فوضى الحواس.. رواية أرجنتينية خالصة

الأحد 2017/11/12

ربما كل من يهوي الأدب العربي قد طالع أو سمع على الأقل برواية “فوضى الحواس” للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، تلك الكاتبة التي طرحت عصارة إبداعاتها المشهودة في ثلاثية قصصية متفردة أكسبتها شهرة كبيرة وجعلتها من بين نخبة الأدباء العرب المعاصرين.

ورواية “فوضى الحواس” فيها الكثير من التناقضات والصدف الغريبة والأبعاد الفلسفية التي تجبر قارئها على إعادة التفكير في كل شيء، وربما الذهاب إلى حدود الدخول في فوضى عارمة تربك كل الحسابات.

ما جعلني أستحضر هذه الرواية هو ما يحصل هذه الأيام مع المهاجم الأرجنتيني لنادي يوفنتوس الإيطالي غوانزالو هيغواين بدرجة أولى ومواطنه ماورو إيكاردي مهاجم إنتر ميلان بدرجة ثانية، فكلاهما نجم فوق العادة مع فريقه، وكلاهما نجم آفل ولا يساوي شيئا مع منتخب بلاده.. أو هكذا خيّل إليّ إلى حدّ اللحظة.

منذ أيام ضرب هيغواين بقوة وسجل أهدافا جديدة مع فريقه الإيطالي، لينجح بذلك في تخطي حاجز المئة هدف في الدوري الإيطالي، والأكثر من ذلك أنه بات المهاجم الأرجنتيني الوحيد الذي يسجل أكثر من مئة هدف في دوريين قويين، ونعني بذلك الدوري الإسباني ثم الدوري الإيطالي، هذا ما حققه الهداف الأول لـ”السيدة العجوز”، فكلما ضاقت السبل أمام فريقه الإيطالي إلاّ ويصعد نجم غوانزالو ويساعد الفريق على تخطي الصعاب بفضل أهدافه الغزيرة ولمساته الصائبة.

ورغم ذلك كله لم يعد لهذا النجم مكان ضمن منتخب بلاده، فقد غاب عن كل المباريات الأخيرة التي خاضها منتخب الأرجنتين في تصفيات مونديال روسيا، غاب وترك فراغا رهيبا لم ينجح أيّ مهاجم آخر في تعويضه، ولولا وجود “العبقري” ميسي، لكن مصير منتخب “التانغو” هو الغياب عن المحفل العالمي.

ربما هي “فوضى الحواس” التي أصابت خورخي سامباولي مدرب هذا المنتخب، فجعلته يبحث عن سبل جديدة وطرق بعيدة لإيجاد الحلول لمشاكل مزمنة أصابت منتخب الأرجنتين في التصفيات المونديالية الأخيرة، فراح يجرّب المهاجم تلو المهاجم في أغلب المباريات الأخيرة دون أن يجد البلسم الشافي فوضى غريبة بعثرت أفكار هذا المدرب ودفعته إلى نسيان الهداف هيغواين، أو لنقل تجاهله متعمدا، رغم أن كل المؤشرات والأرقام والإحصاءات تلعب لفائدة هذا المهاجم الذي صال وجال وقدّم أوراق اعتماده في كل محطاته الأوروبية بدءا من ريال مدريد مرورا بنابولي وصولا إلى اليوفي.

لكن حواس وأحاسيس سامباولي صنعت جدارا فولاذيا في ذهنه حال دونه ودون التسليم بكون هيغواين قادرا على إفادة منتخب “التانغو”، تلك المشاعر المتناقضة وهذه الأحاسيس التي لم تقبل وجود نجم اليوفي مع منتخب بلاده كانت من بين الأسباب التي جعلت الأرجنتين قريبة للغاية من الخروج المخزي، قبل أن يتم تأمين التأهل في آخر مقابلة ضمن التصفيات، فمنحت الفرصة مرّة أخرى أمام سامباولي كي يعيد ترتيب أفكاره ويتحكّم أكثر في حواسه وأحاسيسه تجاه هيغواين.

غير أن هذا الأمر لم يحصل إلى الآن فمنتخب الأرجنتين يخوض حاليا بعض المباريات الودية أبرزها ضد منتخب روسيا منظم البطولة العالمية، لكن دون وجود هداف اليوفنتوس، وكأنه لاعب من بلد آخر أو لاعب عادي ما زال يتحسّس خطواته الأولى في عالم الكرة، فالمدرب سامباولي لم يرم المنديل بعد، وبحواسه الرافضة لوجود هذا اللاعب مع منتخب بلاده، فإن العودة ما زالت مؤجلة وربما لن تتحقّق أبدا.

وقد يدفع سامباولي ثمن تعنّته كثيرا، فإن لم يقبل بواقع الأمر ويعترف بقدرة هيغواين على تقديم الإضافة في العرس العالمي، فإنه قد يخرج من الباب الصغير، خاصة إذا كانت المشاركة الأرجنتينية باهتة، فرغم التأهل الصعب للغاية إلاّ أن سقف طموحات الشعب الأرجنتيني لن يقلّ عن تحقيق حلم التتويج باللقب العالمي، وأيّ نتيجة مغايرة تعني الفشل.

ربما يصبح سامباولي بمثابة “عابر سرير” ومجرّد رقم في تاريخ هذا المنتخب إذا لم يتمكّن من إقناع الجميع بصواب أفكاره وأحاسيسه، أما الثبات على موقفه تجاه هيغواين ففيه الكثير من المجازفة والتحدي، رغم أن الجميع في الأرجنتين يدرك حتما أن هذا اللاعب ما زال في جرابه الكثير ليقدمه لمنتخب بلاده في المحفل العالمي بروسيا.

مؤخرا أدلى باولو ديبالا أحد نجوم المنتخب الأرجنتيني بتصريح قال فيه إن زميله في فريق اليوفي هيغواين بوسعه أن يكون رقما صعبا مرة أخرى في منتخب بلاده، مؤكدا أن أرقامه ومعدلاته التهديفية تجعله حاليا الأنسب كي يكون في مقدمة الخط الأمامي لـ”التانغو”.

وبالتوازي مع ذلك، فإن عددا من اللاعبين السابقين في صفوف هذا المنتخب أشاروا إلى أن التسلّح بكلّ العتاد قبل التحوّل بعد حوالي سبعة أشهر إلى روسيا يتطلّب وجود هذا اللاعب، غير أن هذه “الفوضى” الحسيّة التي أصابت سامباولي دفعته إلى التمسّك مبدئيا بموقفه في منتخب كانت ميزته الأساسية عبر تاريخه الطويل والحافل، هي الفوضى، فمرّة تكون فوضى خلاّقة ومبدعة على غرار ما حصل في مونديال 1986، عندما أبدع مارادونا وقاد منتخب بلاده للحصول على اللقب العالمي، ومرّة أخرى تكون فوضى هدّامة، مثلما حصل مثلا في مونديالي 1994 و2002، عندما غادر هذا المنتخب الحفل العالمي بخفيّ حنين بسبب كثرة النجوم والفوضى العارمة التي ضربت حجرات الملابس.

كاتب صحافي تونسي

23