فوضى الدم في العراق وسوريا تعيد طرح المشروع الأميركي لتقسيم المنطقة

السبت 2014/06/21
اللاجئون في المخيمات يدفعون ثمن مشروع التقسيم

لندن- مع تغير طبيعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووصوله إلى ذروته في سوريا والعراق، تصاعد الحديث عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”، وتناقلت مراكز الدراسات والبحوث الاستراتيجية صورا لخرائط ووثائق تقول إن ما يجري في المنطقة اليوم ينذر بتحول جذري لحدود الشرق الأوسط سيلغي حدود معاهدة سايكس بيكو ويرسم بالدم حدودا جديدة بما ‏يتّفق مع المصالح الأميركية والقوى الكبرى، ويلبي حاجتها المتصاعدة لمصادر الطاقة.

“هل وجدت دولة الشام يوما ما؟”، سؤال جوهري طرحه الباحث الأميركي نيك دانفورث، ليجيب عنه في تحليل مطوّل، نشرته مجلة “السياسة الدولية”، خرج في نهايته بإجابة تفيد أن المجموعات الجهادية في العراق وسوريا تحاول إحياء دولة لم توجد من قبل.

دولة الشام التي يتحدّث عنها دانفروث، هي الدولة التي يسعى إليها التنظيم الجهادي الأشهر اليوم، والذي ينشط في العراق وسوريا تحت مسمّى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف اختصارا بـ”داعش”؛ وهو في الأصل فرع من فروع تنظيم القاعدة الأميركي الصنع.

يقول دانفورث، في تحليل نشرته مجلة “السياسة الدولية ((Forgien Policyإنه على مدى السنوات الخمس الأخيرة حين تحولت سوريا إلى إقطاعيات متحاربة وبينما كان العراق يكافح من أجل الخروج من حربه الأهلية الكارثية، كان المراقبون الأميركيون يعددون الاخفاقات الكثيرة لمعاهدة سايكس بيكو التي بني عليها نظام الدولة في الشرق الأوسط، ويسرّبون، عبر وسائل الإعلام والشبكات العنكبوتية تقارير، تبدو في ظاهرها غير رسمية، تتحدّث عن نهاية هذه المعاهدة1916 التي قسّمت الولايات العثمانية في العالم العربي إلى “مناطق نفوذ” بريطانية وفرنسية، وهو ما وضع الأساس للحدود المعاصرة في المنطقة.‏


انتهازية داعش


في تحليله لتسمية “الدولة الاسلامية في العراق والشام’”، يقول دانفورث: كل من العراق والشام هو اسم له مدلول تاريخي وسياسي، لكن من الملفت للنظر أن قيادة داعش لم تستطع ايجاد تعبير جغرافي واحد لوصف منطقة العمليات الحالية. الشام كان منذ زمن غير بعيد اسم محافظة عثمانية مقرها يوجد في دمشق، أما العراق فهو تعبير جغرافي أصبح يستعمل بشكل مستقل مع قدوم البريطانيين في عشرينات القرن الماضي.

وباستخدام منطق الانتهازية تدعي داعش توحيد منطقتين حتى المتنافسان الأولان في نظام الوصاية الأوروبية قنعا بالتعامل معهما على أنهما منفصلتان. مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى توحد بعض القوميين العرب الأوائل للدفاع عن دولة تغطي المشرق بأكمله. وعندما أعلن الملك فيصل (بطل الثورة العربية وملك العراق لاحقا) في 1920 عن مملكة عاصمتها دمشق – لم تدم طويلا – تخيل رقعتها تمتد من جبال طوروس جنوب تركيا الى شبه جزيرة سيناء، لكن دون أن تمتد الى الجهة الشرقية لتضم العراق.

كما كان مصير خطط لاحقة لتوحيد العراق وسوريا معبرا، ومن ذلك أن عبّر الحكام الهاشميون للأردن والعراق إثر الحرب العالمية الثانية عن اهتمامهم بخطط متعددة لتوحيد المنطقة، فظن الزعماء في سوريا أنهم سيخسرون من جراء هذه الترتيبات التي أبطلت على كل حال عندما خلع الجيش العراقي الملك الهاشمي بدعوى أنه دمية في يد البريطانيين.

بعد ذلك بدا أن صعود حزبين بعثيين اشتراكيين وعلمانيين الى الحكم في سوريا والعراق سيوفر أرضية للتوحيد، لكن سياسة السلطة وتعقيدات الايديولوجيا البعثية خلقت على الفور تقريبا عداء جديدا بين دمشق وبغداد. وكذلك فشلت محاولة سوريا في تجربة الوحدة مع مصر تحت راية القومية العربية.

والآن نجد أن داعش، التي تتحالف مع بعض البعثيين السنة في العراق بينما تقاتل بكل شراسة البعثيين العلويين في سوريا، ليست لها حظوظ في النجاح. عوضا عن ذلك تشير الأحداث في العراق وسوريا أن داعش جزء من مخطّط خارجي مهمته نشر فوضى الدم في المنقطة وانهاكها بغاية تهيئتها لتقسيم جديد.

في هذا السياق يكتب دانفورث قائلا: كانت هناك سابقة تاريخية لافتة للنظر تخص المنطقة التي تقوا داعش إنها سيطرت عليها مؤخرا تتمثل في التقسيم القديم بين الأجزاء من الشرق الأوسط المأهولة والأجزاء التي يجوبها البدو الرحل. ونجد أن خريطة عثمانية مدهشة ترجع إلى فترة الحرب العالمية الأولى تصف سكان المنطقة الفلاحية الغربية التي تضم كل المدن الكبرى السورية بـ”السوريين”، بينما أولئك الذين يعيشون في الجهة الشرقية في الصحراء يطلق عليهم تسمية “العرب”. ونفس التقسيم تبينه النصوص الجغرافية البريطانية من الفترة نفسها حيث يتم الحديث عن “العثمانيين المستقرين” و”العرب الرحل” الذين كانون يعيشون في المساحة غير المأهولة بين العراق وسوريا.

ومن ثم لم تكن المنطقة الفاصلة بين العراق وسوريا ذات أهمية كبرى لمهندسي نظام سايكس بيكو وخاصة الجزء من الصحراء جنوب هذه المنطقة حيث كان رسامو الخرائط العثمانيين والغرب يتركونها فارغة. ولم تعبأ القوى الأوروبية برسم الحدود بين العراق وسوريا إلا بعد عقد من الزمن حيث كلفوا لجنة من عصبة الأمم بالمهمة.

وحتى بعد وضع علامات الحدودية لم تهتم بها القبائل المتواجدة هناك إذ واصلوا نشاط الرعي وسقي المواشي عبر الحدود كما كانوا من قبل. وباختصار لقد “نجحت” داعش إلى حد الآن، ليس عبر إعادة صياغة نظام الدولة، لكن عبر التحرك (مثل مجموعات محاربة سبقتها) في مناطق غير مسيرة توجد بين دول قائمة.


التقسيم الطائفي

رالف بيترز: إذا تعذر تعديل حدود الشرق الأوسط الكبير بصورة تعكس الروابط الطبيعية للدم والعقيدة فمن المؤكد أن إراقة الدماء في المنطقة ستستمر وسوف يواصل رجالنا ونساؤنا في الجيش القتال ضد الإرهاب من أجل الأمن ومن أجل ازدهار الديمقراطية ومن أجل الوصول إلى أنابيب النفط


يرى دانفورث أن ردة الفعل على التكتيكات المتوحشة التي اعتمدتها داعش ونجاحها السريع والمريب يكشفان محدودية تقسيم الشرق الأوسط على أسس طائفية، إذ نفر التطرف الديني لدى هذه المجموعة حتى حلفائها الأكثر راديكالية في الحرب ضد بشار الأسد وتسبب في نزوح نصف مليون عراقي من الموصل. فضلا عن ذلك، استخدم كل من السوريين والعراقيين خطابات وطنية لشجب مقاتلي داعش بوصفهم دخلاء أجانب إلى أرضهم، في حين أن الشيعة العراقيين أصبحوا الآن يميلون إلى اعتبار الجنود الإيرانيين على أراضيهم إخوة في الدين، وليس غزاة فرس.

لقد دفعت داعش الأتراك والأكراد والعراقيين والايرانيين إلى الاجماع على ضرورة هزم المجموعة الجهادية. وفي الوقت نفسه تسبب صعود داعش في تقوية أكراد العراق، ومن ذلك أن سيطرت قوات البشمركة على كركوك، وهو تحرك لم يثر ردة فعل السلطة المركزية في العراق التي تجد نفسها في هذا الظرف في حاجة إلى تعاون حكومة الاقليم الكردستاني. ونتيجة لهذه التطورات يتمتع إقليم كردستان حاليا بأوفر الحظوظ ليتم الاعتراف باستقلاله.

الحديث عن إعادة تقسيم المنطقة وصياغة “سايكس بيكو” جديدة، ظهرت منذ الغزو الأميركي للعراق وحديث إدارة جورج بوش الابن عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد”. وقد أدرج المراقبون والمختصّون في الشؤون الدولية والاستراتيجية الأحداث أو الفوضى التي تعيش على وقعها منطقة الشرق الأوسط، خصوصا منذ اندلاع ثورات “العربي العربي”، كجزء من هذا المشروع الذي ظهر بعد التورّط الأميركي في افغانستان ونشأة حركة طالبان ثمّ تنظيم القاعدة، ثم تجلت ملامحه الفعلية خلال الحرب الأميركية في العراق.


سايكس بيكو 2


بوصول الصراع في سوريا إلى ذروته سنة 2012، تصاعد الحديث عن “الشرق الأوسط الجديد”، وتناقلت تقارير صحفية غربية وعربية صور لخرائط ووثائق تقول إن هناك خطّة لإعادة تقسيم دول الشرق الأوسط ‏على أسس أثنية ودينية وطائفية بما ‏يتّفق مع المصالح الأميركية والقوى الكبرى، ويلبي حاجتها المتصاعدة لمصادر الطاقة.‏

تعود بداية ظهور مصطلح ”الشرق الأوسط الجديد” إلى يونيو 2006، وقد جاء على لسان وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، تم استبداله بتسمية “الشرق الأوسط الكبير “.

أما عرّاب هذا المشروع فيشير الخبراء والدراسات، التي اهتمت بهذا الموضوع، أنه المؤرخ والباحث الأميركي البريطاني برنارد لويس، الذي وصف بـ”مهندس سايكس بيكو 2". وتتفق الدراسات على أن لويس يعدّ صاحب أول مخطط مكتوب ومدعم بالخرائط لتقسيم المنطقة. ووضع لويس هذه الخطّة سنة 1980 بتكليف من وزارة الدفاع الأميركية وزبغنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر.

وكان هذا الأخير قد صرّح حينها قائلا: “إن المعضلة التي ستعاني منها الولايات المتحدة من الآن (1980) هي كيف يمكن تنشيط حرب خليجية ثانية تقوم على هامش الخليجية الأولى التي حدثت بين العراق وإيران تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تصحيح حدود اتفاقية سايكس-بيكو”. وتضمّن مخطط برنارد لويس تقسيم 18 دولة عربية إلى مجموعة دويلات صغيرة هي في الأصل دول كبيرة غنية بالنفط والثروات الطبيعية.

بينما كان العراق يكافح من أجل الخروج من حربه الأهلية الكارثية، كان المراقبون الأميركيون يعددون الاخفاقات الكثيرة لمعاهدة سايكس بيكو التي بني عليها نظام الدولة في الشرق الأوسط

من بين الوثائق التي تحدّثت عن هذا المشروع الجديد/القديم خارطة، يعود تاريخها إلى سنة 2006، نشرت في “مجلة القوات المسلحة” ‏الأميركية، ‏تحت عنوان “حدود الدّم – نحو نظرة أفضل للشرق الأوسط”، وضعها الكاتب رالف بيترز، وهو جنرال أميركي متقاعد ‏شغل منصب نائب رئيس هيئة الأركان للاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع الأميركية.‏

ورغم أن هذه الخارطة لا تعكس الموقف الأميركي الرسمي، ولم يقم “البنتاغون بتأكيدها، إلا أنه أيضا لم يقم بنفيها، الأمر الذي اعتبره مراقبون، خطة أميركية تهدف لجس نبض الرأي العام العالمي وإعداده ببطء لتقبّل والتغيرات في الشرق الأوسط، وتخفيف وقع النتائج الكارثية لهذا المشروع الجديد.

تتضمّن هذه الخارطة تقسيم دول مثل تركيا وسوريا والعراق على أسس ‏طائفية وقبلية وديني. وأيضا ترسم الخارطة ملامح دول جديدة، من بينها “دولة عربية شيعية” على أراض غنية بالنفط – ستشمل جنوب ‏العراق والأجزاء الجنوبية الغربية من إيران (الأحواز) – و”دولة كردستان الحرة” على ‏أراض من تركيا وسوريا والعراق وإيران وتكون هذه الدويلات الحديثة تابعة للولايات المتحدة. ‏

وكتب بيترز معلقا على هذه الخارطة قائلا إن الحدود الأكثر اعتباطية ومشوهة في العالم توجد في أفريقيا والشرق الأوسط الحدود الأكثر اعتباطية والأكثر تشوها في العالم توجد في إفريقيا والشرق الأوسط. وهذه الحدود رسمتها المصالح الخاصة للأوروبيين (الذين كانت لديهم اضطرابات كافية لتحديد حدودهم) ولكن الحدود غير العادلة في الشرق الأوسط – والاستعارة هنا من تشرشل – تولد مشاكل أكبر من أن تُحَلَّ محليا. وحتى أولئك الذين لا يستسيغون فكرة تعديل الحدود سوف يستفيدون جيدا من هذا التحول، وعليهم أن يتذكروا أن الحدود ظلت تتغير عبر القرون لم تكن ثابتة أبداً والعديد من الحدود من الكونغو وحتى كوسوفو و القوقاز تتغير حتى الآن.


الشرق الأوسط الجديد

داعش ترسم في العراق وسوريا "حدود الدم" الأميركية


بعض ما جاء في مشروع برنارد لويس، ثم في خارطة بيترز رالف ونيويورك تايمز"، وغيرها من المصادر، تبدو ملامحه ظاهرة على الأرض اليوم، فالسودان تمّ تقسيمه فعليا، وفوضى الدم انتشرت في العراق وسوريا؛ أما اليمن، البلد العربي الأكثر فقرا، والأبرز استراتيجيا، فتهدّد أيضا ملامح التقسيم مرّة أخرى.

وذات التفاصيل كشفت عنها خارطة نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز" في شهر ديسمبر 2013. ووفق ما جاء في هذه الوثيقة سيتم تقسيم بعض الدول العربية في الشرق الأوسط إلى عدة دول عن طريق تأجيج الخلافات القبلية والتحديات الاقتصادية والانقسام بين السنة والشيعة.

وقالت روبن رايت، الباحثة الأميركية المختصة في شؤون الشرق الأوسط، في تحليلها لما جاء في خارطة “إعادة تشكيل الشرق الأوسط” أنه سوف تنشأ دولة الأكراد شمال العراق، ولم تستبعد نشأة دولة علوية على نفس منوال “كردستان”، وتخيلت في مقالها المنشور في “نيويورك تايمز" أنه سيتم تدمج المناطق السنية في العراق وسوريا بدولة واحدة. وفي جنوب العراق تنشأ دولة شيعية، فيما تنشأ دولة جديدة غرب جنوب سوريا تسمى “جبل الدروز”.

أما في الضفة الأخرى من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيمكن أن تؤول الأوضاع في ليبيا إلى تقسيم، هذا البلد الغني بالنفط، إلى دويلتين أو ثلاث/ طرابلس وبرقة وربما فزان تكون دويلة ثالثة في جنوب غرب البلاد.

التخلص من الحدود التي رسمها الأوروبيون منذ القرن التاسع عشر، لن يتم على أسس طائفية، وفق نيك دانفورث الذي يستطرد قائلا: برغم كل الخيال الذي استعملناه من أجل إعادة رسم خارطة المنطقة، نبقى متشبثين بفكرة أن الانتفاضة السياسية يمكن أن تفرز مجموعة أخرى من الحدود الأكثر أصالة في الشرق الأوسط، ربما بالاعتماد على التقسيمات الاثنية والطائفية أو إعادة بروز جغرافيا ما قبل الامبريالية. لكن التطورات الأخيرة تفيد بأن الأشياء إذا تغيرت بصفة جذرية، فإن القوة والصدفة هما اللتان تلعبان دورا أكبر في تحديد ماذا سيحدث لاحقا في مجال الديمغرافيا والجغرافيا والتاريخ.

أما الطريق المؤدية إلى التقسيم الجديد، من وجهة نظر الجنرال الأميركي رالف بيترز، فلن يكون إلا “عبر حمامات الدم التي لا مفر منها لتنشأ حدودا طبيعية جديدة.. وفي هذه الأثناء سوف يواصل رجالنا ونساؤنا في الجيش القتال ضد الإرهاب من أجل الأمن ومن أجل ازدهار الديمقراطية ومن أجل الوصول إلى أنابيب النفط في منطقة شاء لها القدر محاربة نفسها”.


اقرأ أيضا


'حزب الله' مجبر على ملء فراغ انسحاب الميليشيات العراقية من سوريا

6