فوضى المشاركة السياسية في البرامج الحوارية التونسية تحتاج إلى تنظيم عاجل

القول الإعلامي معادلة صعبة المنال، غير أنه أمر لا مفر منه، يقوم على ثنائية مقتضيات حرية الرأي والتعبير من ناحية ومقتضيات التمثيلية الديمقراطية من ناحية أخرى.
الثلاثاء 2019/07/16
الأستوديوهات التلفزيونية تعكس المشهد السياسي التونسي

دعوة المشاركين إلى البرامج الحوارية في التلفزيونات تحتاج إلى تنظيم يعطي الكلمة للضيوف حسب معايير تستجيب لمقتضيات التعددية والتمثيلية الانتخابية.

كان يضرب كفا بكف دون توقف مرددا في ما يشبه الإنشاد بصوته المرتعش “هذان يريدان إلجامي، هذان يريدان قتلي” حتى غادر الأستوديو. كان المفكر محمد الطالبي، قبل سنتين من وفاته، ضيف برنامج توك شو للحديث عن تحليل الخمر وتحريمها. لما استقبل صاحب البرنامج الضيف الثاني، شاكر الشرفي أستاذ تعليم ثانوي، تفحص الطالبي وجهه قائلا “أأنت ستحاورني؟” كان واضحا أن الأمور ستسوء لكن ليس إلى درجة ينتقل فيها الجمهور في الأستوديو من الضحك إلى الوجوم الحزين.

ذلك المشهد السريالي، الذي بثه تلفزيون الحوار التونسي في 7 مارس 2015، لخصه المفكر الفرنسي بيار بورديو قبل نحو أربعة عقود بجملة معناها ألاّ جدوى من “قول إعلامي” لا يقر سامعُه بصفةٍ لقائله. وبصرف النظر عما إذا كان محمد الطالبي مخطئا أو مصيبا في ما فعله يومئذ فإنه كان مقتنعا بألاّ صفة تؤهل الحاضريْن في الأستوديو لمحاورته. لقد ردد بوضوح “أنا أتكلم وأنتما تنصتان”.

ويثير ذلك مشكلة جوهرية في الإعلام السمعي البصري التونسي متصلة بالمتحدثين الذين يستضيفهم الصحافيون للمشاركة في البرامج الحوارية السياسية. فكلام بورديو لا يعني بالسامعين الضيوفَ الحاضرين في الأستوديو فقط بل كذلك المشاهدين والمستمعين الذين لا يعترف بعضهم أحيانا لبعض المتحدثين بصفة تتيح لهم “القول الإعلامي” أي الحديث في الحياة السياسية في الفضاء العام.

فمن يحق له التكلم إذن في شؤون المجموعة في الإذاعة والتلفزيون؟ انطلاقا من مقتضيات الديمقراطية القائمة على حرية الرأي والتعبير يكون الجواب أنه يحق للجميع دون استثناء أن يفعل. فهل يمكن أن نعطي الكلمة لأكثر من أحد عشر مليون تونسي؟ الجواب قطعا لا. ومن هنا ندرك أن القول الإعلامي هو قول تمثيلي بالضرورة تماما كالحكم في الديمقراطية. ويعني هذا أن القول الإعلامي معادلة صعبة المنال، غير أنه أمر لا مفر منه، يقوم على ثنائية مقتضيات حرية الرأي والتعبير من ناحية ومقتضيات التمثيلية الديمقراطية من ناحية أخرى. وتقتضي تلك المعادلة أن يُتاح الكلام للجميع بشرط أن تكون للمتكلم صفة تؤهله لذلك كأن يتحدث باسم حزب أو نقابة أو منظمة أو جمعية أو أي هيكل مؤسسي آخر.

غير أن ذلك لم يراعَ دائما في البرامج الحوارية الإذاعية والتلفزيونية التي دُعي إلى بعضها أناس لا صفة مؤسسية لهم للحديث في المسائل السياسية الوطنية. ولا نقصد بذلك الأشخاص الذين يُدْعون عرضا بلا صفة للمشاركة في برامج حوارية للإدلاء بشهادات عن أوضاع عاشوها فذلك أمر مطلوب تماما مثل مشاركتهم في الريبورتاجات الإخبارية التي لا تكون إلاّ بهم.

هل يمكن أن نعطي الكلمة لأكثر من أحد عشر مليون تونسي
هل يمكن أن نعطي الكلمة لأكثر من أحد عشر مليون تونسي

في فبراير 2011، بعد نحو شهر من انهيار النظام السابق، فُتح أستوديو التلفزيون التونسي لبعض المعتصمين أمام مقره فنادى أحدهم بإعدام محمد الغنوشي، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، بدل تعيينه على رأس الحكومة. وإن مرّ ذلك وكأن شيئا لم يكن بالنظر إلى الوضع غير المستقر آنذاك، فإنه لا أحد يتصور أن يحدث مثل ذلك اليوم بسبب ما استبطنه الصحافيون من ممارسات تنظم الكلام العام وهي ممارسات ينبغي أن تصبح خاضعة لآليات في سياق التنظيم والتنظيم الذاتي.

فلماذا إذن دُعي لاحقا، حتى اليوم بعد أن استقرت الأمور نسبيا، أناس إلى الأستوديوهات لا صفة مؤسسية لهم يعرفهم بها التونسيون، منهم محام محسوب على الإسلام السياسي، شتم قاضيا مؤخرا على فيسبوك، وحضر العشرات من اللقاءات التلفزيونية، ومنهم شخصان كانا نكرة من روابط حماية الثورة ومنهم آخرون يحضرون بصفتهم “شيوخ دين” وآخر كلف نفسه ملاحقة الناس في رمضان ليعاين صيامهم فأصبح من نجوم الأستوديوهات، وقبلها ملتح رفع كفنه على المباشر معبرا عن استعداده للموت، والأمثلة كثيرة على مثل هؤلاء؟

ما يجمع هؤلاء جميعا أنهم ظهروا أولا على فيسبوك فأثاروا فضول الناس أو إعجابهم أو نقمتهم فوجدت فيهم قنوات تلفزيونية وإذاعية مادة للإثارة والفرجة فدعتهم، ومعهم في الأستوديو معلقون ثابتون يبدع بعضهم في الجدل، فيحتد القول فتحصل الفرجة. وتكتمل بذلك مقومات القول الإعلامي الثلاثة، الذي لا مصلحة للمجتمع فيه، وهي متحدثون لا مشروعية لهم ووسائل إعلام لا هم لها إلا الربح وسياق كامل يضم المتحدثين والقنوات الإعلامية ومستمعين ومشاهدين منهم ناقم ومنتشٍ.

صحيح أن عددا من هؤلاء الضيوف، الذين جاءوا بمشروعية “فيسبوكية”، أصبحوا ينتمون لاحقا إلى أحزاب أو حركات سياسية مثل ائتلاف الكرامة أو حزب تونس الزيتونة أو حزب الانفتاح والوفاء وهو أمر يعطيهم دون شك الحق في الظهور الإعلامي، باكتسابهم صفة القول مثل غيرهم ممن يشاركون في الأستوديوهات بتمثيلهم هياكل شرّعها القانون، غير أن هناك سؤالا ملحا يقتضي جوابا عاجلا: كيف تُعطى الكلمة لهؤلاء للخوض في شؤون البلاد السياسية؟

لقد أدرك المشرع ذلك وتحدث عنه في المرسوم 116 لعام 2011 حين ضمنه أنّ الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري “تسهر على إرساء مشهد إعلامي سمعي وبصري تعددي ومتنوع ومتوازن يكرس قيم الحرية والعدالة”، غير أنه لم يضع الآليات الكفيلة بتحقيق ذلك. وتبذل الهيئة جهدا محمودا برصد دوري للبرامج الحوارية لاحتساب الوقت الممنوح للفاعلين السياسيين غير أن الرصد وحده يمكّن من العدّ ولا يتعداه إلى إحداث التوازن بين المتحدثين.

المشكلة أن مثل التجربة الفرنسية، أو غيرها لضمان التمثيلية الإعلامية، لن يحدث في تونس بسبب سوق السياحة الحزبية والسياحة البرلمانية التي تبعث على ضحك كالبكاء

فقد أظهر تقرير نشرته الهيئة “لرصد التعددية السياسية في القنوات التلفزيونية والإذاعية”، يخص الفترة من 20 إلى 29 مارس 2019، أن القناة الأولى للتلفزيون التونسي الرسمي خصصت 54 بالمئة من الوقت للحكومة و32 بالمئة لرئاسة الجمهورية و13 بالمئة فقط للأحزاب وواحدا لمن سماهم التقرير “رئيس مجلس النواب ومساعديْه”. فأين التعددية والتوازن عندما يعطي تلفزيون المرفق العام 86 بالمئة من وقته السياسي للسلطة التنفيذية؟

لقائل أن يقول إن ضعف مشاركة الأحزاب ظاهري لأن عددا ممن تضمهم النسبة المخصصة للحكومة والرئاسة هم في الواقع من المنتمين إلى الأحزاب غير أن ذلك يعمق المشكلة إذْ تصبح قيمة الأحزاب ووزنها من قيمة المشاركة في الحكومة والرئاسة (86 بالمئة) وهو إقرار بإهمال الأحزاب التي لا تشارك في الحكم، وهو أمر يهمش المعارضة على اختلاف أحجامها وأوزانها.

لقد طورت فرنسا مثلا، التي نأخذ عنها الرديء أحيانا، آلية جديدة اعتمدها المجلس الأعلى للسمعي البصري، منذ يناير 2018، في توزيع الكلمة بين الفاعلين السياسيين تتمثل في إعطاء السلطة التنفيذية ثلث الوقت في القنوات الإذاعية والتلفزيونية والثلثين للمعارضة بأطيافها جميعا فتخصص تلك القنوات قسرا في الساعة 20 دقيقة للحاكم و40 للمعارضة. ويمكن الاستلهام من تلك التجربة أو من غيرها حتى لا تكون الأمور تقديرية متروكة لحسن الظن وقد تكون لسوئه.

ولا يكون التوزيع داخل المعارضة آليا بالتساوي بل معدلا بناء على أربعة متغيرات هي نتائج الانتخابات وعدد النواب وتوزيعهم على مختلف المجالس النيابية وحجم الكتل البرلمانية ونتائج استطلاعات الرأي مما يعني أن المقاييس التي يضبطها مجلس الاتصال السمعي البصري تتغير حسب المواعيد الانتخابية وحسب التغيرات المهمة التي تظهرها نتائج الاستطلاعات وتلك هي التمثيلية الديمقراطية في القول الإعلامي.

إن اعتماد مثل تلك الطريقة كفيل بوضع حد لظهور أشخاص لا مقاعد نيابية لهم، لا في البرلمان ولا في المجالس الأخرى مثل البلديات، ولا تظهر أحزابهم في استطلاعات الرأي أكثر من أشخاص آخرين يتقدمون عليهم في الاستطلاعات. ولا يعني ذلك إقصاء من لا مقاعد لهم ولا مكان في الاستطلاعات فللصحافيين الحديث عنهم في النشرات الإخبارية، المختلفة هدفا عن البرامج الحوارية، بتحكيم أخلاقات المهنة.

المشكلة أن مثل التجربة الفرنسية، أو غيرها لضمان التمثيلية الإعلامية، لن يحدث في تونس بسبب سوق السياحة الحزبية والسياحة البرلمانية التي تبعث على ضحك كالبكاء وبسبب فوضى استطلاعات الرأي.

18