فوز جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية فضح المستور

فوز الكاتبة جوخة الحارثي حرّك المياه الراكدة بين المثقفين العرب حيال رؤيتهم لبعضهم البعض حيث رأى البعض بأنه لا يمكن أن يأتي الإبداع من حجبة.
الاثنين 2019/05/27
ما إن فازت حتى انكشف ما في النفوس

ما إن أعلنت لجنة البوكر عن فوز العمانية جوخة الحارثي عن روايتها “سيدات القمر” حتى بدأت ردود الفعل تظهر معبّرة عن رأيها الذي تفاوت بين الاستحقاق وبين التشكيك، جدل كبير أحدثه فوز الحارثي، فيه ما هو أدبي وفيه ما هو خارج عن الأدب مليء بالانفعالية. ما يجعلنا نتساءل حول ما طرح من آراء في فوز الكاتبة.

أثار تتويج الكاتبة جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية جدالا واسعا بين الكتّاب والصحافيين والمتابعين العرب، حيث رأى بعض المثقفين العرب أن الجائزة ذهبت للحارثي لاستحقاقات “غير أدبية” تحكّمت فيها مزاجيات صمت الخليج السياسي والاجتماعي مدفوعةً بمعادلات البترو دولار، وأنها صبّت بنفسها في الخليج العربي، وفي سلطنة عمان تحديدا، نظرا إلى موقفها الأخير حيال التطبيع مع إسرائيل.

وذهب آخرون إلى أن الترجمة الإنكليزية -وليست الرواية- التي اشتغلت عليها أستاذة الأدب العربي في جامعة أكسفورد الكاتبة الأميركية مارلين بوث هي التي دفعت بالرواية للاستحقاق والفوز، بينما رأى آخرون بأنه لا يمكن أن يأتي الإبداع من محجبة. الأمر الذي جعل محمد الفارابي الذي يدير الصفحة الفيسبوكية لدار عريقة مثل الفارابي يضع صورة المترجمة ويبارك لها دون أن يشير ولو إشارة بعيدة للكاتبة الحقيقية للعمل.

فهل مازال المثقف العربي ينظر لمنتجع على أساس ثقافة المراكز والأطراف، وهل البترول مرتبط بقدرة الأديب الخليجي على الكتابة الحقيقية، وهل يمكن أن يكون التدين أو الحجاب رمزا للتقليدية وعدم القدرة على الإدهاش.

المحجبة والإبداع

بعد تتويج الحارثي مباشرةً بجائزة انترناشونال مان بوكر كتب الصحافي العراقي رضا الأعرجي “المرأة المحجبة، لا يمكن أن تبدع في الأدب، شعرا أو قصة أو رواية.هذا رأي شخصي لا يلزم أحدا، والهدف منه ليس النيل من العمانية جوخة الحارثي الفائزة بجائزة ‘انترناشيونال مان بوكر‘ البريطانية المرموقة. كما لا أعني بذلك أن المرأة السافرة مبدعة بالضرورة”.

مضيفا “وقد لفتني وصف صحيفة الغارديان لرواية ‘سيدات القمر‘ أنها تقدم ‘لمحة عن ثقافة غير معروفة نسبيا في الغرب‘. ترى هل مازال الغرب يستثار بعجائب ثقافتنا وغرائبها، ولم تشبعه، مثلاً، روايات الطاهر بن جلون وغيره من الروائيين الذين يتملقون مشاعر القارئ الأجنبي! وهل كان لهذه الـ(لمحة) دور في الفوز بالجائزة؟ الحجاب قيد.. والإبداع حرية. وهما خطان متوازيان مهما امتدا لا يلتقيان. يمكن للمرأة المحجبة أن تكتب، لكن من غير المتوقع أن تبدع، لأن من الصعب عليها أن تذهب بعيدا، فتخرج من قيودها وعن ‘ثوابت الأمة‘، وتقفز على تقاليد مجتمعاتها الصارمة”.

الكتابة مهارة أما الإبداع فهو موهبة
الكتابة مهارة أما الإبداع فهو موهبة

ويتابع الأعرجي “كثيرون يكتبون لكن لا يبدعون، فالكتابة مهارة أما الإبداع فهو موهبة لا يمتلكها كل من مارس ويمارس الكتابة. ومن الوهم، والأحرى العبث، أن نبحث عن الأخلاق والفضائل في الإبداع. أروع الأعمال كتبها متهتكون وشاربو خمر ومتعاطو مخدرات ومثليون وأصحاب سوابق ومتشردون. لن أستشهد ببودلير أو هنري ميللر أو سيليفيا بلاث أو جان جينيه، فنحن كأمة مشهود لها بالشعر، لدينا أدلتنا الشاخصة ابتداء من امرئ القيس، مرورا بأبي نؤاس، وصولاً إلى الجواهري. بالمناسبة، جواهرينا لم ينطلق، ويمتلك ناصية الإبداع، إلا بعدما رمى عمامته في الكناسة”.

وفي ردة فعل معاكسة كتب الأديب الأردني الفلسطيني تحسين الخطيب “يبدو أن فوز جوخة الحارثي بجائزة البوكر العالميّة، قد جعل الكثيرين يخبطون رؤوسهم بالحيطان! فكيف، بالنسبة إليهم، لامرأة شابّة، ومحجبّة، ومن خارج ‘النادي التقليدي‘ لـ‘حيتان السّرد‘ العربي، أن تفوز بمثل هذه الجائزة (العريقة والمرموقة، رغم أنوف من يدعون غير ذلك) والتي ستضع جوخة في ‘مكانة عالميّة‘، سيحسدها عليها الكثيرون! خذوا مثلا (ودون ذكر الأسماء) ثمّة من كتب على صفحتة على الفيسبوك، منتقصا من قيمة المرأة ‘المحجّبة‘، ويصفها بأنها لا يمكن أن تكون “مبدعة”! وهو، بالطبع، ينتقص من قيمة الجائزة (وإن ادعى غير ذلك) وبأن فوز جوخة غير مستحق، وبأن الجائزة قد ذهبت إليها لاعتبارات ‘غير أدبيّة‘”.

ويضيف الخطيب “ثمّة روائيّة معروفة كتبت (بعد فوز جوخة، بالطبع) بأن جائزة نوبل ستذهب هذه المرّة إلى الخليج بسبب البترو دولار! هل هذا معقول! ثمّة من يصرّ على تحويل ‘لحظة‘ فوز جوخة الحارثي إلى حفلة ‘لطم‘! أولا، لا علاقة للبترو دولار بفوز جوخة. ومن لديه ‘الدليل‘ فليتقدم به. وثانيا، وهذا هو الأهمّ، المرأة مبدعة، وأكثر إبداعا من الرجل، سواء كانت ‘محجبّة‘ أو كانت ‘سافرة‘ (كما يشتهي أصحاب “الإبداع الكحوليّ” الذي لا يرون في المرأة سوى أنها جسد وسرير!) عجبي!”.

في الشأن نفسه كتب الناقد السعودي محمد العباس “الخليج ليس فضاءً منفصلا عن العالم العربي، لا على المستوى السياسي ولا الثقافي. والخليجي كإنسان وكمثقف يقر بمديونيته للآخر العربي داخل لحظة تاريخية متدحرجة. ولكنه اليوم ليس ذلك الكائن السلبي الذي يكتفي بالتلقي والانبهار إزاء منجز الآخرين. وكل تلك التحولات التاريخية والاجتماعية والثقافية بقدر ما سمحت للخليجي باكتساب صوته الأدبي والتعبير عن وجوده الحياتي، كشفت بالمقابل عن تآكل ملحوظ في عواصم المركز. كما أن مهبات العولمة العاتية، ولحظة الديمقراطية الكونية قلصت المسافة بين المنتجات الثقافية على قاعدة الوعي الفرداني للوجود. حيث تساوت فرص كل الذوات الإبداعية في ظل التوزيع الشامل والعادل للمؤثرات الأدبية واللاأدبية. وبالتالي فإن رواية ‘سيدات القمر‘ بقدر ما هي رواية عمانية، هي رواية خاضعة لشروط وتقنيات وآليات الكتابة الروائية كمكتسب إنساني عالمي. بمعنى أنها جزء لا يتجزأ عن الصيرورة الإبداعية الكبرى للبشر”.

ويضيف: “جوخة الحارثي ليست استثناءً إبداعيًا عُمانيًا، فهي واحدة من أسماء عُمانية حُسنى تمتلك منجزها الثقافي اللافت، على كل المستويات الأدبية والفنية. وهي حالة منفصلة ومتصلة في آن برحيق تجربة إبداعية ممتدة في الزمان والمكان. ورصيدها الأدبي والأكاديمي يشهد لها بذلك. والمفرح أنها نجت من قدر الانطماس داخل أسوار عُمان الحديدية، حيث يعاني المنجز العماني من الموت داخل حيز مكاني ضيق، على الرغم من مناشداتنا الدائمة لأحبتنا في عُمان لإيجاد طريقة ما لتصدير ذلك المنتج الإبداعي المتنوع والمتعدد، وذلك عبر مؤسسة رسمية أو أهلية تعي معنى الثقافة كمنتج قابل للتصدير والتأثير”.

فضح المستور

علّق الشاعر والناقد السوداني محمد جميل أحمد قائلا “فوز رواية ‘سيدات القمر‘ للروائية والشاعرة العمانية جوخة الحارثي بجائزة مان بوكر الدولية الأصلية (رغم صدورها بالعربية عن دار الآداب 2010 واشتراكها في جائزة بوكر العربية دون أن تصل القائمة الطويلة حتى) يفضح شلليات الصحافة الثقافية العربية، ويعكس رداءة الوسط النقدي وارتباطه بمراكز المال والسلطة بعيدا عن هوية الإبداع التي لا تخضع لمزاج عقلية المركز والأطراف”.

ويرى الكاتب البحريني حسين مرهون أن “عنصرية دار الفارابي آخر من تبقى من يتامى المركز والهامش و‘عتاولة‘ التقدم العربي الذي لم يتقدّم في أي شيء. تهنئ المترجمة البريطانية ولا تشير حتى لاسم كاتبة الرواية الفائزة بل قامت باقتطاع صورتها لأنها فقط عمانية”.

الخليجي كإنسان وكمثقف يقر بمديونيته للآخر العربي داخل لحظة تاريخية متدحرجة. ولكنه اليوم ليس ذلك الكائن السلبي الذي يكتفي بالتلقي والانبهار إزاء منجز الآخرين

وبدوره كتب الشاعر السعودي محمد السعدي “أن يُقص وجه المؤلفة -جوخة الحارثي- من الصورة وأن يحذف اسمها فهذا خطأ جسيم، يجب أن توضح الدار لجمهورها الواسع أسبابه وتقديم الاعتذار للمؤلفة الفائزة، والعودة عن الخطأ الجسيم”.

وفي الشأن نفسه أكد الشاعر البحريني كريم رضي على أن قمة العنصرية أن تصف الدار بأنها المؤلفة أو توحي بذلك قي ضمير واحد، ولا تضع صورة المؤلفة ولا اسمها؟! ماذا يتبقى من الثقافة إذا كان المثقفون هم العنصريون ضد العرب أو ضد جزء معيّن من العالم العربي”.

وهذا ما ذهب إليه أيضا الشاعر السعودي عبدالمحسن يوسف، حين كتب “تخيلوا دار الفارابي قدمت التهنئة فقط للمترجمة، ولم تشرمجرد إشارة إلى الروائية العمانية جوخة الحارثي التي فازت روايتها ‘سيدات القمر’. السؤال: بماذا يمكن وصف سلوك كهذا من دار نشر ‘عريقة’ كالفارابي”.

من الواضح أن فوز الحارثي حرّك المياه الراكدة بين المثقفين العرب حيال رؤيتهم لبعضهم البعض، فالأمر كما وصفته الروائية العمانية بشرى خلفان حين كتبت “فازت جوخة الحارثي وضجت وتضج وسائل التواصل بخبر فوزها، وستبدأ بعض الأصوات محاولة سلب منجز جوخة الإبداعي بطرق مختلفة، وسيشار إلى أن الترجمة كانت أكثر عمقاً من الرواية، وأنها السبب المباشر لوصول الرواية للعالمية. سأقول وخاصة للعمانيين “اتقوا الله في أنفسكم وتعلموا استحقاق الفرح”.

14