فوضى الإعلام من فوضى السياسة

الأربعاء 2015/04/15

عندما اقتحمت قوات الاحتلال الأميركية بغداد قبل إثنتي عشرة سنة توقع الكثير من العراقيين أن يحدث في البلاد تبدل جوهري إيجابي يفتح آفاقا جديدة وفق أنماط عصرية، ولكن الغزاة تقصدوا إشاعة الفوضى بأنواعها فوقفوا يتفرجون على فوضى النهب والسلب.

وجاء بريمرهم فألغى الجيش العراقي فنهب الناس الأسلحة وباعوها على الأرصفة، وألغى وزارة الإعلام فصار الإعلاميون يتسكعون في الشوارع بلا عمل، وجاءوا بحفنة من سياسيي المهجر –معظمهم من مزدوجي الجنسية- ورتبوهم في مجلس حكم بصيغة وتركيبة غامضة واهية، وشكلوا حكومة فيها لكل وزير عراقي وزير ظل أجنبي باسم مستشار.

ووجد السياسيون العراقيون القادمون من المهجر –وخاصة هواة السياسة– فرصا لا تنضب للثروة بعد ضنك وعوز، وأصبح العراق من أبرز دول العالم في الفساد واستمرار الخراب وانعدام الإصلاح وتعطل الإجراءات، وفشلت الحكومات المتعاقبة حتى في حل المشاكل الإجرائية التقليدية فعجزت مثلا لسنوات في تغيير أرقام السيارات أو تجديد تراخيص إجازة السائقين، وحتى الآن يتجادلون حول النشيد الوطني والعلم.

ولشك الحكومة في الوثائق التي تصدر عنها ومعرفتها بانتشار الفساد والرشوة أضافت إلى إجراءاتها الروتينية إجراء سمته “صحة الصدور” لكل وثيقة تصدر من أي دائرة حكومية بإعادة الوثيقة إلى الدائرة الصادرة عنها لتؤكد أن هذه الوثيقة صحيحة وصادرة عنها … و..و…

وعمت البلاد فوضى سياسية عارمة من محترفي السياسة الجدد يتصارعون على فرص الحكم لأنها فرص للمكاسب .. ورافق هذه اللوحة الهلامية لأوضاع العراق بعد 2003، فوضى إعلامية يصعب الفرز بين تفرعاتها، أهي فوضى إطلاق القنوات الفضائية الغامضة الانتماء والتمويل؟ أهي فوضى المضامين والسياسات؟ أهي فوضى العلاقة بين الإعلام والجهات الحكومية؟ أهي فوضى الانتماءات والولاءات؟ أم فوضى الصياغات والتعابير والمصطلحات؟ أم هي الفوضى المهنية وتفاوت المهارات التنفيذية وغياب التخطيط؟

هذه الإشكاليات وغيرها، تتداخل بعضها ببعض لتصبح جبلا من الهموم الإعلامية، والتي يصعب على معظمنا أن يضع لها تسلسلا من حيث الأهمية، فبرز أمامنا فوضى الخطاب الإعلامي من حيث المضمون والصياغة وحتى اختيار المفردة وانحياز الفضائيات الواضح إلى الجهة المالكة والممولة.

ومما يزيد الموضوع إرباكا أن الأحزاب أو الجماعات السياسية التي تنتمي إليها تلك الفضائيات لا تملك مناهج أو خططا سياسية معلنة يهتدي بها العاملون في المؤسسات الإعلامية، لذا هم يعملون ضمن تخمينات عن توجهات تلك الجهات السياسية التي تنتمي إليها المؤسسة الإعلامية.

ولضمان انتماء وولاء تلك الفضائيات والسلامة الفكرية أو المذهبية التي تريدها، نصبت على إدارتها أشخاص مخلصين وموثوقين سياسيا وفكريا، ولكنهم في الغالب غير إعلاميين.

ومع كثرة الفضائيات الجديدة ظهر نقص حاد في المهارات التقنية والمهنية، فاستعانت القنوات بأنصاف المحترفين لشغل أي مهنة تحتاجها، فتسلق الكثير من الهواة والمبتدئين وغير المؤهلين، وشاعت الفوضى المهنية، ومعها فوضى الأجور التي لا تتناسب مع حجم العمل والمهارة ولا المؤهلات العلمية.

وعمدت الكثير من الفضائيات التي تتلقى تمويلا ودعما غامضا، إلى دفع أجور سخية كي “تغوي” من القنوات الأخرى المهارات.

وقد انعكس ذلك سلبا على جودة العمل، فساد الاستخفاف بالصنعة والمهنة ونشأت طبقة من ممارسي المهن الإعلامية (التلفزيونية بالذات) دون قاعدة علمية تخصصية. إنها طبقة جديدة أعتقد أنها ستعاني من البطالة إذا تقلص عدد الفضائيات بانحسار التمويل بعد انتهاء مهماتها السياسية المرحلية.

وتجدر الإشارة إلى فوضى الخطاب السياسي الذي أثر سلبا على الخطاب الإعلامي، وأعني التصريحات المتناقضة لأعضاء الكتل السياسية، والمبنية على تخمينات وتصورات واجتهادات ربما حتى مزاجية أو كيدية، تصريحات وتحليلات بالرفض أوالقبول.

وتلجأ وسائل الإعلام إلى صياغة خبرية تربك المتلقي حيث تنسب في العناوين التصريح الفردي إلى الكتلة أو الحزب، وعندما نقرأ متن الخبر نجد أن الذي قال ذلك سياسي أو نائب هامشي وليس تصريحا أو بيانا رسميا للكتلة أو الائتلاف. وهذا تزوير، بل تضليل للمتلقي.

18