فوضى الفتاوى تعكس نفوذ الخطاب المتطرف في الإعلام المصري

يحذر خبراء إعلام من بقاء فوضى الخطاب الديني المتشدد في وسائل الإعلام على وضعه الراهن، ويؤكدون ضرورة إطلاق الأزهر لمنبر وسطي معتدل، يضع حدا لفوضى الفتاوى الدينية المتشددة التي أصبحت ظاهرة في وسائل الإعلام تنامت مع صعود التيارات الإسلامية السياسية.
الثلاثاء 2016/12/20
الخطاب الديني بحاجة إلى ترميم

القاهرة - عاد الحديث مجددا حول أهمية إطلاق منبر ديني معتدل يواجه فوضى الفتاوى الدينية التي أنتجت كوارث في المنطقة العربية مع تصاعد حدة التوتر والخطاب الديني المتطرف للمنظمات المتشددة الذي وجد له منفذا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

وأعرب الأزهر مجددا عن رغبته في إطلاق قناة فضائيّة لمحاربة الفكر المتطرّف ونشر “مبادئ الإسلام الوسطي المعتدل”، بعد محاولات عديدة طيلة السنوات الماضية لكنها لم ترتق أبدًا إلى حيز التنفيذ.

وقال الأزهر إنه مازال ساعيا إلى إطلاق القناة، لمواجهة فوضى الفتاوى والقضاء على الخطاب الديني المتشدد لبعض الشيوخ المنتمين إلى تيارات سلفية أو المؤيدين لجماعة الإخوان.

وصرح القائم بأعمال رئيس جامعة الأزهر، إبراهيم الهدهد، مؤخرا “أنّ من يرغب في إطلاق قناة عاديّة تعرض الأفلام والبرامج والمسلسلات وتسعى إلى تحقيق أرباح عن طريق الفترات الإعلانيّة لا يواجه صعوبة، بينما يـواجه الأزهر صعوبة لأنّ القناة لا بدّ أن تكون ذات طابع خاص وغير ربحيّة، تعرض قيم الإسلام الوسطي والدين الصحيح بألوان متعدّدة”. وأشار إلى أنّ شيخ الأزهر، أحمد الطيب، يسعى إلى إيجاد مصادر تمويل لها.

من جهته قال وكيل الأزهر عبّاس شومان في حوار مع الشباب المشاركين في فعاليّات الحوار المجتمعي للأزهر قبل حوالي أسبوعين، إنّ القناة تأخّر إطلاقها بالفعل لظروف خارجة عن إرادة المشيخة، وإنّه يجري الإعداد لها، بشكل جيّد لتخرج بشكل ومضمون يليقان بالأزهر وتاريخه.

وأضاف أنه من المقرر ألا تكون قناة دينيّة، وإنما ستكون قناة عادية تقدم كلّ البرامج إلى كلّ الفئات وتناقش المواضيع بحيادية وموضوعية.

وأكد أن “الأزهر لا يريد أن يتقمص دور الرقيب كما ينسب إليه ظلما وزورا، بدليل الهراء الذي يظهر على شاشات الفضائيات ولا يتدخل الأزهر، فالأزهر لا يمنع ولا يطالب بمصادرة رأي أحد، ولكنه يقول ما يريد دون النظر إلى غضب الآخرين، وسنظل نقول إن هذا يجوز وهذا لا يجوز وإن كان يعتبره البعض تكميما للأفواه”.

ويرى خبراء إعلام أن المرحلة الراهنة التي ينمو فيها نفوذ التيّارات الإسلاميّة في الإعلام، إلى جانب نفوذها السياسي، خلقت حاجة ماسة إلى إطلاق قناة أزهريّة لمواجهة الخطاب المتشدّد.

إبراهيم الهدهد: الأزهر يواجه صعوبة لأن القناة لا بد أن تكون ذات طابع خاص وغير ربحية

وأفاد ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامي، بأن إطلاق قناة الأزهر لمحاربة الخطاب الديني المتشدّد وتجديد الخطاب الديني، ونشر قيم الإسلام الوسطي سيكون خطوة مهمّة إذا توافرت الضوابط اللاّزمة لنجاحها.

وأضاف عبدالعزيز “إنّ الخطاب الديني يعيش حالا من الفوضى مثل الخطاب الإعلامي. وإن مبادئ الخطابين تحتاج إلى مراجعة، لا يجب أن تقتصر على شكل الخطاب، ولكن يجب أن تشمل مضمونه أيضا، فالفتاوى المتشدّدة وليدة أخطاء متوارثة في فهم بعض النصوص الدينيّة وتفسيرها، ويجب تصحيح ذلك الفهم بجرأة وحياديّة وشفافيّة خاصّة في قضايا التكفير والجهاد والمرأة التي أفرزت فكر أغلب التنظيمات المتطرّفة”.

وأشار إلى أن الخطاب الإعلامي يحتاج إلى ضوابط تحترم عقليّة المشاهد وتقدّر الظرف الفكري المضطرب، خصوصا في ما يخص بعض القضايا الدينيّة لدى الشباب.

وتابع أنّ بعض المنتمين إلى الجماعة الإعلاميّة يحاولون استثمار الأحداث وبعض الفتاوى الشاذّة أو المتطرّفة لصناعة ضجّة بهدف تحقيق مكاسب من دون سقف أو ضوابط لحريّة الإعلام، “ممّا يزيد المشاهد المصري تشويشا ويروّج بالخطأ لتلك الفتاوى”.

وتحدث الصحافي، ديفيد عوض، عن فترة حكم جماعة الإخوان لمصر (2012-2013) وتأثيرها على الإعلام الديني، وقال إن تلك الفترة شهدت تزايد القنوات الدينية المؤيدة لهم والعديد من الفتاوى الموصوفة بالتشدد في قضايا الجهاد والمرأة.

وأضاف أن سيد زايد، عضو لجنة الفتاوى بالأزهر، أصدر دراسة بعنوان “الفتوى الضالة عن الإخوان والسلفيين” في نوفمبر 2013، شملت حصرا 51 فتوى اعتبرها متشددة وشاذة في عهد حكم الرئيس المعزول محمد مرسي، من أشهرها إجازة نزول المرأة والأطفال إلى المظاهرات ووقوفهم كدروع بشرية لحماية المظاهرات كنوع من الجهاد في سبيل الله، وإجازة زواج الفتيات في سن العاشرة، واعتبار نزول المرأة البحر زنى، وتحريم خروج الطالبات للدراسة، بخلاف العشرات من الفتاوى في تكفير بعض المعارضين للإخوان.

واعتبر أن هذه الفوضى الإعلامية في تناول الخطاب الديني تحتاج إلى تدخل مؤسسة الأزهر وضبط الفتاوى المتشددة بمصدر إعلامي موثوق.

وسبق أن انتقدت آمنة نصير، أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر وعضو مجلس النواب، تأخر ظهور قناة الأزهر رغم ترحيب عدد من الجهات بتقديم أي دعم لازم، مؤكدة أن إطلاقها سيوصل أصوات العلماء المؤهلين إلى الخارج، خصوصا أن خطاب المؤسسة الدينية الموجه إلى الخارج ضعيف، ووجود قناة قوية سيحتضن كوكبة من العلماء ذوي الخبرات في جميع التخصصات.

وحذرت نصير من اختيار مقدمي البرامج لدى إطلاق القناة من المعارف والمقربين ومن يقدمون فروض الولاء لقيادات الأزهر، مطالبة بالاختيار على أساس القدرات والمؤهلات والكفاءات.

ونوهت بأن إطلاق قناة الأزهر سيكون بادرة خير، تمكن المؤسسة الدينية من النهوض بالخطاب الدعوي، من خلال برامج لدعاة مؤهلين يعملون على نشر المفاهيم الصحيحة للإسلام، وبخاصة في مواجهة قنوات فضائية تستضيف مشايخ جهلاء بتعاليم الإسلام الصحيحة، مشيرة إلى أن مشروع قناة الأزهر خطوة تأخرت كثيرا.

18