"فوكستروت" والسخرية من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية

الأحد 2017/09/24
فراغ المنظور يوحي بفراغ الحياة بعد صدمة الموت

جاء المخرج الإسرائيلي شموئيل ماعوز إلى مهرجان فينيسيا السينمائي بفيلمه الروائي الطويل الثاني “فوكستروت” الذي فاز بالجائزة الكبرى للجنة التحكيم، ثاني أهم جائزة في المهرجان العريق، وبعد أن كان فيلمه الأول “لبنان” (2009) قد حصل على جائزة “الأسد الذهبي”.

يتجاوز “فوكستروت” من الناحية الفنية، فيلم “لبنان” الذي كان يصوّر المأزق “الوجودي” الذي يعيشه أربعة جنود شباب إسرائيليين غير مدركين تماما لمعنى وطبيعة الحرب التي وجدوا أنفسهم في قلبها فجأة، وقد ضلّوا طريقهم في لبنان (خلال الغزو الإسرائيلي عام 1982) وحوصروا داخل دبابتهم وأصبحوا ينشدون الخروج من المأزق والإفلات من الموت فأصبحوا مثل مجموعة من الأطفال البلهاء المرتبكين، يبكي بعضهم ويحلم بالعودة إلى حضن أمه، لكن الشعور بالضآلة والتيه يؤدي بالطبع إلى العنف.

“فوكستروت” شأنه شأن “لبنان” بل وشأن الكثير من الأفلام الإسرائيلية الحديثة، يتناول موضوعا يرتبط أيضا بالمؤسسة العسكرية وبالمأزق الأكبر الذي تعيشه إسرائيل، فهي تؤمن بضرورة امتلاك “الذراع الطويل” لكنها لا تفهم أن هذا الذراع لن يحقق لها ما تريده من الأمن والسلام، بل سيظل الخوف دائما جاثما يحلق فوق الأرواح ويفقد البشر إنسانيتهم ويحولهم إلى أشباح، كما يجعل من الوجود عبثا ومن الواقع فانتازيا مرعبة ومضحكة ومن القتل فعلا آليا مهما سقط من ضحايا، فهو نتاج خوف لا قوة ومحصلة عجز وليس إقدام أو شجاعة، النتيجة تفريخ مجموعة من الحيوانات القاتلة التي فقدت الروح.

يطمح المخرج شموئيل ماعوز الذي كتب السيناريو أيضا، إلى تجاوز الشكل التقليدي في السرد والتخلي عن فكرة الإيهام بالواقع وتصوير المأساة بطريقته الخاصة التي تمزج بين الحقيقة والخيال، وبين الكوميديا والتراجيديا، مع استخراج الدلالات الذهنية والعاطفية من دون الضغط على مشاعر المشاهدين أو ابتزاز تعاطفهم، بل يلجأ على العكس من ذلك إلى السخرية والهجاء والتعليق العبثي ليصل إلى السوريالية في موضوع قاتم يدور-أساسا- حول “الموت”.

ثلاثة أجزاء

يتكوّن الفيلم من ثلاثة أجزاء. في الجزء الأول الذي يمتد لنحو 40 دقيقة نشاهد كيف تتلقّى أسرة من الطبقة الوسطى الإسرائيلية نبأ مقتل ابنها الجندي جوناثان خلال “أداء الواجب” أي أثناء الخدمة العسكرية. الأم “تافنا” تصاب بالإغماء لدى سماع النبأ. والأب “مايكل” يجنّ جنونه ويكاد يفقد تماسكه واتزانه. الجنود الثلاثة الذين حضروا لنقل النبأ والاتفاق مع الأسرة على تفاصيل الجنازة الرسمية العسكرية التي ستقام طبقا للتقاليد الدينية اليهودية، يحقنون الأم بعقار مهدئ فتنسحب إلى غرفة النوم، أما الأب “مايكل” فهو يريد أن يعلم أين وقع ما وقع لولده الشاب الذي لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، ويطلب أيضا أن يشاهد جثمان ولده. ولكن أمام الرفض القاطع والمتكرر من جانب الجندي الذي يقول إنه لا يملك سلطة التصريح بذلك، يشك الأب أنه ربما لم يبق من جسد ما يمكن له لرؤيته.. فربما يكون جوناثان قد تعرض لانفجار مزّق جسده وحوله إلى مجرد أشلاء.

نحن هنا نشاهد انعكاس النبأ الصادم على الوجوه التي تحصرها الكاميرا في لقطات قريبة تكشف انفعالاتها، نظراتها الهائمة، انفجارات الغضب والتشنجات والإغماء، تتقاطع مع وجوه الجنود الثلاثة الباردة التي يرتسم فوقها الحزن مع صرامة القيام بالواجب. يحضر عمّ جوناثان وشقيق مايكل، يحاول التخفيف من وقع الصدمة على شقيقه، لكن مايكل يرفض الإنصات إليه، يركل كلبه، ثم يختلي بنفسه في الحمام يترك الماء الساخن يحرق يده وكأنه يعاقب نفسه.

رقصة "فوكستروت" العبثية في الصحراء

بعد كل هذا التوتر والشعور بالفجيعة، ينصرف الجنود بعد أن يطلبوا من مايكل ضرورة تناول كوب من الماء كل ساعة، بل ويضبطون هاتفه المحمول بحيث يستقبل كل ساعة بالضبط رسالة نصية تخبره أنه يجب أن يتناول كوب الماء الآن. لا يمضي سوى وقت قصير قبل أن يعود الجنود ويخبروا الأسرة بأن ثمة خطأ قد وقع، وأن جوناثان لم يمت وإنما مات جوناثان آخر، أي أن هناك اختلاطا في الأسماء. تستجمع “دافنا” شتات نفسها وتستردّ إحساسها بالحياة فرحة بنجاة جوناثان، بينما يستشيط مايكل غضبا أكثر مما كان، ويصرخ في الجندي “لقد مات ابني لخمس ساعات” وهو يرى بالتالي أن من حقه أن يحضروا إليه ابنه على الفور لكي يطمئن بنفسه عليه لكن هذا غير ممكن بالطبع. بعد انصراف الجنود يتصل مايكل بقاض صديقه يطلب منه التوسط لدى صديقه الجنرال في الجيش لكي يتيح لجوناثان أن يغادر موقعه ويتوجّه لرؤية أسرته ففي إسرائيل أيضا كل شيء يمكن تدبيره بالوساطة ولا تستثنى من ذلك المؤسسة العسكرية.

في الجزء الثاني من الفيلم ننتقل إلى حاجز عسكري على طريق مقفر في الصّحراء يحرسه أربعة جنود شباب (لا تتجاوز أعمارهم الثامنة عشرة) بينهم “جوناثان”، يقيمون وقت الراحة في الليل داخل مستودع معدني قديم مائل، وكل ليلة يقيس أحدهم مستوى ميله وهبوطه ليجده قد أصبح أكثر انغماسا في التربة، منذرا رفاقه في هلع بأنهم يغرقون بالتدريج ولا بد أنه سيأتي وقت يختفي فيه موقعهم من على وجه الخريطة دون أن يشعر بهم أحد!

المشهد سوريالي تماما، فليس هناك من خطر في هذه المنطقة المعزولة لكي يكون فيها حاجز تفتيش. يقطع الصمت والهدوء أحيانا مرور جمل يريد أن يعبر الحاجز فيفتح له أحد الجنود لكي يعبر ويتهادى في أمان على الطريق. وبين وقت وآخر تأتي سيارة تحمل بعض الفلسطينيين ربما في طريقهم لإحدى الحفلات أو لزيارة بعض أقاربهم، لا يبدو على أيّ منهم أيّ نوع من المشاكسة أو الميل للعنف بل يبدون أكثر هدوءا واتزانا من الجنود أنفسهم. يوقف جندي سيارة من هذه السيارات نادرة الظهور في الليل، يرغم من في داخلها على الخروج والوقوف تحت المطر الذي ينهمر في الصحراء بغزارة… يلقي ببطاقة الهوية على الأرض.. وتأتي سيارة أخرى يقوم بتفتيشها، يفحص بطاقات الركاب على جهاز للكشف عن الهوية في الداخل، يتطلع في اشتهاء ورغبة مكبوتة إلى الفتاة الحسناء الجالسة في السيارة، يتخيل أنها توجه إليه نظرات خاصة. ترتفع حدة شعوره بالقهر والكبت والغضب.

إنها حالة بارانويا تعكسها نظرات الشك والقلق والخوف، وحينما يبلغ الرعب أقصاه في الليل دون أيّ مبرّر سوى انعدام الخبرة وحداثة السن، يمكن أن تنطلق الرصاصات فجأة لتحدث كارثة. الجنود الذين يرون أن لا أحد يشعر بوجودهم من قياداتهم يحاولون القضاء على الشعور بالملل برقصة “فوكستروت” التي تتكوّن من أربع خطوات يعود فيها الراقص إلى النقطة التي بدأ من عندها ودلالتها الرمزية واضحة بالطبع فيما يـتّصل بالمأزق الذي يعيشه الجنود الأربعة.

بعد أن تفرغ القصص الطريفة التي يتبادل روايتها الجنود، ومن جوف الفزع والخوف قد يصل الأمر-كما نرى- إلى إطلاق النار على المدنيين الفلسطينيين العزّل داخل سيارة، دون مبرر، فالقتل هنا أصبح رغبة في التعويض عن العجز والقلق والوحدة والغضب في محاولة للشعور بالقوة والسيطرة. ووجود الجنود الإسرائيليين في منطقة معزولة فارغة على هذه الشاكلة يوحي بغربتهم عن المكان وعجزهم عن فهم طبيعته وأسراره، بل يمكن أن نلمح في نظراتهم وهم يحدقون تحت الضوء الكاشف في وجوه ركاب السيارات العابرة القليلة التي يوقفونها عند المعبر غيرة وحقدا، فهؤلاء الآخرون أحرار في التحرك والعيش قياسا بمن يمثلون قوات الاحتلال الذين أصبحوا وكأنهم هم الخاضعون للاحتلال أي للبقاء داخل سجن كبير. الفلسطينيون هم أبناء الأرض الأصليون. بينما الجنود الأربعة سجناء داخل مستودع معدني معزول يغرق تدريجيا.

في الجزء الثالث من الفيلم نعود إلى منزل الأسرة مجددا حيث يتبادل الزوجان الاتهامات بشأن ما وقع من مأساة. هل مات جوناثان مرة أخرى؟ والدة مايكل المسنة، التي تنتمي لجيل المهاجرين القادمين من أوروبا من اليهود الأشكيناز، لا ترى فرقا بين الوجود والموت، فالمهم عندها هو الانتقام، ونبأ موت الحفيد لا يثير فيها أيّ مشاعر. هناك حزن وقتامة تغلف هذا الجزء، مع تركيز على تقاليد العزاء اليهودية. ولكننا سنعرف السبب بعد ذلك في المشهد الأخير من الفيلم الذي يفاجئنا مفاجأة تختم كل شيء.

يذهب “الجنرال” إلى الموقع المعزول. يسأل عن الجندي المدعو جوناثان، يطلب أن يرافقه لأنه سيغادر هذا المكان ويذهب لرؤية أسرته. جوناثان لا يصدق. يقفز فرحا. وعلى الطريق تنتظر المفاجأة.

المواجهة بين الأب والجندي الذي يبلغه بالخبر الحزين

كابوس ثقيل

من الممكن استقبال هذا الفيلم على أنه كابوس أو حلم ثقيل انطلق تحت وطأة الشعور الخفيّ بالذنب. كما يمكن استقباله كاختبار “إلهي” لأب ترك الحرية أكثر مما ينبغي لابنه بل وارتكب هو نفسه الخطيئة في الماضي، وعقاب لأمّ لاهية كانت تهتم فقط بجمالها وزينتها (يتبادل الاثنان الاتهامات بشأن تربية جوناثان). في الجزء الثاني يروي جوناثان قصة لزملائه الجنود عن رجل كان مغرما بصورة فتاة في إحدى المجلات المصورة القديمة. وقد فعل المستحيل لكي يحصل على المجلة، فسرق خاتما ثمينا كان قد أعطاه له أبوه وأوصاه ألا يبدّده أبدا، وذهب وأعطاه لبائع المجلات مقابل الحصول على نسخة المجلة وحتى تتاح له فرصة الاستمتاع بالصورة المغرية للمرأة الفاتنة. وعندما اختلى بنفسه وأخذ يحدق في الصورة، لم يملك سوى أن يمارس الاستمناء على الصورة مما أدى إلى تلفها.. وقد روى القصة لابنه، وأعطاه المجلة التي ظل يحتفظ بها طوال تلك السنين، وأوصاه ألا يبدد أبدا شيئا ثمينا تمتلكه الأسرة. إنها بالطبع قصة مايكل وجوناثان نفسه. وهي مروية بطريقة طريفة مثل نكتة تنتهي بانفجار الجنود في الضحك، وباستخدام الرسوم (أسلوب التحريك) التي تذكرنا بطابع الرسوم في فيلم “الرقص مع بشير”، وهي تناسب تماما أجواء الهلوسة التي ترتبط بالشخصيات والمكان.

تغريب

أسلوب التصوير يضفي على الصورة، خاصة في الجزء الثاني من الفيلم، طابع قصص الأطفال المصورة بألوانها التي تجعلها تقترب من اللوحات التأثيرية، مع هيمنة البرتقالي والأخضر والأصفر مع نعومة خاصة كما لو كنا نشاهد لوحات مصنوعة لا صلة لها بالواقع. وفي مشاهد الليل التي تدور داخل المستودع ليس من الممكن التعرف على تفاصيل المكان، فالخلفية مصبوغة ببعض الألوان، والأرضية قذرة قاتمة. ورقصة “فوكستروت” التي يرقصها جوناثان وزميله الذي يعلمه إياها تدور على خلفية صورة من صور الأفلام القديمة لممثلة مبتسمة ملصقة فوق عربة عسكرية بالية، بينما لا تبدو الصحراء كالصحراء، بل مجرد فضاء ساكن تماما كأنها أيضا خلفية مرسومة إمعانا في التغريب وكسر الواقعية.

ميري ريغيف وزيرة الثقافة الإسرائيلية في الحكومة اليمينية الإسرائيلية صرحت عقب فوز الفيلم بجائزة “الأسد الفضي” في فينيسيا بأن هذا النوع من الأفلام يجب حرمانه من الدعم الرسمي لأنه يشوه إسرائيل ويتيح الفرصة لأعداء إسرائيل لاستخدامه كسلاح في الدعاية ضدها. هذا النوع من التصريحات يتكرر كلما حقق فيلم إسرائيلي من أفلام نقد السياسات الرسمية نجاحا في الخارج. وكان الفيلم قد حصل على دعم محدود من صندوق دعم الأفلام في إسرائيل، لكن التمويل الأساسي جاء من شركات في ألمانيا وفرنسا وسويسرا.

ناقد سينمائي من مصر

16