياسي

الجزائر - لم تفلح الأصوات التي وقفت بكل قوة وحزم في وجه العهدة الرابعة لعبد العزيز بوتفليقة في تحقيق غايتها وتمكن الرجل من الفوز في الاستحقاق الرئاسي بولاية جديدة بنسبة نحو 82 بالمئة من مجموع أصوات الناخبين، متقدما على المرشح علي بن فليس الذي حصل على 12 بالمئة.

الفوز الذي حققه بوتفليقة جعل الآراء تتباين حول مصداقية العملية الانتخابية وحول قدرة الرجل على تحقيق طموحات الجزائريين الحالمين بواقع أفضل بفضل الثروات التي تملكها البلاد.

ويذهب البعض إلى أن الجزائريين اختاروا الاستقرار والأمن من خلال دعمهم للاستمرارية بسبب الخوف الذي يسكنهم من انفلات الأمور ودخول الجزائر في دوامة من العنف والفوضى تعيد إليهم أجواء العشرية السوداء التي تسببت في سقوط الآلاف من الضحايا، وذلك ما استغلته حملة بوتفليقة التي لعبت على هذا المعطى ونجحت فيه إلى حد كبير.

غير أن آخرين يرون أن فوز بوتفليقة بعهدة رابعة أضاع على الجزائريين فرصة مهمة للتغيير وساهم في إصابة العديدين بالخيبة وفقدان الأمل في المستقبل. ونعرض هنا موقفين من المسألة الأول للويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال الجزائري التي تذهب إلى أن نتائج الانتخابات جاءت معاكسة لحملات التخويف، حيث صوت الشعب على الاستقرار والثاني لحسني عبيدي الأستاذ في معهد الدراسات الأوروبية بجامعة جنيف الذي يرى أن الانتخابات لم تكن في مستوى التطلعات ولم تتعامل بجدية مع الرهانات المطروحة.


الشعب صوت على الاستقرار وقدم درسا في المواطنة

حنون ترى أن حزبها حقق مكاسب خلال الحملة الانتخابية


ذهبت لويزة حنون إلى أن انتخابات 17 أبريل لم يطلها تزوير كما وقع في الانتخابات الماضية، وعليه فهي غير قابلة للنقض، واعتبرت أن نتائج الانتخابات جاءت معاكسة لحملات التخويف، حيث صوت الشعب على الاستقرار، وأن انتخابات 2014 تشبه انتخابات 2004 وليس انتخابات 2009 بالنظر إلى الرهانات التي كانت موجودة في تلك الفترة ودعوات الفتنة التي أطلقتها بعض الأصوات في 2004.

ورأت الأمينة العامة لحزب العمال الجزائري أن حزبها قد حقق مكاسب من خلال الحملة الانتخابية، وأبدت رضاها عن النتائج التي تحصلت عليها، رافضة وصف النتيجة التي تحصلت عليها في الانتخابات بـالهزيمة.

واعتبرت حنون أنها لم تخرج منهزمة من الانتخابات، وأفادت بأن من انهزموا هم الذين ضغطوا على الضمائر وكل الأصوات التي طالبت بتفعيل المادة 88 من الدستور وكذلك الأصوات التي وقفت ضد ترشح بوتفليقة، وأنه لم تتم إراقة الدماء ولم تغرق الجزائر في دوامة الفوضى وعدم الاستقرار.

كما رأت أن نتائج الرئاسيات انتصار للأمة الجزائرية ولنضال حزب العمال من أجل الديمقراطية، وأن الجزائريين قدموا درسا في المواطنة وفي التصدي لحملات التشويه والتهديد التي كانت تطلقها العديد من الأصوات في الداخل والخارج وكانت تنادي إلى الفوضى والتدخل الأجنبي.

وقالت إنها تعبر عن ارتياحها الكبير وهو ارتياح الغالبية الساحقة للجزائريين بخصوص هذا الاقتراع الذي جرى في ظل ظروف داخلية وإقليمية ودولية غير عادية، ميزها الابتزاز الخارجي.

كما اعتبرت أن انتخاب 17 أبريل بمثابة تصويت مقاوماتي دفاعي للحفاظ على السلم والاستقرار والسيادة الوطنية.

وحيت حنون نضج الشعب الجزائري، وما منح لبوتفليقة هو تصويت منطقي وتفويض واضح، وقالت إن التفويض الواسع الذي منحته الأغلبية للرئيس المنتهية ولايته، حمل رسالة مفادها أننا لن نترك أي هامش للتلاعب بالجزائر.

وتعتقد مترشحة حزب العمال في الانتخابات الرئاسية أن حزب العمال خرج من الانتخابات منتصرا، ووجهت سهام النقد إلى المترشح علي بن فليس وقالت أن الابتزاز الذي مورس من قبل أطراف داخلية طلبت التدخل الخارجي لم يفلح ودعاة السيناريو الجورجي والأوكراني لم ينجحوا.

و اعتبرت حنون أن صورة الرئيس بوتفليقة وهو على كرسي متحرك أثرت في المواطنين كثيرا وجعلت الناس يصوتون له كون الشعب الجزائري عاطفيا، ورأت أن المنهزمين هم أطراف توعدت بالفوضى، وأن الشعب الجزائري لم ينهزم لأنه لم يكن هناك تدخل أجنبي ولا فوضى، والذين انهزموا هم أصحاب التيار اليميني.

وتعتقد حنون أن التفويض الواسع الذي منحته الأغلبية للرئيس المنتهية ولايته حمل رسالة مفادها أننا لن نترك أي هامش للتلاعب بالجزائر


إهدار المال العام في تجديد نظام يحتضر

حسني عبيدي: مسألة التغيير في الجزائر مرهونة بضمانات


يرى حسني عبيدي أن التزوير الاستباقي والمباشر لايزال ساري المفعول في الجزائر في ظل غياب آليات حقيقية للمراقبة.

ويعتقد أنه من الصعب التعرف على هامش التزوير والتضخيم في الأرقام، فالمؤكد أن بوتفليقة لا يقبل إلا بنسبة عالية في عدد الذين يصوتون بنعم، لأن طبيعة الرجل هكذا.

ويذهب إلى أن مسألة التغيير في الجزائر مرهونة بضمانات تمنح للذين سمح لهم بوتفليقة بالاستقواء وتغولوا عن طريق نهب المال العام والإفراط في استعمال السلطة، هذا المحيط ليس مستعدا اليوم لأن يتخلى عن السلطة ولا عن بوتفليقة.

ويؤكد الباحث الجزائري أن الانتخابات لم تكن في مستوى التطلعات ولم تتعامل بجدية مع الرهانات المطروحة، والسبب في ذلك يعود إلى غياب المرشح الرئاسي. بمعنى أنه من الصعب أن ترتقي بمستوى الرئاسيات في ظل شكوك حول نزاهة الاستحقاق وفي جو غير تنافسي وبدون المتنافس الأساسي.

ويشير عبيدي إلى أن العزوف عن التصويت يعد مؤشرا على طلاق كبير بين النظام الحاكم والشعب وليس انصياعا لدعوات جبهة المقاطعة، فالشعب الجزائري يعيش في غربة سياسية وهو على أرضه ولا يعترف بأي وثاق بينه وبين الحاكم الذي يعيش في الجزائر افتراضيا.

كما يرى حسني أن بوتفليقة عمل منذ مجيئه للسلطة على إنتاج مراكز قوى جديدة داخل النظام السياسي من أجل توظيفها في تعزيز سلطته وإضعاف السلطة الوحيدة المضادة له المتمثلة في جهاز المخابرات.

ويعتقد عبيدي أن الرئيس قد نجح في استمالة العديد منهم وأزاح الكثير مستعملا صلاحيته الرئاسية، فنهاية العنف المسلح في الجزائر سلب من الجيش والمخابرات أدوات هامة كانت تستعمل في إدارة الصراعات والنفوذ داخل النظام السياسي.

ويذهب إلى أن بوتفليقة خلق مركزا قويا من أصحاب النفوذ المالي أصبحت لديهم قوة ضارية في تغيير موازين القوى وفي بناء تحالفات جديدة كلها تعمل من أجل الإبقاء على مصالحها وذلك بالدفاع عن الوضع القائم، أي بوتفليقة.

كما يؤكد الباحث أن الجنرال توفيق تم إضعافه وعزله داخل المؤسسة الأمنية، وسيتعايش بوتفليقة ومحيطه مع توفيق إذا كانت قوة هذا الأخير من ضرب الخيال في انتظار خروج مشرف له.

ويذهب الاستاذ الجامعي إلى أن التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الرئيس من الصعب أن يتحمل أعباءها خاصة في ظل نظام رئاسي، ولذلك ومنذ مرض الرئيس لم يعد للجزائر حضور فاعل على المستوى الإقليمي والدولي وتقلصت سياستها إلى دور المتلقي وليس الفاعل الأساسي.

كما تقلصت الوظيفة الرئاسية في إدارة الشؤون اليومية وسياسة التحييد المتبادل بين صناع القرار وأصحاب النفوذ.

ويرى حسني أن النظام سيعمل على توسيع قاعدته الشعبية وتعزيز النسق الزبائني الذي انتهجه منذ فترة من أجل إجهاض أية معارضة حقيقية بديلة له. وبالتالي إهدار المال العام مرة أخرى في تجديد نظام سياسي يحتضر.


بركات العهدة الرابعة


رغم بعض المؤشرات التي ظهرت في الساحة الجزائرية وأبانت عن إمكانية أن تمتد حركة “بركات” إلى كامل التراب الجزائري وتتحول إلى حركة احتجاجية ضد العهدة الرابعة لبوتفليقة إلا أنها عجزت عن الوصول إلى الغاية التي أنشئت من أجلها.

مسألة التغيير في الجزائر مرهونة بضمانات تمنح للذين سمح لهم بوتفليقة بالاستقواء وتغولوا عن طريق نهب المال العام والإفراط في استعمال السلطة

ويرى مراقبون أن فشل “بركات” يعود إلى العديد من العوامل، لعل أبرزها الخوف الذي يسكن في أذهان وقلوب الجزائريين من أن تنساق بلادهم وراء الاقتتال مجددا، لذا خيروا الاستمرارية ضمانا لواقع موجود أفضل لهم من القفز في المجهول.

وتمكنت حملة بوتفليقة من اللعب على أوتار هذه النقطة إذ الأمن والاستقرار لا يكونان إلا معه حتى لو كان على كرسيه المتحرك، وفعلا فاز بعهدة رابعة وكسب المعركة رغم العديد من الأصوات التي تحدثت عن شرعية ناقصة.

وذهب علي بن فليس المرشح المنافس لبوتفليقة إلى أن التزوير أخمد مرة أخرى صوت التعبير الحر والخيار السيد للشعب الجزائري. واعتبر أن التزوير الذي تم تسجيله ما هو في حقيقة الأمر إلا الحلقة الأخيرة من مسلسل بدأ بتوظيف الإدارة والحكومة لتحقيق مآرب انتخابية، وأن تاريخ السابع عشر من أبريل سيبقى في ذاكرة الأجيال القادمة كموعد آخر ضيعته الجزائر مع التغيير والتجديد. وسيحفظ التاريخ هذا اليوم لما وقع فيه من اعتداء على ضمير الأمة عن طريق اغتصاب إرادتها وسرقة أصوات المواطنين ومصادرة الإرادة الشعبية.

غير أن جل الاتهامات الموجهة لفوز بوتفليقة لن تغير من الأمر شيئا وسيعمل مناصروه على تحقيق بعض من مطالب الجزائريين العديدة.

وإذا لم ينسق الجزائريون وراء دعوات “بركات” فلأنهم ينتظرون بركات العهدة الرابعة التي يحلمون بأن تغير ولو القليل من واقعهم.

ويرى متابعون أن الجزائريين بانتخابهم بوتفليقة يعولون على البرنامج السياسي الذي أعلنه في العام 2011 وتعهد من خلاله بمواصلة المشاريع الكبرى وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في جميع أنحاء البلاد.

ورغم الظرفية الصعبة التي تمر بها الجزائر، إلا أن بوتفليقة وعد بالعمل على تحقيق الأحلام والأماني وتسليم المشعل إلى الشباب. كما رأى أن الجزائر تمثل استثناء وأن الشعب الجزائري والتاريخ وحدهما سيحكمان على الجهود التي بذلت لعودة السلم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وعودة الجزائر إلى مكانتها الطبيعية بين الأمم.

ويذهب متابعون أن الرئيس بوتفليقة تخطى طوال حكمه للجزائر العديد من الهزات السياسية واستطاع تحقيق المصالحة الوطنية وإخراج الجزائر من أزمات سياسية وأمنية، إلا أن الوضع الآن تغير مما يستدعي التساؤل عن قدرة الرجل على المحافظة على أمن واستقرار الجزائر وسط معارضة شرسة ووضع صحي صعب.

لكن قد يتمكن بوتفليقة من إعطاء جملة من الرسائل التي تظهر حسن نيته في التغيير من ذلك التغيير الحكومي الذي وعد به على لسان مدير حملته الانتخابية، عبد المالك سلال.

12