فوضى الفتاوى تؤدي إلى الفهم والتطبيق الخاطئين للدين

الأربعاء 2015/04/22
تصدّي العلماء للفتوى يجنب المسلمين الوقوع فريسة للتطرف في فهم النصوص الدينية

الفتاوى الغريبة التي أصبحت تظهر في العالم الإسلامي يعتبرها بعض العلماء ورجال الدين من المسيئات للدين ذلك أنها ستفتح بابا لا يمكن غلقه وتزيد من بروز الأفكار المتطرفة، ذلك أنها في غياب عن التحولات التي طرأت على عالمنا في الألفية الجديدة، وهذا ما دفع أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنية في المغرب ينتقد عُلماء الدين المُسلمين الذين يُفتون في أمور الشريعة الإسلامية، قائلا إنَّ بعضهم يُسيء إلى الشريعة، وأنّ حقْل الفتوى في العالم الإسلامي يتّسم بـ”الفوضى”.

انتقد أحمد الخمليشي مدير دار الحديث الحسنيّة مجال الفتوى في العالم الإسلامي ووسمه بالفوضى، واعتبر أن بعضا من علماء المسلمين يفتون دون اعتبار لمتطلبات العصر الذي نعيشه، واعتبر أن هذه الفتاوى “تسيء إلى الشريعة الإسلامية”. ودار الحديث الحَسَنِيَّة هي مؤسسة للتعليم العالي تابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تهدف إلى تكوين علماء في الحديث النبوي الشريف وفي العلوم الشرعية بشكل عام.

واعتبر أنّ الوسيلة الوحيدة، لتفسير نصوص الوحي، “هي ما يُسمّى بالفتاوى، وهي شبه فوضوية”، وتساءل “لِمَ نقدم الشريعة بهذا الشكل فكيف نحس كمسلمين؟ ونتساءل إلى متى تبقى هذه الشريعة فوضى بيْن أيدي مفتين كل يفتي برأيه”.

وشدد أحمد الخمليشي على أن فوضى الفتاوى التي تعرفها بلدان إسلامية كثيرة تعتبر، نتيجة “مسؤوليتنا الأساسية التي أهملناها وتضر بالشريعة وبالأمن وبالعقيدة، هي أننا لم نبحث عن وسيلة لتفسير أحكام الشريعة مسايرة للقرن الذي نعيش فيه”، مضيفا أن هناك فتاوى يأتي بها مفتون لا تتماشى مع العقل ومنطق الأشياء.

الشريعة في ما يتعلق بنصوص الوحي محدودة ولم تتعرض إلى الكثير من الجزئيات والواقع الذي نعيشه

وفي هذا الإطار قدم الخمليشي مثالا لفتوى جاء بها أحد المفتين خارج المغرب، والتي قال فيها إنّ الزوج لا يجب عليه أن يكفن زوجته التي ماتتْ، تحت ذريعة أنه بموتها تنتهي العلاقة الزوجية وتنتهي النفقة. ولفت إلى أن الفوضى في الفتوى لا تخدم المسلمين، وتساءل إلى متى ستبقى الشريعة مرهونة بين أيدي هؤلاء الذين يفتون كل برأيه؟ ورغم أنه أكد على مبدأ الاختلاف حسب القناعات التي تفرضها القيم والمبادئ، فقد شدد “الاختلاف حقّ، لكنّ الرأي الشخصي شيء ورأي الأمة في الشريعة شيء آخر”.

وفي سياق حديثه عن مجالات هذه المسؤولية لفت إلى أنه، “قد تكون هناك بعض العيوب في المؤسسات الدستورية يمكن أن نطالب بتحسينها، وإذا كانت كلها فاسدة فلا بد أنْ يكون للمغاربة فرصة وحق في أن يقولوا إن هذا الحُكم اتفقنا عليه جميعا، وأن هذا الوضع غير مطابق للشريعة الإسلامية، وهذا الإجماع غير موجود، وكل ما هنالك هو فتوى أشخاص”.

واعتبر الخمليشي أن “المقابلة التي يضعها البعض بين القانون والشريعة خطأ كبير”، مؤكدا أنّ “الشريعة في ما يتعلق بنصوص الوحي محدودة ولم تتعرض إلى الكثير من الجزئيات والواقع الذي نعيشه، وأن ثمّة حاجة ماسّة إلى ملاءمة تفسير النصوص مع متطلّبات القرن الحادي والعشرين”.

وفي عدم مقابلة القانون الوضعي بالشريعة، أتى الخمليشي بمثال من الواقع المغربي حيث أن المرأة تصدت لمسؤولية القضاء بكفاءة حيث لا يعارض القانون الوضعي ذلك مقابل المذهب المالكي الذي يتبعه المغاربة والذي لا يجيز تولّي المرأة للقضاء، والشيء ذاته بالنسبة إلى زواج الفتاة دون وليّ.

وفيما يخص زواج الفتيات دون وليّ، بعد تطبيق مدوّنة الأسرة لسنة 2004، أكد الخمليشي أنه “في كل سنة تتزوّج أكثر من ستين ألف فتاة دون ولي، هؤلاء طبقا لما ندرّسه في المؤسسات التعليمية وما نكتبه زواجهن باطل”، وهذا للتدليل على ضرورة التفريق بين الشريعة والقانون.

وحذر مدير دار الحديث الحسنيّة من إعطاء الفرصة للمتشددين بالقول إنّ القانون الجنائي مخالف للشريعة، وبتفادي القول إنّ عدم تطبيق ما تنص عليه أحكام الشريعة معناه أنّ المجتمع تارك للشريعة، “فالشريعة شريعة الله نؤمن بها جميعا أما القانون فمسألة أخرى” حسب أحمد الخمليشي، الذي أكد على أن، “هناك نصوص الوحي وهناك تفسيره، وبيْن الأمرين مسافة كبيرة”.

ثمّة حاجة ماسّة إلى ملاءمة تفسير النصوص مع متطلّبات القرن الحادي والعشرين

ولا زال مدير دار الحديث الحسنيّة يحث على مراعاة تطورات العصر عند تفسيرات النص الديني، مؤكدا أن بعض النصوص لم تكن مسايرة لمقتضيات ما استجد في حياة الناس، قائلا “عندما نتحدث عن نصوص الوحي، فبالتأكيد أن كل مؤمن يؤمن بشريعة الله يؤمن في نفس الوقت بعدالتها لأنها من عند الخالق، لكن التفسير شيء آخر”. وفي هذا الصدد قال أحمد الخمليشي “عندما نقارن ما بين القانون والشريعة نتساءل عمّا إذا كان القانون هو الشريعة، ونحن نطبق القانون، ما معنى أن يكون ثمانون أو تسعون في المئة من الأحكام القضائية التي تصدر في المغرب تصدرها النساء أو يشاركن في الهيئة المصدرة للحكم، بينما معروف في المذهب المالكي أن المرأة لا يجوز لها أن تتولى القضاء”.

جماعات الإسلام السياسي تتعامل مع الدين على أنه أيديولوجية سياسية مما جعل غير المؤهلين فقهيا ودينيا يتصدرون للحديث عن الشريعة منطلقين من فهم خاطئ ما يجعل المسلمين أمام تحد متزايد لنقل صورة الإسلام الصحيحة إلى العالم.

13