فوضى الكاميرا الخفية وضجيج السيتكوم يحتلان الفضاء الجزائري

ضاع المشاهد الجزائري منذ مطلع شهر رمضان الحالي في أتون فوضى برامج الكاميرا الخفية وضجيج السيتكومات المعروضة على الفضائيات الحكومية والخاصة، في ظل غياب أعمال درامية راقية وبرامج فنية تلبي رغبات المشاهد، وطموحه للثبات على واحدة من المحطات المحلية المتنافسة على مداخيل الإعلان أكثر من خدمتها الإعلامية والفنية.
الخميس 2017/06/08

الجزائر – ما زال مسلسل “عاشور العاشر” في جزئه الثاني يستقطب الملايين من الجزائريين حول شاشة “الشروق” الخاصة، بفضل اللمسة الفنية التي تركها المخرج جعفر قاسم وتوفيق طاقم التمثيل في التماهي مع المملكة الأسطورية، التي توظف لإطلاق رسائل سياسية واجتماعية تؤرق المشاهد العربي في جمهورياته ومماليكه.

وظهر دور الرقيب جليا على مضمون المسلسل من خلال فرض سقف معين على الرسائل السياسية المرتبطة بأنظمة الحكم في العالم العربي، وفي الجزائر تحديدا، ومع ذلك تمكن الطاقم الفني والتقني من تمرير رسائله في قالب هزلي، يعكس أساليب إدارة الحكم في المملكة العاشورية وإسقاطها على راهن الشعوب والمجتمعات.

وكان المخرج جعفر قاسم قد ألمح في تصريحات سابقة إلى تسليط ورقة الرقيب على المنتج وعلى العمل الفني بصفة عامة، ما أوقعه أحيانا في فترات فراغ والانحياز إلى أفكار سطحية، الأمر الذي أعاق إنجاز مسلسل درامي بإمكانه فرض منافسة قوية على منتوجات عربية.

ويبقى الجزء الثاني من مسلسل “عاشور العاشر” الذي أنتجه تلفزيون “الشروق” الخاص وأخرجه جعفر قاسم وتم تصويره في تونس، بمثابة الشمعة التي تضيء الدراما الجزائرية في عتمة الشح والحصيلة الموسمية البيضاء في البلاد، بسبب لجوء التلفزيونات المحلية إلى سياسة ملء الفراغ وتسجيل الحضور في ذروة انطلاق الموسم الرمضاني. وعلى النقيض من “عاشور العاشر” فإن ذاكرة الجزائريين في قصبة العاصمة، تعيش حالة انهيار فني بعد الانهيار المادي الذي يهدد المعلم التاريخي والتراثي الذي يعود إلى سنوات الحكم العثماني، وذلك عبر المسخ الذي تتعرض له المدينة التاريخية، في مسلسل ” القصبة سيتي”.

جعفر قاسم: الرقيب على "عاشور العاشر" جعلنا أحيانا ننحاز إلى أفكار سطحية

ويتساءل مراقبون عن خلفية طريقة علاج المسلسل لواحد من الكنوز التاريخية في العاصمة الجزائر، واهتداء طاقم الإنتاج إلى انتهاج أسلوب التهكم والسخرية في عرض تاريخ القصبة على شاشة رمضان في فضائية “الجزائرية” الخاصة؟ وإذ وفق مسلسل “القصبة سيتي” في عرض طريقة تعامل الهيئات الرسمية والحكومية مع تلقين قيم التراث والتاريخ المحلي، وتضارب الرؤى في تقديم الرصيد للرأي العام الداخلي والخارجي، فإن الفشل كان ذريعا في تسويق ولو جزئي لصورة القصبة التاريخية وعرض عادات وتقاليد وحرف سكان المدينة، رغم أن الموضوع طرح لأول مرة عن طريق الصورة الفنية.

وخيمت أجواء التقشف على الإنتاج الثقافي والفني خلال هذا الموسم في البلاد، بسبب تقلص مداخيل هيئات الإنتاج والتمويل وتراجع القطاع الخاص عن دعم الإنتاجات الفنية والدرامية، ما أدى إلى موسم أبيض وشحيح، إلا من بعض الأعمال الهزيلة.

وعبر الفنان المتمرد بعزيز عن تذمره مما أسماه بـ”انحدار المستوى الفني والدرامي إلى هذا النحو، بسبب هيمنة رداءة وضجيج الكاميرا الخفية التي أصبحت مصدر قلق وإزعاج حقيقي للذوق العام، بسبب افتقادها للمسة الفنية والأفكار البسيطة وسقوطها في ممارسات الضجيج والعنف”.

وكانت سلطة ضبط القطاع السمعي والبصري في الجزائر عشية دخول شهر رمضان قد وجّهت تنبيهات إلى إدارات التلفزيونات المحلية، محذّرة إياها من مغبة الإفراط في توظيف برامج الكاميرا الخفية، ومن الاستعمال المبالغ فيه لأساليب العنف والاستفزاز المقرف.

وحسب إحصائيات قدمتها إدارة فضائية “الشروق” حول نسب المشاهدة في الأيام الأولى من شهر رمضان، فإن مسلسل “عاشور العاشر” يبقى في طليعة الإنتاجات الدرامية المحلية المستقطبة للمتابعة الواسعة من قبل الجزائريين.

ويراهن القائمون على نجاح المسلسل من أجل المرور إلى أجزاء جديدة في المستقبل، والتحضير لإنجاز مسلسل درامي في الموسم القادم حول القصة العاطفية الأسطورية “حيزية” التي جرت أطوارها منذ قرون في عمق الصحراء الجزائرية.

وتواصل المملكة العاشورية التي يديرها الملك عاشور (الممثل صالح أوقروت) توجيه رسائلها السياسية والاجتماعية في قالب كوميدي، للكشف عن أسرار إدارة الحكم في القصور الملكية والرئاسية وتعاطي البطانة مع اهتمامات شعوبها.

وبعد نشوب حروب مستنزفة لجيش المملكة، ليس لصراع إستراتيجي، وإنما لقصص غرامية بين أبناء الملوك والأمراء، طرح المسلسل عبث دوائر الحكم بالاستحقاقات المحلية، بسبب تعلق الأمر بمصلحة أبناء الحكام والمسؤولين، حيث استنفر قصر المملكة العاشورية بسبب اجتياز الأمير لامتحان شهادة الباكالوريا، إذ دخل الخدم والحشم في عملية ترتيب الاستحقاق من أجل ضمان نجاح الأمير والحصول على تقدير ممتاز، ما يعكس العبث الذي تعرفه بعض الاستحقاقات الشعبية، لمّا يتعلق الأمر بمصلحة أبناء القصور.

"عاشور العاشر" يعالج الربيع العربي رغم الرقيب المسلط

ويعكس هذا الطرح فضيحة الغش في الامتحان والتسريب الواسع للامتحانات في الجزائر خلال الموسم الدراسي الماضي، وتضارب التحقيقات والمعلومات حول ظروف وملابسات الفضيحة، ما يؤكد ضلوع أياد نافذة في خدمة أغراض قد تكون على صلة بمصلحة أبنائها.

وانتقد المسلسل طريقة إدارة مسؤولي المملكة لاستحقاق الباكالوريا، بداية من التخبط في التعامل مع شبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، واستسلام السلطة لضغط الشارع بمنح الشهادة للذين اجتهدوا وللذين لم يجتهدوا في مسارهم الدراسي، خاصة وأن التجربة الجدية أثبتت أن لا أحد من طلبة المملكة العاشورية تحصل على الشهادة في الامتحان الخاص بها.

وقدم المسلسل نظرية المؤامرة والأيادي الخارجية التي تروج لها الأنظمة السياسية كلما تعلق الأمر بتململ شعبي داخلي للاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في قالب ثورة نسوية في المملكة بدأت بتحرش شاب بفتاة في السوق، وانتهت بعصيان مدني وجد الحماية والدعم من جهات توظف حقوق الإنسان والديمقراطية لخدمة أغراضها السياسية والإستراتيجية.

وفي هذه الأثناء كان الملك عاشور العاشر وعائلته الحاكمة في زيارة علاج وتجميل وتسوق في دولة صديقة، وهو السلوك السياسي الذي يمكن إسقاطه على الوضع السياسي في البلاد، حيث يرتبط هرم السلطة بجهات خارجية لخدمة مصالحه وأغراضه الشخصية، بينما تكال تهم المؤامرة والأيادي الخارجية للشارع كلما عبر عن رفضه للسياسات المفروضة عليه.

وبهذه الرؤية يعالج المسلسل أيضا حالة ثورات الربيع العربي منذ عام 2011، والالتباس الحاصل بين المطالب المشروعة للشعوب العربية في الحقوق والديمقراطية والحريات، وبين الأجندات الدولية والإقليمية المترصدة للحراك من أجل تنفيذ أغراضها غير المعلنة.

16