فوضى النقد الأدبي

الجمعة 2013/11/15

يصعب تحديد أسباب عدم انتماء النقد الأدبيّ إلى علوم اللغة عند العرب القدامى، وما نستطيع الجزم به في هذا الشأن، على حدّ ما يرى الراحل طه أحمد إبراهيم، هو أن العرب لم يفرّقوا بين فنّ النقد الأدبي وعلم البيان بشكل واضح على غرار تفريقهم بين الصرف والاشتقاق رغم ما بينهما من اتصال.

وهو أمر جعل ثقافتنا الأدبية لا تتوفّر على نظريّة نقدية واضحة المعالم عدا ما نلفي فيها من مباحث موجَزة وسريعة لم تتجاوز المفردة والصورة والمعنى المستقلّ على غرار اجتهادات الجاحظ وقدامة بن جعفر وابن رشيق والآمدي والجرجاني وأخرين.

ويبدو أن النقد الأدبي العربي، على كثرة النقاد الذين يمارسونه، لم يتزحزح عن حاله الأولى التي ذكرنا، بل إن النظر في مدوّنته الحديثة يوقفنا على كونه لم يعد يكتفي بتعيير النصوص وفق معايير الجمال الأدبية، وإنما مال فيه أصحابه إلى جهة النقد "التعليمي"، مفترضين أنهم وحدهم مَن يتوفّرون على معارف "أكاديمية" للتواصل مع تلك النصوص، وأن وظيفتهم تكمن في تحشيد نظريات القراءة الغربية وفرضها فرضا على المقروء، بل وفي ليِّ عنقه بما يتّفق ومقولات تلك النظريات التي نزعم أنها لا تبوح لهم بجلّ أسرارها الفنية.

وإذ يفعلون ذلك، ويتقصّدون الدفاع عنه كثيرا،لا يتنبّهون إلى ضرورة التعامل مع مجلوبات النقد الغربي ضمن إطار الوعي بخلفياتها الحضارية واستثمارها ضمن حدود التفاعل مع كلّ فكر علميّ جديد، ولا يخطر ببال أغلبهم أنّ تلك النظريات المستجلبة لها روح ثقافية تختلف عن روح ثقافة نصوصنا، ولها هُويّة تاريخية هي من هُويّة المبدع العربي ومخياله التاريخيّ هُوية غازية لا تعرف سوى فرض أحكامها بغثها وسمينها.

وعلى هذا، يتبدّى المشهد النقديّ الأدبيّ العربيّ في أزمة حبلى بتأزّمات كثيرة، حيث استغلقت ألفاظ النقّاد واستغربت دلالات كتاباتهم حتى باتت النصوص الإبداعية فيها أرضًا للتجريب واللعب على ذقون معانيها.

وهو أمر أدّى إلى عزلة هؤلاء النقاد وكساد سلعتهم القرائيّة، وخلَق توتّرا في علاقتهم مع المبدعين الذين اندفع كثير منهم إلى التشفّي من غلوّ كتابات هؤلاء النقاد بمنافستهم لهم في حلبتهم النقدية، عبر ممارسة نقدٍ "تجميلي" ويوميّ لنصوص زملائهم يلبّي أفق انتظارات المنقود بضربٍ من الكلام المجّاني الذي يتمّ فيه إلباسُ باطل النص أثوابَ الحقّ في أغلب الأحوال.

ولعلّ أبرز مظهر لهذا النقد هو ما نلفيه في الصفحات الثقافية للجرائد ومواقع النت من كلام تمجيديّ لا تَخفَى فيه حقيقةُ أن صاحبه لم يقرأ النصَّ المنقود، بل، وربّما لم يلمسه في كتابه لمسًا. ومتى ما صحّ توصيفنا لحال النقد العربي الراهن، جاز لنا القول إنّ تعثّر حركة الإبداع في ساحتنا الثقافية، وضآلة مستوى نتاجها الكتابيّ، وعكوف النقد فيها على مقرّراته النظرية المستوردة أو دخوله في سوق المضاربة بالمعاني دونما تنبّهٌ منه إلى ضرورة مراعاة ثقافة النص العربي مراعاة النقد الغربي لثقافة نصوصه، كلها أمور تكشف عن غياب مشروع للنقد العربي كانت ملامحه قد ظهرت مع بدايات القرن الثامن الميلادي ولكنّه توقّف عند عصر الانحطاط، ليخلفه مشروع آخر يكرّس الخرافات ويميل إلى الحشو وينبذ المعرفة.

ولنا في هذا الشأن أن نسأل: كيف لكاتب لا يمتلك ناصية لغته أن يُنشئ نقدا لنصوص أدبية تنهض على عماد تلك اللغة؟ ثم هل يتأتّى لناقد لم يقرأ نصيبا من مدوّنتيْ الشعر والرواية أن يميّز بين النصوص ويتنبّه فيها لشعرياتها؟
14