فوضى العمران في موريتانيا.. أزمة تتسع بلا حلول في الأفق

نواكشوط تعاني من تمدد أفقي سببته الفوضى العمرانية والاختلالات الكثيرة في البنية التحتية وانتشار العشوائيات.
الاثنين 2021/08/02
فوضى عمرانية وبشرية

نواكشوط - سعى الرئيس الموريتاني محمد ولد الغزاوني بعد أشهر قليلة من توليه رئاسة البلاد في عام 2019 لجعل العاصمة نواكشوط من ضمن المدن المحركة للتنمية في إطار إعادة تفعيل المخطط العمراني للمدينة التي تأسست في خمسينات القرن الماضي.

لكن الفوضى العمرانية في موريتانيا وخاصة في العاصمة نواكشوط تضع مجموعة واسعة من التحديات أمام السلطات في هذا البلد الواقع غرب أفريقيا، كما أنها تعطل عمليات البحث عن إعادة رسم وجه العاصمة من جديد لتكون فاعلة من الناحية الاقتصادية والمعيشية.

ومنذ ديسمبر عام 2019 سعت السلطات الموريتانية لتنظيم العاصمة من الناحية العمرانية، حيث تعد نواكشوط مركزا للحركة التجارية والمشاريع والاستثمارات الأجنبية، لكنها تعاني من سوء الخدمات، بالإضافة إلى مخاوف بيئية تتزايد يوما بعد آخر.

وأدت الكثافة السكانية المرتفعة في العاصمة الموريتانية إلى جانب غياب تهيئة عمرانية متطورة إلى فشل محاولات وخطط السلطات لتحديث العاصمة التي تعاني من إخلالات في البناء والتخطيط العمراني وبروز العشوائيات.

وكانت مساحة نواكشوط في ستينات القرن الماضي لا تتجاوز هكتارا واحدا، لكن اليوم باتت تقدر بـ1200 هكتار وفق ما أعلنت وزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي الموريتانية.

وأضحى التمدد الأفقي السريع للعاصمة الموريتانية مصدر قلق واسع للسلطات نظرا إلى تسببه في فوضى عمرانية وضغط كبير على البنى التحتية في المدينة التي يسكنها ربع سكان البلد العربي.

ويقول وزير الإسكان والعمران الموريتاني أحمد ولد محمد إن هذا الواقع جعل المدينة “تتمدد بشكل سريع مع وجود اختلالات كثيرة وإن هذا الوضع غير طبيعي”.

وأوضح الوزير الموريتاني في السابع من يوليو الماضي أن العاصمة نواكشوط التي تعد أكبر مدينة في المنطقة من حيث المساحة والسكان تواجه “خللا ما”.

53 في المئة من المساحة الإجمالية لنواكشوط مناطق رملية أو غير صالحة للبناء

واعتبر ولد محمد أن “الاختلال العمراني” الذي تعيشه العاصمة الموريتانية يعود إلى “الافتقار للإطار القانوني والتنظيمي والاستغلال غير المقنن للقطع الأرضية، بالإضافة إلى التمدد الأفقي للمدينة” خلافا لغالبية مدن العالم. وتدفع هذه الاختلالات العمرانية إلى التسبب في ضغط كبير على البنى التحتية في المدينة.

وتقول السلطات الموريتانية إن هذا التمدد الأفقي للعاصمة يكلفها موارد مالية هائلة يتم إنفاقها في توفير خدمات الماء والكهرباء والصحة والتعليم.

وعانت العاصمة نواكشوط خلال السنوات الماضية من فيضانات نجمت عن أمطار فاقت بغزارتها المعدلات الموسمية، لكن البنية التحتية الغائبة وانخفاض بعض مناطقها عن مستوى سطح البحر تسبب في غمر المياه للطرقات وعطل حركة السير.

وتقع نواكشوط في مستوى منخفض عن سطح البحر ولا يفصلها عن المحيط سوى تلال ومرتفعات صخرية قليلة بسبب عوامل التعرية واستنزاف الحزام الرملي. ولا تزال البلاد تعاني من مشكلة تسرب المياه تحت الأرض في موسم هطول الأمطار بسبب عدم وجود شبكة الصرف الصحي.

وكانت السلطات الموريتانية قد تعهدت سابقا بالعمل على تشجير الآلاف من الهكتارات في نواكشوط لكن دون جدوى على الرغم من تحذير دراسات علمية عديدة من اختفاء العاصمة الموريتانية في غضون السنوات القادمة.

ورغم تلك التحذيرات تكاد تخلو العاصمة نواكشوط من المناطق الخضراء، إذ لا تتجاوز نسبتها 0.3 في المئة، وفق معطيات جديدة لوزارة الإسكان والعمران والاستصلاح الترابي.

وتقول السلطات إن غياب المناطق الخضراء في العاصمة يؤثر سلبا على المباني، نظرا إلى العواصف الرملية التي تشهدها المدينة في كثير من الأحيان.

Thumbnail

وكان الرئيس الموريتاني قد كشف أمام الأمم المتحدة سنة 2019 إطلاق “مبادرة السور الأخضر العظيم” مع مجموعة من دول الساحل لمواجهة الآثار السلبية للتصحر والتغيرات المناخية، مشيرا حينها إلى تحقيق نتائج هامة في السعي لإيقاف التصحر وإعادة تأهيل المساحات التي تضررت من جرائه.

ووفق المعطيات الرسمية فإن 53 في المئة من المساحة الإجمالية لنواكشوط مناطق رملية أو غير صالحة للبناء.

وكان مجلس الوزراء الموريتاني قد صادق خلال اجتماع له في السابع من يوليو الجاري على خطة لمعالجة الإشكالات والعوائق المرتبطة بالتوسع العمراني للعاصمة والحلول المقترحة لها.

وتواجه العاصمة الموريتانية مشكلة أخرى، حيث شهدت في سبعينات القرن الماضي نزوح سكان الكثير من القرى والأرياف الموريتانية نحوها إثر موجات الجفاف التي ضربت أنحاء واسعة من البلاد، وذلك بحثا عن مصدر دخل بعدما فقد كثيرون مواشيهم بفعل سنوات الجفاف. ونتيجة للهجرات الجماعية انتشرت أحياء الصفيح والمساكن العشوائية في المدينة، وتفاقمت مظاهر الفقر والعوز بين السكان.

وأشرفت السلطات الموريتانية منذ عام 2010 على عمليات تخطيط وإعادة التأهيل العمراني للأحياء العشوائية ما ساهم في تنظيم عدد منها، لكن الكثير من تلك الأحياء لا يزال قائما حتى الآن.

وتقول الحكومة الموريتانية إنها تعمل وفق خطة للقضاء على ظاهرة العشوائيات في العاصمة حتى يحصل المواطن على حقه في السكن اللائق. ووفق تقديرات حكومية يبلغ سكان نواكشوط مليون نسمة، أي ربع سكان البلاد الذي يبلغ تعداد سكانه 4 ملايين نسمة.

وتتعدد الأعراق التي تسكن نواكشوط بين عرب وأفارقة، إضافة إلى المهاجرين المستوطنين في المدينة، والسياح وعمال الشركات الأجنبية التي تستثمر في موريتانيا.

وتأسست نواكشوط في خمسينات القرن العشرين، إذ اختيرت عاصمة للدولة، ولم تكن حينها سوى قرية ريفية متواضعة، حيث وضع المختار ولد داداه أول رئيس لموريتانيا إلى جانب الرئيس الفرنسي حينها شارل ديغول الحجر الأساس للعاصمة في الخامس من مارس عام 1958، أي قبل سنتين من إعلان استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1960.

7