فوضى التوحش تحبكها دراما "داعش" وتبررها

الخميس 2015/02/05
داعش بذل جهدا هووليوديا في الترهيب وتبرير فعل لا يبرر

الرقة (سوريا)- بعدما تعود الرأي العام على مشاهد الدماء والذبح، أصبح عليه الآن التعود على مشاهد حرق الأحياء. إنه أسلوب "داعش" الجديد الذي ابتكرته بعدما فقد الذبح "بريقه".

كل فقرات الفيلم صورت باحترافية عالية، لا شيء دون معنى، صار المشهد متوقعا في كل مرة يعرض تنظيم “داعش” أفلامه المصورة، هذه المرة أيضا أثار استهجان العالم وذهوله وهو يبث شريط فيديو يظهر فيه إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، الأسير منذ 24 ديسمبر الماضي، حيا داخل قفص. لم يخطر على بال أحد أن يتخلّى “داعش” عن “سكين الزرقاوي”، ويستبدلها بأسلوب أكثر وحشية.

وكانت “مؤسسة الفرقان”، الذراع الإعلامية المركزية لـ“داعش”، قد نشرت أول أمس، مقطع فيديو بعنوان “شفاء للصدور”، تضمّن مشاهد مرعبة لعملية إحراق الكساسبة، وهو داخل قفص حديدي بينما النار تلتهم جسده.

رافقت وحشية المشهد براعة عالية في إعداد الفيلم، من تصوير ومونتاج وبناء درامي، حيث تضمن فكرة، حرص التنظيم على إيصالها بعناية على لسان الطيار الأردني، الذي جعل منه في “حبكة عجيبة” القاتل الضحية الذي حوكم واعترف بذنبه.

مدة الفيلم 25 دقيقة بدأ بما يشبه المرافعة ضد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الذي وصفه الفيلم بـ“طاغوت الأردن” واتهمه بالخيانة والعمالة، ويحمله مسؤولية إرسال الطيار الأردني لضرب مواقع التنظيم. ويحاول التنظيم من خلال المحاكمة أن يقنع المشاهدين وأن يرسل رسالة واضحة إلى العالم مفادها أنه يرد الفعل ضد من يحاربه.

داعش لا يستطيع التراجع عن سياسة الرعب، سيبتكر أساليب جديدة كلما فقد أسلوب ما رهبته

ينتقل الفيلم إلى مقطع آخر من السيناريو المحبوك بدقة ليعرض اعترافات الطيار الأسير الذي بدت على وجهه كدمات وآثار تعذيب.

أختيرت تفاصيل الاعترافات بعناية مرفقة بصور وخرائط. تحدث الكساسبة مطولا عن التحالف الدولي والدول الغربية والعربية المشاركة فيه، ودور كل دولة فيه، مع التركيز على الدول العربية، خصوصا الخليجية، ونوع الطائرات المشاركة في الحرب ضد “داعش”.

كما ذكر أسماء المطارات التي تنطلق منها طائرات التحالف لتنفيذ ضرباتها على معاقل “داعش”. ودعا التنظيم في الشريط إلى قتل كل الطيارين المشاركين في حملات القصف الجوي، موردا أسماء ومواقع منازل قال إنها لطيارين أردنيين، مع عبارة “مطلوب للقتل”. هنا يزداد الشحن الدرامي بهدف تبريري واضح مع نشر صور أطفال ونساء يقول التنظيم إنهم قضوا في هذه الطلعات الجوية وأحرقوا.

ومع ذلك ورغم الشحن التبريري يحرص “داعش” على ألا يظهر بمظهر الضعيف أو الضحية، بل كـ“ند لهم”، فهو يظهر مقاتليه بمظهر الأقوياء الأشداء من خلال طريقة تصويرهم التي ركزت على “الشرر المتطاير من أعينهم” وعبر زوايا تصوير أجسادهم، فضلا عن الدقة العالية في الانتقال من لقطة إلى أخرى.

جهد هووليودي بذل في الترهيب وتبرير فعل لا يبرر. ولم يعد تنظيم “داعش” يستطيع التراجع عن سياسة الرعب التي انتهجها منذ انطلاقته، ومن المتوقع أن يستمر في ابتكار أساليب جديدة كلما فقد أسلوب ما رهبته. كان تنظيم “داعش” دشن قبل فترة هاشتاغا على توتير طلب فيه من أنصاره اقتراح طريقة لإعدام الطيار الأردني.

ويقول تقنيون: إن لدى “داعش” خبراء في الحملات الدعائية يقومون بإنتاج أفلام الفيديو القصيرة التي يتم فيها استخدام تقنيات عالية المستوى، ومؤثرات بصرية وصوتية، لا تتوافر إلا في أسلوب “هوليود” الذي يقوم على المونتاج السريع والإثارة، مع عرض مقاطع تتضمن عنفا ترافقه موسيقى سريعة، عوضها “داعش” بأنات وآهات مزلزلة وفي بعض الأحيان بنشيد ديني، تشد المشاهد وتلفت نظره وتوصل الرسالة إليه سريعا.

ويقول خبراء في مجال الإعلام إن “داعش” نجحت في حربها الإعلامية، حيث تنشر على الإنترنت مواد فيلمية مدروسة، سواء ما يتم استخدامه لاستقطاب مزيد من الشباب والمقاتلين، أو تلك المواد المرعبة التي يتم استخدامها في تخويف الأعداء والخصوم لدفعهم إلى الهروب.

لدى "داعش" خبراء في الحملات الدعائية يقومون بإنتاج أفلام الفيديو القصيرة التي يتم فيها استخدام تقنيات عالية المستوى

من جانب آخر، عكست وسائل التواصل الاجتماعي حجم الغضب العربي والعالمي في آن معا. فعلى تويتر لم يخف المغردون صدمتهم منتقدين وسيلة الحرق التي استعملها التنظيم بحق الطيار الأردني، معتبرين ذلك “يتعارض مع الشريعة الإسلامية”.

هنا انتقد بعضهم قائلا “ألا تزالون تؤكدون أنهم يطبقون الشريعة، فقط تعترضون على طريقة القتل، لابد أنكم تعودتم على مشاهد الذبح، ستتعودون على مشاهد الحرق أيضا”.

اعتبر بعضهم أن “معاذ ضحية فكر ضال، لكن هناك ضحايا آخرين، هم مليار ونصف المليار مسلم، شوهت ‘داعش’ إسلامهم وسيحاربهم العالم بسببها”. ودعا مغردون آخرون إلى عدم تناقل صور إعدامه “البشعة”، ودعوا بدلا من ذلك إلى تناقل صوره الجميلة.

في الأردن وصف المغردون مقتل الطيار بأنه “شهادة في سبيل الوطن”، وعبروا عن تعازيهم لعائلة معاذ وعشيرته.وغردت الملكة الأردنية رانيا على حسابها الرسمي على تويتر “أقسمت وأوفيت يا شهيد الوطن الغالي، رحمك الله وأسكنك فسيح جنانه”.

بعض التغريدات ركزت على ردة فعل والد الطيار الأردني بعد إعلامه بمقتل ولده، ومدى صعوبة تلقي هذا الخبر لدى عائلته وزوجته. وكتب مغرد “هذا الليل طويل، عميق الصمت، عديم الأمل، هذا حال والدة معاذ الكساسبة وزوجته، فالحزن ندبة في القلب”.

وبثت وسائل التواصل الاجتماعي كذلك مشاهد فيديو تظهر لحظات سماع العائلة خبر مقتل ولدها وانهيار بعض أفرادها. وكتبت مغردة “داعش_يحرق_الطيار_الكساسبة ويحرق معه كل تبريرات هذا التنظيم ومسوغاته الدينية والسياسية، “داعش” فاقت في قذارتها حتى الضباع”.

19