فوضى الترجمة

الترجمة، مثل الأدب، باتت مفتوحة أمام الجميع خصوصا بعد انتشار دور نشر خاصة لا يهمها إلا الكسب والسبق.
الخميس 2019/08/29
الترجمة ليست مجرد نقل نص من لغة إلى لغة (لوحة للفنانة غلناز فتحي)

كثيرة هي الترجمات في وطننا العربي، قليل ما يستجيب منها لشروط الترجمة الجيدة، والسبب أن أغلب مترجمينا جاؤوها من باب الهواية، دون أن يمتلكوا أدواتها اللغوية والنظرية. عكس ما يحدث في الغرب، حيث يكاد يكون كل شيء مقنّنا.

نقرأ بعض النصوص المعرَّبة، فنحسب أنها عربية الأصل لسلاسة أسلوبها وحسن بيانها، وننسى أنها منقولة من لغة أجنبية، وينتابنا شعور بأن أصحابها لو قُدّر لهم أن يكتبوها بلسان عربيّ لما كتبوها بغير تلك الصيغة. ونقرأ نصوصا أخرى فلا نفهم معناها إلا إذا عدنا إلى الأصل في كل جملة نقرأها، ليس في مجال العلوم الإنسانية وحدها، وإنما أيضا في الأدب السردي من قصة ورواية وسيرة ذاتية، لما يتخللها من هنات تصيب المبنى والمعنى. والسبب تمكّن الصنف الأول من لغة المصدر واللغة الهدف تمكّنا تامًّا، وضعف الصنف الثاني في هذه اللغة أو تلك، أو في كلتيهما معًا. ذلك أن الترجمة، مثل الأدب، مفتوحة أمام كل من هبّ ودبّ، خصوصا بعد انتشار دور النشر الخاصة، التي لا يهمها إلا الكسب والسبق.

فكم من نص صادفنا لا تتوافر فيه أبسط شروط الكتابة، ونعني بها القواعد التي لا تستقيم اللغة من دونها. وكم من مترجم، ممن نعرف عن قرب، لا يتقن اللغة الأجنبية لا قولا ولا كتابة، ويقبل رغم ذلك على ترجمة أمّهات الكتب، فيحرّف معانيها، أو يصوغها بما لم يذهب إليه واضعوها، أو يهمل منها ما يستعصي عليه، متعللا دائما بتلك القاعدة الأزلية “الترجمة خيانة”.

ومن الأمثلة الدالة على انتحال بعضهم صفة مترجم، أن دار نشر تونسية تعهدت بتعريب كتاب أحد الدبلوماسيين العرب، وصادف أن اعتذر المترجم الذي تعاقدت معه لأسباب تعنيه، بعد مماطلة وتسويف، فاضطرت إلى توزيع فصول الكتاب على عدد من المترجمين ربحا للوقت. وعند اكتمال المادة، عرضت الدار المخطوطة على صاحب النص الأصلي للمراجعة قبل الطباعة، فنبّهها إلى أخطاء كثيرة في الرقن شابت أحد فصوله، وهو لا يعلم أن ما وقع بين يديه ترجمة رديئة لمترجم رديء.

ولكثرة سكوتنا على مثل تلك الترجمات المتهافتة، تعوّدنا عليها، وتغاضينا عنها، ولم نفضح مقترفيها، والحال أنها مسألة لا تغتفر. تقول الفرنسية ديبورا كوفمان “سوء الكتابة خطيئة، ولكن سوء الترجمة جريمة”. وهنا يكمن الفرق بيننا وبينهم، فبينما لا نزال نجادل في أبجديات الترجمة، التي فصّل الجاحظ القول فيها منذ بداية القرن الثالث الهجري، لا تطرح مثل هذه القضايا في الغرب، فما من دار نشر يمكن أن تستعين بمن لم يثبت إتقانه للغات الأجنبية إتقانا تامّا، ما مهّد لبروز أسماء تعتبر مراجع في العمل الترجمي، عدا الكتاب والشعراء والمفكرين الذين أبدعوا في نقل نصوص أجنبية إلى لغاتهم، وانصراف الباحثين عندهم إلى وضع نظريات متكاملة في الترجمة، تُدرّس في الجامعات، خاصة بعد ظهور نظرية اللغة خلال القرن العشرين.

خلال القرن الماضي، ظهر تأثير الألسنية في البداية داخل الإطار النظري للبنيوية، في أوروبا الشرقية مع حلقة براغ، وفي الولايات المتحدة بزعامة أوجين نيدا رئيس جمعية ترجمة الكتاب المقدّس. وبعد أن كانت الترجمة فنّا، أضحت مادة للدراسة العلمية، مثلما صارت نظرية الترجمة وثيقة الصلة بنظرية اللغة. وهو ما أكده عدد من المنظّرين، بعد أن امتد تأثير الألسنية إلى أوروبا الغربية وأميركا، مع تنوع الأطر النظرية، أمثال جورج مونان في “القضايا النظرية للترجمة”، وهنري ميشونيك في كتاب “لأجل الشعرية”، وجورج شتاينر في “ما بعد بابل”، ولويس كيلّي في “الترجمان الحقيقي”، وجان روني لادميرال في “العمل الترجمي: فرضيات للترجمة”، وبيتر نيومارك في “مقاربات في الترجمة”، وأنطوان بيرمان في “امتحان الغريب”، وجون دون في “السبيل إلى نقد الترجمات”.

ورغم تناولهم القضية نفسها، فإنهم لا يلتقون جميعا في تفاصيل العمل الترجمي، بل يختلفون في عدة مسائل، على غرار سابقيهم عندما تباينت آراؤهم حول اللغة المصدر واللغة الهدف. من ذلك مثلا العلاقة بين اللسانيات ونظرية اللغة، فلئن اتفق أغلبهم على أن الجمع بين المفهومين لا يشكل قضية، فإن بعضهم، مثل ميشونيك، يعتقد أن اللسانيات لا تناسب نظرية الترجمة، وأننا لا نترجم من لغة إلى لغة، بل نترجم علاقة نص بنص، وإن كان يلحّ هو أيضا على ضرورة ربط نظرية الكتابة والترجمة بنظرية اللغة.

أما جورج شتاينر، فقد أكد على أهمية خصوصية اللغات والثقافات، فوضع الترجمة في أفق واسع يشمل ترجمةً داخل اللغة الواحدة، وعارض الميول المغالية نحو قطب الأصل أو قطب الهدف، فاقترح موقفا يوازن بين الاثنين، وبالأحرى يقف منهما بين بين.  وكان جورج مونان قد تناول هذه الثيمة في الفصل الأول من كتابه “القضايا النظرية للترجمة”، حينما درس الترجمة كتلامس واتصال بين اللغات، وخصّص جانبا هاما من كتابه ذاك للعقبات التي تمثل، ضمن النشاط الترجمي، تنظيما لمعطيات التجربة يختلف باختلاف اللغات، مثلما أدرج فصلا خاصا عن النشاط الترجمي وتنوّع الحضارات. بينما ميّز جان رون لادميرال بين المكتوب والملفوظ قائلا إننا لا نترجم علامات بعلامات، أي وحدات لغة بوحدات لغة، وإنما نترجم وحدات كلام أو خطاب.

وما زالت التيارات النظرية تتطور وإن تمحورت حول ثلاثة مساع رئيسية، هي المقاربة التقييمية، وتنظر إلى الترجمة كعملية تحويل تغير النص الأصلي، وتتغذى خلالها اللغة الأم من اللغة الأجنبية. والمقاربة الاستدلالية، وتجمع بين مهمة المترجم من جهة ومراميه من جهة ثانية، وتبحث في تحديد المعايير المستبطنة التي تكيّف النص الهدف. والمقاربة الاستشرافية، وتقوم على توضيح النص لاستخلاص معناه، ونزع ملفوظه، وإعادة التعبير عن معناه في نص الوصول.  أي أنهم يطورون التجارب باستمرار للوصول إلى الصيغة المثلى للترجمة، ونحن ما زلنا نبارك من يفهم المعنى وينقله في لغة سليمة.

قد يعيب علينا بعض قرّائنا هذه المقارنات التي نجريها بيننا وبين الغرب، وعذرنا في ذلك قناعتنا بأننا لا نغير ما بأنفسنا ما لم نَحْذُ حَذْوَ الأمم التي سبقتنا، ولا عيب في ذلك، فقد أخذ الغرب عنّا هو أيضا لاستكمال نهضته. إنّما العاجز من لا يطلب العلم حيثما كان لتطوير ما بين يديه، في هذه الصناعة أو تلك.

15