فوضى تحريرية تبدل هوية الفضائيات المصرية مع تغير مالكيها

حالة من الفوضى وغياب السياسة التحريرية الواضحة رافقت حركة التنقلات الواسعة في ملكية القنوات الفضائية المصرية في الأشهر الأخيرة، بسبب تبدل إدارة القنوات ليكون العاملون الضحية الأبرز.
الخميس 2018/05/10
وجوه إعلامية تتبدل مع تغير الإدارات

القاهرة - انعكست التغييرات المتتالية في ملكية عدد من الفضائيات المصرية على المحتوى الإعلامي والخطط التحريرية، وأحدثت حالة من الارتباك والفوضى، بسبب استبعاد رؤساء تحرير برامج ومسؤولي تخطيط، مع انطلاق برامج عملوا عليها لمدة شهور عدة.

ولم تقتصر حركة التنقلات على مجلس الإدارة، بل شملت الإعلاميين أيضا فقد غاب بعضهم، وعاد آخرون بدعم من إدارات جديدة، فضلاً عن إيقاف برامج بعد أن تم الاتفاق عليها، قبل خروجها إلى النور. الأمر الذي أثار تساؤلات حول ماهية الأطر القانونية التي تسير عليها سوق الفضائيات الخاصة، والجهات المسؤولة عن تنظيمها.

وشهد الإعلام المصري الخاص خلال الأشهر الماضية تغييرا في خارطة ملكية عدد من الفضائيات التي تتمتع بنسب مشاهدة مرتفعة، وعلى رأسها شبكة قنوات “أون”، إذ استحوذت شركة “ايغل كابيتال” على أسهم شركة “إعلام المصريين”، التي كانت تمتلكها. وانتقلت ملكية قناة “الحياة” من رجل الأعمال السيد البدوي إلى شركة “تواصل”، التابعة لشركة الخدمات الأمنية “فالكون”.

كذلك فإن الاندماج الذي لجأت إليه قناتا “سي.بي.سي” و”النهار” لتعويض خسائرهما لم يستمر أكثر من عام وقرر الطرفان فك الارتباط بينهما، وعادت كل قناة إلى ملكيتها القديمة.

وانعكس تأثير تغيير الملكية بدرجات متفاوتة على كل قناة، ورغم أن الشركة الجديدة المالكة لقنوات “أون” قررت تعيين أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري الأسبق رئيسا لمجلس إدارة الشركة، إلا أنه قرر الاستقالة بعد أقل من شهرين من توليه مهام منصبه.

ولجأت الإدارة الجديدة في القناة الإخبارية “أون لايف”، إلى تغيير الرئيس مرتين خلال مدة لا تزيد عن الشهرين، وإلغاء منصب مدير البرامج الذي شغله مصطفى شحاتة، مدير قطاع الأخبار بالتلفزيون المصري، لمدة أسبوعين فقط. وتمت الإطاحة برئيس قناة “أون إي” مصطفى السقا، وخلفه الإعلامي عمرو رزق، قبل أن تتم الإطاحة به، ثم نُصِب خالد مرسي رئيسا للشبكة بقناتيها.

المجلس الأعلى للإعلام لم يقم بدوره في مراقبة شفافية التمويل والتعرف على الملكية،  ما ساهم في ضبابية المشهد

وأثرت تلك التغييرات على خارطة البرامج المعروضة على كل من القناتين، وتوقف برنامج الإعلامية لبنى عسل بعد أيام قليلة من انطلاقته، وغاب الإعلامي عمرو خفاجي عن الشاشة لخلافات حول ميزانية البرنامج، الأمر ذاته تكرر مع الإعلامية شافكي المنيري.

وكان لاستحواذ شركة “تواصل” على فضائية “الحياة”، مطلع العام الجاري، النصيب الأكبر من التغييرات، إذ قررت الإدارة الجديدة الاستعانة بالإعلامية هالة سرحان لرئاسة القناة، قبل أن تتقدم باستقالتها بعد شهر واحد من توليها وبررت ذلك بكثرة التدخلات في عملها.

وقبل أيام أعلنت إدارة القناة، تعيين ياسر سليم رئيسا لمجلس إدارة قنوات “الحياة” و”العاصمة” التي ضمتها إلى ملكيتها، وقررت الإطاحة بالإعلامي وليد حسني الذي تولى منصبه كرئيس لقناة “العاصمة” لمدة خمسة أشهر، قبل أن تعدل أخيرا من قرارها بتعيين عمرو الليثي رئيسا لقنوات “الحياة” وتوليه منصب الإشراف على قناة “العاصمة”، مع استمرار سليم في منصبه، ما أحدث حالة من الارتباك داخل القناتين.

الإعلامية هالة سرحان تتقدم باستقالتها لكثرة التدخلات في عملها
الإعلامية هالة سرحان تتقدم باستقالتها من "الحياة" لكثرة التدخلات في عملها

ويربط خبراء بين الفوضى التي تعاني منها القنوات والغموض الذي يحيط بصناعة الإعلام ككل في مصر، من حيث الملكية والجهات المتحكمة في السوق، بعد تدخلات العديد من الجهات الأمنية والسيادية للسيطرة على الإعلام الخاص.

ويقول محمد شومان عميد كلية الإعلام بالجامعة البريطانية في القاهرة، هناك جملة من الظواهر التي صاحبت تغيير الملكية والإدارات التحريرية داخل القنوات الفضائية، أولها أن هذه التغييرات لم ترتبط بالسياسيات التحريرية أو المضامين التي تسير عليها تلك القنوات، واستمر الوضع كما كان في السابق من دون أن يكون هناك تطوير ملحوظ بشكل يمكن معه جذب جمهور جديد إليها.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن الظاهرة الثانية ترتبط بعدم قيام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بأدواره التي نصت عليها قوانين تأسيسه وعلى رأسها مراقبة التمويل وشفافيته والتعرف على الملكية والإعلان عنها، وهو أمر ساهم في ضبابية المشهد الحالي.

ويرى متابعون أن صعوبة الموقف الحالي ترتبط بانتقال ملكية الفضائيات الخاصة الكبرى من رجال الأعمال إلى جهات سيادية في الدولة، الأمر الذي يجعل التحرك نحو ضبط الملكية والإعلان عن مصدرها أكثر صعوبة من ذي قبل.

وأوضح شومان، أن تسارع التغييرات في الملكية والهيكلة الإدارية لا يجعلها تحقق المردود الاقتصادي أو السياسي المرجو منها، وتعكس غياب رؤية الحكومة المصرية بشأن أهداف الإعلام بشكل عام في الحياة السياسية والمجتمعية، وهو يعد أحد الأمراض الخطيرة التي تعصف بنسب المشاهدة وتهدد بقاءها.

وكشفت مصادر إعلامية لـ”العرب”، أن التغييرات الإدارية التي شهدتها الفضائيات المصرية لم تكن على مستويات رأس الهرم الإداري داخلها، إنما امتدت لتشمل الكوادر الصغيرة، وأن سوق الإعلام الخاص شهد خروج الكثير من العاملين فيه خلال الأشهر الماضية، بفعل الاستغناء عنهم أو خفض رواتبهم، وهي الخطوة التي تلجأ إليها الإدارات الجديدة عند توليها المنصب لإثبات كفاءتها الاقتصادية.

وقال الإعلامي محمد سعيد محفوظ، لـ”العرب” “السوق الإعلامي يعاد تنظيمه مرة أخرى خلال الفترة الحالية، ما ينعكس على حجم التغييرات التي تحدث داخله، وهذا المشهد قد يستمر مستقبلا مع المزيد من التغييرات الإدارية والتحريرية، كي يكون هناك استقرار في نسق الملكية”.

وأضاف محفوظ، والذي شغل منصب رئيس تحرير قناة “أون لايف” لمدة شهر قبل أن يغادره، أن تداخل الإدارة والملكية يرجع إلى عوامل عديدة، أهمها عدم الانتهاء من القوانين المنظمة لعمل الإعلام في مصر داخل البرلمان حتى الآن، وعدم الانتهاء من إجراءات تأسيس نقابة الإعلاميين التي يعد وجودها الحالي شكليا فقط.

18