فوضى السيولة الإعلامية

الخميس 2015/04/30

من أسوأ النتائج المترتبة عن حالة السيولة الإعلامية التي تعانيها وسائل الإعلام العربية، الجديدة منها والتقليدية، لا سيما على مستويي الفضائيات والمواقع الإلكترونية، هو شيوع تحليلات وأفكار عبثية حول الأخطار والتهديدات والتحديات الوجودية التي تواجه معظم الدول العربية في المرحلة الراهنة.

لا أقصد هنا الاعتماد المتزايد على نظرية المؤامرة، وإخضاع كل ما يحدث في المنطقة من تطورات لتفسيرات في نطاقات هذه النظرية، الضيّقة أو المتّسعة. ولكني أقصد تحديدا التشويش على مصادر الخطر الحقيقية القائمة وضياع معالم هذه الأخطار وسط هذا القدر الهائل من الضجيج والصراخ الإعلامي، وفتح الباب أمام موجات متزايدة ممّن يطلق عليهم خبراء استراتيجيين للحديث بهدف ملء ساعات البث أو لأهداف أخرى خفية أو لغير ذلك، في فوضى إعلامية لا ينافسها سوى فوضى الفتاوى الدينية التي تسببت في تعميم أجواء الإرباك وخلط الأوراق.

السؤال الأكثر إلحاحا الآن يتمحور حول تفسير ما يحدث في المنطقة العربية في الأشهر والسنوات الأخيرة، وما هي تبعات هذه الحالة الصراعية المتفاقمة في الإقليم؟ البعض يعزو ما يحدث إلى نظرية الفوضى الخلاقة التي كانت بداية إطلاق شرارة الاضطراب الإقليمي منذ أن وردت على لسان وزير الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس في عام 2006.

الفوضى الإقليمية العارمة بلغت ذروتها منذ سنوات قلائل مضت بظهور تنظيم داعش الإرهابي، ثم مؤخرا انقضاض الحوثيين على الدولة اليمنية ومحاولة السيطرة على مفاصلها في استنساخ واضح وجلي لتجربة الشيعة في العراق، وحزب الله في لبنان، وهي تجارب حية تمشي على الأرض ونذكر جميعا عمق ارتباطها وما تحظى به من دعم مباشر وغير مباشر من إيران.

لا ينكر أحد أن ما يعرف بالربيع العربي قد أتى على ما تبقى من أسس ومقومات الدولة الوطنية في العديد من الدول العربية، وأسهم في تآكل بعضها الآخر وتحلل ركائز الدولة الوطنية فيه، بدعم من قوى إقليمية أخرى، طامعة أو طامحة، لا فرق، في التمدد الاستراتيجي على حساب الواقع العربي المتهرئ، وفي مقدمة هذه القوى بطبيعة الحال تركيا.

التدخلات الإقليمية من جانب تركيا وإيران، حدثت بتواطؤ واضح من جانب فاعلين في الداخل العربي، حيث التقت المصالح ووجدت هذه الأطراف أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها لوضع أسس جديدة للتحالفات الإقليمية، ومن بين المتواطئين عربيا، جماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الحوثي وحزب الله وتنظيمات الإسلام السياسي، التي تبحث عن فرصة ما للقفز إلى السلطة في كثير من دول العالم العربي.

الواقع يقول إن ما يشهده العالم العربي، من شرقه إلى غربه، ومن الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، هو خطر وجودي غير مسبوق تاريخيا، فربما كانت هي المرة الأولى التي تترنّح دول عدة تحت وقع المؤامرات الخارجية والداخلية، حيث تقترب من خطر الغياب التام من خارطة المنطقة. وربما هي المرة الأولى تاريخيا أيضا التي تتوزع فيها مصادر الخطر في العالم العربي بين مناطق شتى وباستخدام أو توظيف العوامل المحركة للفتن ذاتها، ما يعكس وجود تعاون بين قوى إقليمية ودولية لإشعال بؤر صراع عدة لعلها تفوق الطاقات المتبقية من النظام الإقليمي العربي على التصدي لهذه الأخطار المتزامنة عسكريا وسياسيا.

هذا الواقع العربي المتهرئ هو ظاهرة سياسية واضحة وحقيقة ماثلة للعيان وليست تحليلا أو سيناريو متخيلا للمستقبل، بل ربما يكون الواقع أكثر ظلامية مما هو مطروح، ومن ثمة فإن المخرج من هذه الدائرة الجهنمية المفرغة التي تحرص قوى إقليمية مثل إيران وتركيا على محاصرة الدول العربية بداخلها، لن يكون سوى بحلول وبدائل فاعلة ومبتكرة، وأكثر قدرة على المواجهة والتعاطي مع أسباب الأزمات بمختلف الوسائل والأدوات المتاحة على المديين القريب والبعيد؛ إذ لا يمكن أن تعالج الأزمات على حساب بعضها البعض، ولا يمكن أيضا تأجيل مصادر التهديد لمصلحة التعامل مع مصادر أخرى قد يعتبرها البعض أكثر إلحاحا.

وبمعنى أكثر وضوحا، لا يمكن القول بتأجيل التعامل مع خطر جماعة الإخوان المسلمين ودعم تركيا لهم لمصلحة القضاء على خطر الحوثيين ودعم إيران لهم، فكلها مصادر تهديد وتحديات متزامنة، تتطلب في مجملها استراتيجية عربية مشتركة للتعامل معها في آن واحد، إذ لا يعقل أن نترك حريقا في أحد أركان المنزل ونتفرغ لإطفاء آخر في المنزل ذاته، فحريق واحد يكفي لتدمير المنزل بأكمله، ولا يمكن الجزم بإلحاح أيّ من مصادر الخطر في ظل صعوبة السيطرة على الوضع بأكمله، حيث يصعب توسيع نطاق المعالجات وتكثيف الجهود وتفهم كل دولة لظروف غيرها من الدول العربية وهواجسها ومخاوفها الأمنية وذلك هو السبيل الحقيقي لبناء استراتيجية عربية ناجعة ومتكاملة للتعامل مع وضع عربي مذر بل بات يقف فعليا على حافة الهاوية.

كاتب من الإمارات

18