فوضى الفتاوى تهدد استقرار الأسرة وتخلق جيلا مشوها

إذا كان المعنى الحقيقي للفتاوى الدينية تنظيم الحياة اليومية للناس، فإنه لم يعد لهذا المعنى وجود على أرض الواقع بعدما تحول بعضها إلى سلاح يهدم الأسر ويضرب استقرار المجتمع. ودفعت ممارسات البعض من ذوي عدم الاختصاص إلى لجوء أسر لفتاوى تتواءم مع حياتها الشخصية، دون التفات لتضاربها مع فتاوى أخرى.
الجمعة 2015/11/27
لجوء الأسر والأفراد إلى المتخصصين يحد من فوضى الفتاوى

القاهرة - من أغرب الفتاوى التي حظيت باهتمام لافت في مصر، جواز انفصال الزوج عن زوجته إذا كانت تنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وأخرى تدعو الآباء إلى رفض زواج بناتهم من شباب ينتمون للإخوان. وثالثة تبيح لولي الأمر أن يتخلى عن الإنفاق على ابنه أو ابنته إذا كانت تناهض النظام الحاكم أو تهاجم الجيش والشرطة، ورابعة جعلت من التصويت في الانتخابات المصرية واجبا شرعيا، وهكذا.

صحيح أن هذه الفتاوى لم تستهدف أسرة بعينها، لكن الفتوى المثيرة للجدل خلال الأيام الأخيرة تلك التي صدرت عن الداعية خالد الجندي وقال فيها، إن الطلاق الشفهي من الزوج لزوجته غير معترف به إسلاميا ولا بد أن يكون مكتوبا وموثقا.

الفتوى جاءت على خلفية تأزم العلاقة الزوجية بين (أحمد ومنال) في مدينة طنطا، الواقعة في دلتا مصر، فقال الزوج لزوجته شفهيا “أنتِ طالق” ثلاث مرات، ما يعني وفقا لرأي بعض الفقهاء، الانفصال عنها طيلة حياته والعودة فقط بمحلل، بمعنى أن تتزوج من آخر وتطلق منه ثم تعود لزوجها الأول.

بعدها لجأ الزوجان إلى الداعية خالد الجندي لتوضيح طبيعة العلاقة بينهما بعد الطلاق، خاصة أن علاقتهما استقرت واتفقا على استكمال حياتهما حفاظا على مستقبل أبنائهما، فكان رد الجندي أن الطلاق الشفهي لا يجوز، ويشترط لتحقيقه أن يكون مكتوبا.

المجتمعات العربية باتت تئن من وجود دعاة متشددين كانوا سببا رئيسيا في دمار العلاقات الأسرية وتفككها

وتسببت هذه الفتوى في موجة جدل بين علماء وشيوخ ومؤسسات دينية رسمية، حيث خرج علماء من مؤسستي الأزهر والإفتاء، وأكدوا حرمة هذا النوع من الزواج على اعتبار أن الطلاق الشفهي معترف به ولا يجوز للزوجين أن يستكملا حياتهما معا. وحيال هذا التضارب استقر الزوجان على تجاهل الجميع واستكمال الحياة، بعدما فشلا في الحصول على فتوى موحدة من كل الأطراف.

صحيح أن المؤتمرات والندوات الدينية على مدار سنوات ناقشت فوضى الفتاوى وتأثيراتها على الأسرة والمجتمع بشكل عام، وكان آخرها مؤتمر الإفتاء العالمي بالقاهرة قبل 3 أشهر، لكن بقي الحال على ما هو عليه، وبقيت الكثير من الأسر حائرة بين الفتاوى المتناقضة. كما لم تفلح أيضا الأساليب غير التقليدية التي أقرتها بعض الدول العربية، حيث جرى تأسيس بنوك للفتاوى ومراصد لها للتواصل باستمرار في ما يخص المواطنين، وتحديدا ما يتعلق منها بالأسئلة والفتاوى المتعلقة بالأسرة والمجتمع.

من هنا كان السؤال هل الأسرة مسؤولة عن اتساع نطاق الفتاوى المضللة والهدامة بلجوئها إلى جهات غير مختصة للرد على الفتاوى، أم أن الجهات المختصة هي المسؤولة عن هذه الفوضى؟

إبراهيم نجم، مستشار مفتي الجمهورية في مصر، أجاب عن هذا التساؤل لـ”العرب” قائلا إن أحد الحلول المثالية للحد من فوضى الفتاوى، أن تلجأ الأسر والأفراد إلى المتخصصين في الفتوى، حتى لا تتفاوت الفتاوى ويصبح المجتمع في حيرة من أمره، ما قد يتسبب في عدم استقرار نفسي لدى هذه الأسر أو الأفراد.

واعتبرت سلوى الحناوي، أستاذ علم اجتماع الأسرة، أن من أخطر العوامل التي قد تدفع بالأسرة إلى الهاوية والسقوط إلى منحدر غامض، انتشار الفتاوى الشاذة التي تتعلق بالمرأة خاصة وأنماط حياة الأسرة عامة. وأشارت لـ”العرب”، أن المجتمعات العربية باتت تئن من وجود دعاة متشددين كانوا سببا رئيسيا في دمار العلاقات الأسرية وتفككها استنادا إلى رؤيتهم في ما يخص الحياة الاجتماعية للناس.

خالد الجندى: الطلاق الشفهي غير معترف به إسلاميا ولا بد أن يكون مكتوبا وموثقا

وأوضحت أن بعض الأسر أصبحت تعاقب وتمنع وتمنح بل وتعذّب أبناءها أحيانا، استنادا إلى فتاوى مضللة من بعض الأشخاص ما يبعث على الانقسام الشديد داخل هذه الأسر، وهناك أيضا أسر أخرى ترى أنه مع تضارب الفتاوى إلى هذا الحد، فإن لها الحق في أن تخرج من تحت عباءة كل هذه الفتاوى نحو اتباع أسلوب لحياتها بعيدا عن الدين والفتوى والمؤسسات الدينية.

كل ذلك، يضرب استقرار الأسر، بحسب سلوي الحناوي، ويمهد الطريق لإنشاء جيل متشدد، لأن أسرهم تعاملت معهم وفقا لفتاوى متشددة أحيانا وفتاوى بحسب معتقداتهم الخاصة في أحيان أخرى.

والأخطر أن هذا الجيل المتشدد سيتعامل مع أبنائه بنفس النهج الذي تربى هو عليه، ما ينذر بنشوء جيل كامل لا يعير للدين أو المجتمع أي اهتمام، يستخلص من الفتاوى ما يشاء ويخلق لنفسه فتاوى كيفما شاء، ويكون الترابط الأسري الحلقة الأضعف فيه.

وتحدثت نادية رزق، تعمل معلمة بالقاهرة، عن ذلك بقولها “في المسائل الخلافية، يكون رأي دار الإفتاء الأصح، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بمستقبل الأسرة”. نادية قالت لـ”العرب” إن الأزمة الحقيقية تكمن في الطبقات الفقيرة، التي تجهل طريقة التواصل مع دار الإفتاء، فهؤلاء أكثر ما يتأثرون بالفتاوى الفضائية من ذوي عدم الاختصاص، بل إنهم يأخذون آراء شيوخ بعينهم على أنها صادقة، ولا جدال فيها حتى لو كانت تتناقض مع رأي دار الإفتاء. وأكدت أن الإعلام أحد أسباب انتشار الفتاوى التي قد تضرب استقرار الأسرة باستضافته شخصيات تدعي أنها دينية وتثير الجدل، ويحاول أي برنامج تحقيق نسبة عالية من المشاهدة على حساب استقرار الأسرة، ما يتطلب تدخلا عاجلا بتقنين هذه الظاهرة الخطيرة.

وختمت نادية رزق بالقول، أعرف ربة منزل استمعت إلى فتوى من أحد الدعاة، تقول “إن الدين لم يجبر الزوجة على خدمة زوجها إذا لم ينفق عليها”، فامتنعت عن أداء واجبها من الأعمال المنزلية إيمانا منها بما جاء في نص هذه الفتوى وكاد زوجها أن ينفصل عنها بعد تكرر المشكلات بينهما، لولا تدخل أحد الشيوخ لإقناعها بطاعة زوجها في المنزل، وهذا مثال واحد من أمثلة عديدة أصبحت حديثة على المجتمعات، بسبب الفتاوى الهدامة للاستقرار الأسري.

21