فوضى سلاح عشائر الجنوب تكرس تهاوي هيبة الدولة العراقية

انتشار السلاح بمختلف أنواعه بين أيدي عشائر جنوب العراق مظهر آخر لتراجع هيبة الدولة العراقية، في مقابل صعود الجماعات المسلّحة غير النظامية من ميليشيات تابعة لشخصيات دينية وسياسية أو لشيوخ عشائر، وامتلاكها المزيد من القدرات على التأثير في الوضع الأمني والحياة السياسية والأنشطة الاقتصادية بالبلد.
الثلاثاء 2017/05/09
الفوضى تقترب من منابع النفط

البصرة (العراق) - تواجه الحكومة العراقية تحديا جديدا يتمثل في مدى قدرتها على احتواء نفوذ العشائر المتنامي في محافظات وسط وجنوب البلاد ليضاف إلى تحدياتها في الحرب على داعش، والتصدي للميليشيات الخارجة عن القانون، وسط شح الأموال في ظل استمرار تدني أسعار النفط.

وتشهد محافظة البصرة، جنوبا، وهي منفذ العراق الوحيد على البحر، ومخزنه النفطي الأكبر، نزاعات عشائرية تتطور إلى الاشتباك المسلح سريعا، وعادة ما تكون الأسباب تافهة.

وخلال الأشهر الماضية، كانت الاشتباكات العشائرية تندلع في أطراف البصرة، لكنها وصلت الأسبوع الماضي إلى مركز المدينة، لتطرح الكثير من الأسئلة بشأن قدرة الحكومة على احتوائها.

وعكس الوضع في المحافظة تراجع هيبة الدولة العراقية في ظل استشراء فوضى السلاح وصعود الجماعات المسلّحة غير النظامية من ميليشيات تابعة لشخصيات دينية وسياسية أو لشيوخ عشائر.

ولا يستغرب متابعون للشأن العراقي أن تكون الأجهزة الحكومية في العراق هي أضعف الأطراف المتنفذة. فبعد انهيار الدولة وحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية لم تسع الحكومات المتعاقبة إلى منع الأحزاب والكتل السياسية من تأسيس ميليشياتها المسلحة، بل إن أطرافا مشاركة في الحكومة كانت ولا تزال تقوي موقعها من خلال الاعتماد على مسلّحيها، الأمر الذي أدى إلى استضعاف الجيش الذي بدأ تأسيسه من الصفر وكان على الدوام مخترقا من قبل الموالين للميليشيات.

ويعتبر خبراء الشؤون الأمنية أن هزيمة الموصل أمام تنظيم داعش عام 2014 مثّلت الضربة القاضية لذلك الجيش مطلقة العنان للتفكير في الاعتماد الكلي على الحشد الشعبي الذي هو مجموعة من الميليشيات الشيعية.

وكشف ظهور الحشد الشعبي بكل ما رافقه من تهويل وتهليل إعلامي عجز الحكومة عن فرض سلطتها من خلال قوّتها الشرعية وهو ما انعكس سلبا على الأوضاع الأمنية في المحافظات ذات الغالبية الشيعية، التي ينتمي إليها أفراد الحشد.

ويصف محلّلون ما يحدث في بعض محافظات الوسط والجنوب بـ”تمرد استباقي على أي محاولة يبذلها رئيس الوزراء الحالي لفرض سيطرته تمهيدا لترشحه لولاية ثانية”، معتبرين “أنّ ما تقوم به العشائر من نشر للفوضى لا يبتعد كثيرا عن المناورات السياسية التي يقوم بها زعيم حزب الدعوة نوري المالكي من أجل استعادة الحكم”.

ومساء السبت الماضي، تحول ليل البصرة إلى نهار أضاءته الإطلاقات النارية المتبادلة بين مقاتلين من عشيرتي الكرامشة والرويمي، قرب مبنى شرطة محافظة البصرة في وسط المدينة.

ولم تستطع القوات الأمنية، القريبة من موقع الاشتباك، التدخل لفرض القانون، بل عمدت إلى إرسال موفدين لشيخي العشيرتين المتحاربتين، على أمل التوصل إلى هدنة.

ما تقوم به العشائر من نشر للفوضى لا يبتعد كثيرا عن المناورات السياسية التي يقوم بها نوري المالكي لاستعادة الحكم

وتداول نشطاء بصريون على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلات فيديو لجانب من تبادل إطلاق نار كثيف مساء السبت وسط مدينتهم. وعلّق أحدهم على أحد هذه التسجيلات قائلا، “هذه ليست الموصل، بل البصرة”، في إشارة إلى القتال العنيف الذي تخوضه القوات العراقية لاستعادة مدينة الموصل من تنظيم داعش.

وينتمي معظم أبناء العشائر في هذه المناطق إلى فصائل الحشد الشعبي، لذلك يعد امتلاكهم أسلحة متوسطة وثقيلة أمرا عاديا، في حين تمتلك معظم العوائل الجنوبية قطعة أو اثنتين من السلاح الخفيف.

وتعاني مناطق الجنوب بشكل عام، والبصرة على وجه الخصوص، من فراغ أمني واضح، بسبب انشغال الكثير من القطعات العسكرية والأمنية في الحرب على تنظيم داعش في محافظتي الأنبار ونينوى.

ودفع ضعف حضور الدولة في عدّة مناطق من البصرة العديد من العشائر إلى التسلّح والدفاع عن مصالحها بجهدها الذاتي. وانزلقت بعض العشائر إلى ممارسات وصفت بـ”البدائية” مثل عمليات الثأر والفصل العشائري التي لا تستثني تقديم نساء كـ”تعويض” لحلّ خلاف بين عشيرتين.

وحاول ماجد النصراوي، وهو محافظ البصرة، الذي ينتمي إلى المجلس الأعلى بزعامة عمار الحكيم، سد الفراغ الأمني في منطقة نفوذه، بتشكيل ما أسماه “القوة الضاربة” لردع العشائر الخارجة عن القانون في سبتمبر الماضي، لكنّ قوّته الضاربة فشلت في احتواء نزاع في منطقة القرنة، شمال البصرة، بعد نحو أسبوع من تشكيلها، لتكون موضع تندر من قبل السكان المحليين.

وتحوّل جهد النصراوي نحو الوساطات بين العشائر المتنازعة، في ظل العجز عن السيطرة عليها بقوة القانون. ولكن التهدئة عادة ما تكون مؤقتة، ليعود النزاع مجددا لأسباب بعضها يتعلق بقطعان الماشية، أو حصة مائية لري الأراضي، أو حتى خلافات بين مشجعي أندية كرة القدم.

ويقول مراقبون إن الصراعات السياسية وضعف أداء أجهزة الدولة، عززت من سلطة العشائر في مجتمع العراق الجنوبي، ذي الطابع القبلي. وتعد البصرة مركزا رئيسيا لتجارة السلاح والمخدرات في العراق. وعادة ما تدار التجارتان من قبل أشخاص على صلة بميليشيات تتحرك تحت غطاء قوات الحشد الشعبي.

وتحولت العشيرة في مناطق الجنوب إلى بديل لأجهزة الدولة الضعيفة والمخترقة والغارقة في الفساد، في قضايا استعادة الحقوق وتسوية الخلافات.

ولم يعد السكان المحليون، الذين تحدث بينهم نزاعات، يلجأون إلى مركز الشرطة لتسجيل الشكوى، بل يذهبون إلى شيوخ العشائر، الذين تحولوا إلى ضامنين للحقوق.

ويمكن الآن مشاهدة منازل شيوخ عشائر متنفذة في البصرة، وهي محاطة برجال مسلحين في وضح النهار. وأظهر فيديو في إحدى المناطق الجنوبية، كيف طرد السكان، بالحجارة، قوة عسكرية رسمية، جاءت للبحث عن السلاح الثقيل.

وتخشى أوساط الحكومة العراقية أن يتطور انفلات سلاح عشائر محافظات الجنوب ليصل حد تهديد وجود شركات النفط الأجنبية التي تنشط هناك.

وتعتمد موازنة العراق المالية، في الجزء الأكبر من مواردها، على نفط البصرة المقدّر بنحو 99 مليون برميل من أصل نحو 105 ملايين برميل يصدّرها العراق شهريا. واضطرت بعض الشركات الأجنبية العاملة في صناعة النفط، جنوب العراق، إلى دفع مبالغ لشيوخ عشائر، وعينت المئات من أقاربهم في وظائف وهمية لإسكاتهم.

3