فوضى الكتابة تتسبب في نجاح مسلسل "بيت السلايف" جماهيريا

عمل مصري يحقق نسب مشاهدة عالية رغم هناته، وتركيبات مطاطية البناء بداخلها كل شيء ونقيضه.
الخميس 2019/01/03
الحرام مصيره التدمير

مثّل مسلسل “بيت السلايف” المصري حالة فريدة من التناقض، فرغم المستوى الهزيل للإخراج والتمثيل وضعف التركيبات الدرامية للعمل، لكن المسلسل عرف نسب مشاهدة عالية، بعد أن وجد الكثير من المشاهدين في تخبط الشخصيات وتشويهات التراكيب الفنية أحداثا غير متوقعة خلقت شغفا وتنوعا مميزين، منحا المسلسل جاذبية غير منتظرة.

القاهرة - يضفي التناقض الدرامي قوة عند وجوده بطريقة صحيحة ومقبولة، وإن قام أبطال العمل بتصرفات عكس أفكارهم المعلنة، وطرحوا المزيد من الشغف لدى الجمهور، وهو ما مثّل سر نجاح المسلسل المصري “بيت السلايف” الذي عرض أخيرا على فضائية “النهار”، وحقق نسب مشاهدة عالية.

ورغم المغالاة في التناول والأخطاء الدرامية التي يعج بها، إلاّ أن فكرة عدم توقع الجمهور لما هو قادم في كل مشهد خلقت حالة من الولاء لمتابعته، بعد أن منح صناع العمل المتفرجين اليد العليا في رسم صور الشخصيات وتبرير التصرفات، حيث قدموا تركيبات مطاطية البناء بداخلها كل شيء ونقيضه.

تدور المشاهد في “بيت السلايف” في فلك شطط درامي لا ينتهي، فمنذ بداية الحلقات يصبح المتابعون أمام شخصيات غير متزنة أو سوية، إلاّ في استثناءات قليلة، فالبطلة فريدة هانم أو (الفنانة بوسي) تلعب بالجميع مثل العرائس المتحركة بلا قلب أو ضمير باعتبارها مالكة الثروة والنفوذ حتى دفعت بأسرتها إلى الهاوية.

وتميل الأم إلى الابن الأكبر طبيب الأسنان خالد (الفنان حازم سمير) حتى أنها تكتب له الثروة بالكامل دون مبرر منطقي، إلاّ حبها له وطاعته لها ثم يختفي فجأة في ظروف غامضة، وتصر على إجبار شقيقه حازم (الفنان أحمد صلاح حسني) على الزواج من زوجة أخيه ملك (الفنانة منة فضالي) قبل أن تكتشف بعد سنوات طويلة أن خالد ما زال على قيد الحياة، لكنه فقد الذاكرة، وتصر بلا رحمة على خلق عالم مليء بالأكاذيب عن ماضيه كي لا يعود لزوجته ولا يتعرف على ابنه.

رغم شيوع الفوضى الدرامية في مسلسل "بيت السلايف"، إلاّ أن العمل نجح في استقطاب قطاع واسع من الجمهور

تكشف تلك الأحداث السريعة التخبط وعدم التشابك الدرامي، فانقلاب الأم على ابنها الأكبر أمر يجافي المنطق لأنه ظل طوال الحلقات، الأقرب والمفضل لديها، وكل ما تقوم به الأم لن يحول دون كونه صاحب الثروة بعد وفاتها، فلماذا أرادت العبث بذاكرته؟ ولماذا قبل خالد الطبيب المحب لأشقائه أن تكتب له والدته ثروة العائلة ليسطو على حق إخوته؟

هذا الحق الذي لم يكن الوحيد الذي سلبه منه خالد، إذ سطا كذلك على حب والدته التي لم يكن حازم يكن لها إلاّ مشاعر الكراهية، بعد أن شاهدها تقتل عمه بالسّم لتستولي على ثروة العائلة بالكامل. المثير أن حازم تحول بكامل إرادته لصورة مصغرة منها كطاغية لا يعنيه شيء إلاّ المال الذي قتل وأهدر أرواح الكثيرين من أجله.

وتظهر في العمل حالة أخرى من الشر الدرامي المطلق وغير المبرر من جانب السيدة سهيلة (الفنانة عبير منير)، زوجة العم المقتول، وترى أن فريدة الأم سرقت حقها في الميراث هي وابنتها فاطيما (الفنانة عبير صبري)، فحاولت أن تقرّب ابنتها من حازم الذي تزوجها، ولم تكتف بذلك فتنضم إلى عصابة تحميها وتحركها لمحاربة فريدة دون حجة درامية مقنعة ثم تنقلب العصابة على سهيلة وتقتلها، مقابل المال التي حصلت عليه من فريدة.

تظل هناك رؤى أخرى أكثر اتزانا عبر شخصيات الابن الأصغر للعائلة مهندس الديكور يوسف (الفنان أحمد عصام) الذي ينشغل طوعا عن صراعات العائلة بعمله وعلاقاته النسائية المتشعبة، وهو يملك قلبا طيبا يرفض به جميع السلوكيات الشريرة.

بوسي بدت منهكة، وشكلها الوديع لم يكن مناسبا لتقمص شخصية السيدة الظالمة
بوسي بدت منهكة، وشكلها الوديع لم يكن مناسبا لتقمص شخصية السيدة الظالمة

تستحوذ القصة على الانتباه بشكل عام، وتبدو حالة عدم التناسق بين مجريات الأحداث داخل البناء الدرامي المرتبك لافتة للنظر وقادرة على الإغراء بالمتابعة، وقد صاغها المؤلف عادل توفيق الذي سبق له المشاركة في ورشة عمل مسلسل “كابتن أنوش” ومسلسل “الكيف”.

أما السيناريو والحوار فكانا للمؤلف حسين مصطفى محرم الذي بدأ نشاطه مع الشعر الغنائي ثم دخل عالم الدراما عبر مسلسل “كيد النسا” وحقق نجاحا كبيرا.

ربما تسبب ضعف خبرة الكاتبين في خروج المسلسل غير متماسك البناء، رغم تعدد الشخصيات التي خلقت عوالم كثيرة ومتشابكة، تخطف اهتمام المشاهدين بمشاكلها المثيرة، وصاحب ذلك بالطبع قدر كبير من التوفيق والحظ وراء نجاح ورواج العمل الذي لم يكن نصه فقط خارج نطاق المقبول في معظمه، بل كذلك الرؤية الإخراجية بدت ساذجة في الكثير من المشاهد.

من الصعوبة التغاضي عن الأخطاء الجسيمة التي سقط فيها المخرج محمد عبدالخالق لمجرد كون المسلسل يمثل عمله الأول، وأبسطها تحويل تتر المسلسل بلا مبرر لأغنية فيديو كليب مصورة ثم جاء استخدامه لأدواته داخل العمل محاطة بالكثير من علامات الاستفهام، لا سيما في اختيار بطلة العمل بوسي التي بدت منهكة في مشاهد متعددة، وشكلها الوديع لم يكن مناسبا لتقمص شخصية السيدة الظالمة.

وظهر المخرج مصرا في كل حلقة على المط والتطويل عن طريق القطع بين المشاهد بصور ساكنة لمناظر خارجية منفصلة عن مجريات الأحداث، وتكرار اللقطات لواجهة الفيلا التي تعيش فيها أسرة فريدة، وواجهة الشركة وباب الخروج من الفيلا، وهناك كادرات كاملة للأبواب والنوافذ بلا هدف درامي، وجاءت الديكورات والإكسسوارات والإضاءة عادية.

ويحسب للمخرج في اختياراته رهانه الرابح على الفنان أحمد صلاح حسني (حازم) كفتى أول جديد للشاشة الدرامية في مصر، أو كأنه “غول تمثيل قادم”، وقدم واحدا من أقوى أدواره بكل ما حمله من قسوة نفسية، وتنقل بسلاسة شديدة في مشاعره، ما يؤكد امتلاكه الحيوية اللازمة.

أما الفنانة عبير منير التي قامت بدور العدو اللدود للبطلة الأم، فقد قدمت الشر بطريقة تقليدية رتيبة بلا حيوية أو تميز في الأداء، ومثّلت الفنانات: منة فضالي وعبير صبري وجيهان خليل وحنان شوقي، بصورة تفتقد للتلقائية والبساطة، بينما اتسم أداء الفنان طارق صبري بالقوة.

خروج المسلسل غير متماسك البناء رغم تعدد الشخصيات
خروج المسلسل غير متماسك البناء رغم تعدد الشخصيات

وبدت آثار عمليات التجميل جلية على عدد من المشاركات في العمل، ما أفقدهن القدرة على التعبير في الكثير من المشاهد، وأدت إلى تشابه كبير بين ملامحهن إلى جانب طريقة تصفيف الشعر المعتمدة على الشعر المستعار. وبرزت نقطة ضعف خاصة في أداء عبير صبري، من حيث البون العمري الشاسع بينها وبين الفنان أحمد صلاح حسني، وهو ما جعل زواجهما في المسلسل مسألة غير مستساغة على الشاشة.

ويعد الفنان حازم سمير امتدادا لمدرسة يحيى الفخراني وممدوح عبدالعليم التي تتسم بالعفوية، وتصل أحيانا إلى درجة الذوبان التام في الشخصية التي يقدمونها بهدوء ملحوظ.

ورغم شيوع الفوضى الدرامية في المسلسل، إلاّ أن العمل نجح في استقطاب قطاع واسع من الجمهور الباحث عن التنويع في شكل الدراما المقدمة مهما كانت مباشرة وواضحة المغزى في الطرح.

ويشبه “بيت السلايف” القصص التي كانت تقدم على آلة الربابة الموسيقية بكل بساطتها ومباشرتها وعدم تناسق أحداثها، لكنها حملت قيما ترضي المشاهدين، وأهمها أن الحرام وميراث الدم مصيرهما التدمير.

16