فوضى الدعم الحكومي تستنزف الموازنة الجزائرية

قال خبراء جزائريون لـ”العرب” إن مواصلة برامج الدعم الحكومي العشوائي للسلع الاستهلاكية، فاقمت ظاهرة التبذير والتسيب التي بلغت مستويات قياسية. وأكدوا أنها تكلف الخزينة العمومية خسائر فادحة وتؤدي للإفراط في استهلاك الوقود، وهو ما يفاقم أزمة المرور التي لها تبعات اقتصادية أيضا.
السبت 2015/11/21
اختناق الشوارع الجزائرية أحد الأعراض الجانبية لدعم الوقود

الجزائر – شككت الأوساط الاقتصادية الجزائرية في جدوى التدابير التي أعلنتها الحكومة لمواجهة تداعيات الأزمة المالية الناتجة عن تراجع العوائد النفطية، بسبب عدم معالجة التبذير والتسيب في إدارة الثروات الاقتصادية.

وأكدت أن السياسات الحكومية تساوي بين الفقراء والعاطلين عن العمل وبين الأثرياء والشركات في الاستفادة من برامج الدعم الحكومي، الأمر الذي يحد من فعالية التدابير الحكومية، ويضع البلاد أمام سيناريوهات اقتصادية واجتماعية خطيرة.

وقال خبير الطاقة شمس الدين شيتور إن “أسعار البنزين والديزل في مراكز التوزيع، لا تعادل ربع مثيلاتها في دول الجوار مثل تونس والمغرب، حتى بعد الزيادات المقرر تطبيقها في مطلع العام المقبل”. وأكد أن الحكومة لم تفكر حتى الآن في إيجاد بدائل ناجعة لمعالجة هذا الخلل الذي يفاقم الأزمة المالية.

ورصدت الحكومة في الموازنات السابقة نحو 30 مليار دولار لدعم المواد الاستهلاكية ذات الاستعمال الواسع، ما يعادل نحو نصف العوائد الحالية لصادرات النفط والغاز، وأن تلك الأموال ذهبت بشكل عشوائي لدعم البرامج الاجتماعية وأسعار المواد الغذائية والكهرباء والوقود.

ولا يعلق الخبراء أمالا كبيرة على زيادة بعض الضرائب المقرر دخولها حيز التنفيذ مطلع العام المقبل، لتعويض تقلص عوائد صادرات النفط والغاز، بسبب برامج الدعم الحكومي التي يصفونها بـ“العشوائية”.

وقال شيتور لـ“العرب” إن الإجراءات التقشفية لن تجدي نفعا، إذا استمرت أشكال التبذير والتسيب في برامج دعم أسعار السلع ذات الاستهلاك الواسع، مثل الوقود والكهرباء والخبز.

وأضاف أن “الإحصائيات تشير إلى أن نمط الاستهلاك اليومي للفرد الجزائري يستوجب إعادة نظر، فمن غير المعقول أن يتم تبذير 6 ملايين رغيف خبز يوميا ويتواصل الاستهلاك المفرط للطاقة بسبب أسعارها المتدنية.

شمس الدين شيتور: تدابير قانون الموازنة لن تجدي نفعا إلا بعد مراجعة سياسة الدعم الحكومي

وتؤدي الأسعار المنخفضة للوقود في الجزائر مقارنة بمثيلاتها في دول الجوار إلى شيوع عمليات التهريب، التي تستنزف الموازنة الجزائرية.

وأكد شيتور أنه متشائم بشأن فرص نجاح إجراءات قانون الموازنة الجديد في الحد من ظاهرة التبذير والتسيب في استهلاك السلع المدعومة.

ويبلغ استهلاك الجزائر أكثر من 20 مليون طن من الوقود سنويا، بسبب ارتفاع عدد المركبات إلى حدود 6 ملايين وغياب السياسات المرورية التي تحد من الاستهلاك المفرط للوقود.

وتقدر الخسائر الاقتصادية الناجمة عن زحمة المرور بأكثر من 700 مليون دولار سنويا، بسبب ضعف شبكات النقل العام والاعتماد شبه الكلي على المركبات الخاصة ووسائل النقل الخاصة.

وكانت دراسة أعدتها الحكومة حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن ظاهرة الاختناقات المرورية قد أقرت قبل أسابيع ما ذهبت إليه تحذيرات الخبراء. وقالت إنها تكلف الخزينة العمومية نحو 600 مليون دولار سنويا، لكنها لم تذكر الخسائر غير المباشرة التي يتحملها الاقتصاد.

ويقول خبراء بأن استمرار الحكومات المتعاقبة على هذا النهج، وضع البلاد في طليعة الدول المستهلكة والمستوردة للوقود والقمح، وسوقا رائجة للسيارات، بسبب الأسعار الرمزيـة التي تشجع على الإفـراط والتبـذيـر. واعترفـت الدراسة الحكـوميـة بأن تدني أسعـار وقـود السيـارات بسبـب الـدعم الحكومي وتردي خدمات النقل العـام، هـي أبرز أسبـاب الاختناقـات المـروريـة، التي تـؤدي إلى هـدر أمـوال الدعم الحكـومي للوقود.

مصطفى مقيدش: معدل استهلاك الجزائري للطاقة يعادل 8 أضعاف معدل الاستهلاك العالمي

ويرى الخبير الاقتصادي مصطفى مقيدش في تصريحات للعرب، أن انخفاض أسعار الطاقة وخاصة وقود السيارات، أدى إلى ارتفاع معدل استهلاك الفرد الجزائري من الوقود إلى ما يعادل 8 أضعاف معدل استهلاك الفرد في العالم.

وقال إنه كلما وضع مواطن أوروبي لترا واحدا من البنزين في سيارته، يقابله المستهلك الجزائري بوضع 8 ليترات من الوقود، وهو رقم يشير بوضوح إلى خطورة الظاهرة وانعكاساتها الاقتصادية.

ويعيب مختصون على الحكومة اكتفاءها بإجراءات توصف بـ”الشكلية” لمواجهة أعباء الأزمة النفطية، بسبب خشيتها من الاضطرابات الاجتماعية.

وأكدوا أن ما تم إقراره في قانون الموازنة، الذي يناقشه البرلمان حاليا، لا يمكن أن يعالج الأزمات المالية التي تعاني منها الجزائر.

ويرى مقديش إن القرار الحكومي يفتقر إلى الجرأة اللازمة لاتخاذ إجراءات فعلية لمحاربة التبذير والدعم العشوائي للمواد الاستهلاكية، وتطبيق الأسعار التجارية على الكهرباء والوقود والخبز، رغم انتقادات المؤسسات المالية الدولية.

وقدرت أرقام غير رسمية، الفاتورة التي تدفعها الحكومة لدعم مادتي البنزين والديزل بنحو 8 مليارات دولار سنويا، وهو ما يعادل أكثر من ربع موازنة الدعم الحكومي، التي يتساوى أمامها جميع الجزائريين مهما كانت مستويات دخلهم.

وحذر صندوق النقد الدولي الحكومات الجزائرية مرارا من مغبة مواصلة سياسة الدعم الحكومي، وقال إن هناك وسائل لتوجيه الدعم إلى مستحقيه.

ويؤكد الصندوق والخبراء الاقتصاديون أن الأثرياء وشركات النقل والصناعيين والشركات الاقتصادية والمستثمرين الأجانب، هم أكبر المستفيدين من الدعم الحكومي لأنهم أكثر استهلاكا للوقود والكهرباء.

ورصد قانون الموازنة السنوية للعام المقبل نحو 25 مليار دولار لدعم المواد الاستهلاكية، مع إقرار بعض الزيادات على أسعار الوقود والكهرباء اعتبارا من مطلع العام المقبل، إضافة إلى فرض رسوم ضريبية جديدة لتعويض تراجع العوائد البترولية.

10