فوضى تويتر وقفة مهمة مع ظاهرة خطيرة

الأحد 2014/05/25

يلحظ المراقب والمتابع لوسائل الإعلام العربية، وعلى وجه الخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “تويتر” و”فيسبوك” و”يوتيوب”، أنّ ثمة تراكماً من الظواهر السلبية المقلقة التي تتغلغل في هذه الوسائل من خلال إساءة بعض روّادها استخدامه لهذه الوسائل وإخراجها عن المقاصد النبيلة التي يفترض لها أن تؤديها. فبدلاً من أن تكون هذه الوسائل إضافة نوعية وجديدة إلى الإعلام العربي في زمن الطفرة الإعلامية والتكنولوجية التي جعلت الجميع يتنافس من أجل الوصول إلى الناس عبر هواتفهم الذكية وأجهزتهم اللوحية، نرى أن بعض المغردين والمعلقين في منطقة الخليج العربي قد أحالوا مواقع “تويتر” و”فيسبوك” و”يوتيوب” إلى ساحة للشتائم والسباب والتشهير وتصفية الحسابات الشخصية والإساءة إلى رموز الدول وحرماتها والنيل من قادتها وشعبها وتاريخها وهويتها، ما يجعل الحرية الإعلامية، في حال كهذه، تنتقل إلى مربع الفوضى الإعلامية والانفلات من ضوابط المسؤولية الأدبية والأخلاقية والتحلل من معايير العمل الإعلامي الحقيقي الذي يهدف إلى البناء والتنوير ونشر المعلومة الموثقة لا إلى الهدم والفضائح وتمزيق الروابط بين الدول والشعوب من خلال الارتكاز إلى الشائعات والخيالات والمقاصد الضيقة والأغراض المريضة، يحفزهم في ذلك مقولة “من أمِنَ العقوبة أساء الأدب”.

وكانت «جمعية الإمارات للمحامين والقانونيين» قد حذرت في وقت سابق مما سمته «فوضى تويتر»، مشيرة إلى وقوفها على تغريدات لخليجيين وعرب تنال من مؤسسات وشخصيات إماراتية، الأمر الذي يجعل تلك التغريدات تقع تحت طائلة القانون وتصنف ضمن «الجرائم الإلكترونية» سواء وفقاً لـ «قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات» في دولة الإمارات العربية المتحدة الصادر عام 2012 أو لـ «قانون الإجراءات الجزائية» الإماراتي أو لـ «الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات» المعروفة.

ولئن مثلت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً للمجتمع المنفتح على الثقافات والحضارات الأخرى والمتفاعل مع تطبيقات ونتائج «ثورة الاتصالات والمعلومات» ومنها وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها في الوقت نفسه حريصة على «الإعلام المسؤول» الذي يعزز القيم الإيجابية ويحافظ على السلام المجتمعي ويسهم في خدمة أهداف التنمية بعيداً عن أساليب التضليل المعروفة والبعيدة عن ثقافتنا وقيمنا الوطنية. وفي الوقت الذي تشجع فيه الحكومة الإماراتية على التفاعل مع كل مظاهر التحديث والتطوير، بما في ذلك مجال الاتصالات والمعلومات فإنها تتصدى بحزم لكل ما يهدد الأمن الوطني بمفهومه الشامل لأن بوصلتها في كل ذلك هي مصلحة الوطن في حاضره ومستقبله. ومثل هذا الفهم ينبغي تعميمه خليجياً وعربياً؛ من أجل مواجهة الانفلات الحادث في وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي هذا السياق، فإنه من المفيد الإشارة إلى كتاب مهمّ بعنوان «وسائل التواصل الاجتماعي ودورها في التحولات المستقبلية: من القبيلة إلى الفيسبوك» للدكتور جمال سند السويدي مدير عام «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية» الصادر العام الماضي، حيث يعد هذا الكتاب دراسة شاملة لوسائل التواصل الاجتماعي، خاصة من حيث تأثيرها الإيجابي والسلبي وإشكالياتها القانونية وآفاقها المستقبلية، ونبّه إلى المخاطر التي تتضمنها، ودعا، في الوقت نفسه، إلى تطوير تشريعي يتناسب مع الوتيرة السريعة التي تتطور بها وسائل التواصل الاجتماعي في عصرنا. وقد أشار الكتاب إلى ما يدركه الباحثون من ارتباط بين مواقع الإنترنت، ومن ضمنها وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار ظواهر أمنية سلبية يرقى بعضها إلى حد تهديد الأمن والاستقرار الاجتماعي، مثل الإرهاب والتطرف وغير ذلك. ولذلك فإن قراءة هذا الكتاب أمر مهم وأساسي في إطار أي تفكير في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وتقليل آثارها السلبية. ويكفي أن نتذكر مدى استخدام التنظيمات الجهادية المتطرفة مثل “القاعدة” و”داعش” و”جبهة النصرة” وغيرها لمواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر أفكارها وعمليات التجنيد، وتدريب العناصر المتطرفة على تنفيذ العمليات الإجرامية، وإعداد المتفجرات وسوى ذلك، حيث تؤكد الدراسات أن معظم من انضموا إلى الجماعات المتشددة والمتطرفة تم تجنيدهم عن طريق الاتصال الشخصي أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد نبّه باحثون وكتاب عرب إلى أنه على الرغم من أن وسائل التواصل الاجتماعي قد أتاحت التواصل الحضاري والإنساني، فإنها قد أفرزت في الوقت نفسه جملة من الظواهر السلبية، من ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، ما يطلق عليه “عولمة الجريمة”، ويتمثل هذا الخطر الأمني والاجتماعي بالارتباط الوثيق بين تلك الوسائل والعديد من جرائم المعلومات، ومنها انتحال الشخصية، والذم والتشهير والتحقير والإهانة عبر الإنترنت، والنصب والاحتيال والقرصنة وانتهاك المعلومات الشخصية الإلكترونية والاعتداء على الخصوصية وجرائم التحريض وإثارة الفتن الدينية والعرقية، بحسب هؤلاء الباحثين.

في ضوء كل ما سبق، فإن وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة في منطقة الخليج العربي، تطرح جدلية الحرية والفوضى بقوة، لأن الحرية لا تعني الفوضى أو الانفلات أو تهديد الأمن الوطني، وإنما تعني المسؤولية والتزام أخلاق المجتمع وتقاليده، لأنها أولاً وآخراً قوة بناء وليست قوة هدم أو تدمير.


كاتب إماراتي

5