فولكس فاغن سيارة الشعب التي ستطيح بأسواق العالم

الأحد 2015/10/04
فكرة بسيطة ظهرت أيام هتلر تحولت إلى فضيحة عملاقة

خلال الأيام الماضية تردّد كثيرا اسم فولكس فاغن على ألسنة المتابعين لعالم السيارات والمهتمين بالاقتصاد العالمي والألماني على وجه الخصوص، خاصة بعد أن أقدم الرئيس التنفيذي لفولكس فاغن مارتن فينتركورن على الاستقالة من منصبه بعد الكشف عن فضيحة التلاعب في قيم العوادم الصادرة من السيارات التي تعمل بالديزل أو السولار، والتي تحمل علامةَ أكبر شركة منتجة للسيارات في القارة الأوروبية.

الفضيحة كما أسماها كثيرون هزّت قطاع الأعمال والمؤسسة السياسية في ألمانيا الاتحادية مع ورود تحذيرات متواترة من أنّ أذرعها قد تطال مدن القارة الأوروبية كلِّها نظرا إلى انتشار مصانع فولكس فاغن أو سيارة الشعب في أماكن متفرّقة تتوزَّع في نسب إنتاجها للسيارة رخيصة الثمن.

فولكس فاغن، السيارات الألمانية الشهيرة التي تصنّع في فولفسبورغ، في سكسونيا السفلى، كانت قد رأت النور أول مرة في العام 1937، وهي السيارة الأكثر مبيعا في العالم، وتعتبر الشركة المنتجة لها ثاني أكبر منتج للسيارات في العالم، بعد تويوتا.

فولكس فاغن التي تم تطويرها أيام الزعيم النازي أدولف هتلر لتكون سيارة المواطن وصديقة حياته، قلما خلت منها شوارع العالم، بشكلها الكلاسيكي الذي يشبه الخنفساء، ثم أشكالها المطوّرة فيما بعد، لتعيش تلك السيارة الأليفة أزمة كبرى هذه الأيام.

أميركا تكتشف الخديعة

القصة بدأت عندما أعلنت وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة الأميركية أنّ شركة فولكس فاغن ضلّلت عملاءها حين وضعت برنامجا ضمن إنتاجها من السيارات الموجّهة نحو القارة الأميركية، يرسل بيانات خاطئة حول انبعاثات الغازات السامة من عادمات السيارة.

أمام هذا الإعلان سقطت الدعاية الترويجية التي أطلقتها مرارا فولكس فاغن حول سعيها الدائم لإنتاج سيارات تحمل علاقة الصداقة مع البيئة، بينما وضع كثيرون هذه الحملات الترويجية في خانة الخداع المتعمّد الذي مارسه فريق إنتاج السيارات الأكثر انتشارا لاستقطاب مزيد من العملاء.

وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة الأميركية تكشف أن شركة فولكس فاغن ضللت عملاءها حين وضعت برنامجا ضمن إنتاجها من السيارات الموجهة نحو القارة الأميركية، يرسل بيانات خاطئة حول انبعاثات الغازات السامة من عادمات السيارة

عقب ما حدث قامت فولكس فاغن باستدعاء ما يقارب نصف مليون سيارة من الأسواق الأميركية، فالبرنامج الإضافي الذي تمّ تثبيته يقوم على الالتفاف على قواعد انبعاث أكسيد النتروجين لسيارات الديزل ما يجعلها تبدو أقلّ انبعاثا بأربعين ضعفا من كميّتها الحقيقية، وهذا ما ينعكس سلبا على آليات التنفس والبيئة على حدّ سواء، وفي اتّهام صريح وجّهته أوساط رسمية أميركية لفولكس فاغن أنّ الأخيرة برمجت تقنيّة تقوم على تمرير العادم خلال الاختبار التجريبي للسيارة ليبدو طبيعيا ومناسبا للبيئة وبمجرّد انتهاء الاختبار التقني يعود إلى حالته التي تمّ تصنيعه بها، وهذا ما وصف بالتورّط المقصود لتضليل المستهلكين للسيارة الأكثر انتشارا، و قد يدفع إلى فرض غرامات مالية تصل إلى ثمانية عشر مليار دولار أميركي على الشركة الألمانية، أي ما يفوق أرباحها التشغيلية كاملة للعام الماضي.

فولكس فاغن الاسم الأضخم في عالم صناعة السيارات ألمانيا وأوروبيا، حيث تأخذ الشركة على عاتقها توظيف أكثر من 270 ألف عامل إضافة إلى عدد غير محدود من العاملين لدى المورّدين للماركة الشهيرة حول العالم، فإن كانت الأزمة الأخيرة أطاحت بالمدير التنفيذي، فإنّ تبعاتها ما تزال في ارتداداتها الموجية الأولى، فقد اعتبر كارستن برزيسكي كبير الخبراء الاقتصاديين ببنك آي إن جي في تصريحات صحفية، أنّ فولكس فاغن ستصبح فجأة عامل خطرٍ لتراجع الاقتصاد الألماني بصورة تتفوق على أزمة الديون اليونانية، وأكّد برزيسكي أنّ فولكس فاغن التي باعت حوالي 600 ألف سيارة في الولايات المتحدة العام الماضي 2014 أي ما يعادل 6 بالمئة من إجمالي مبيعاتها العالمية البالغة 9.5 مليون سيارة سنويا، ستشهد تراجعات خطيرة قد تأتي بنتائج لا تحمد عقباها على صعيد التشغيل والإنتاج والأمان الوظيفي الذي تقدّمه.

الدورة الاقتصادية هنا تفرض شروطها وقواعد لعبتها الواضحة التي لا تسمح لأحد باختراقها، فشركةُ فولكس فاغن العالمية اليوم تواجه خطرا حقيقيا، فالحلم الذي داعب مخيّلةَ الزعيم النازي أدولف هتلر في إنتاج سيارة تمازج بين القوة والصلابةِ والسرعة، سرعان ما أخذ طريقَه إلى التحقق بعد أن تقدّم المهندس الألماني فاديناند بوشيه باقتراحه إنجاز السيارة التي حملت فيما بعد طرفي السلطة اللذين نادى بها هتلر طوال فترة حكمه، القوة والسرعة، لتكون سيارة الشعب كما ترجمة فولكس فاغن العربية، حيث باتت السيارة منذ انطلاقتها الرسمية عام 1938 والعملية عام 1948 في متناول الجميع.

كلمة الجميع التي كانت تعني في ذلك الوقت ألمانيا فقط، صارت في وقت لاحق تعني العالم بأكمله، لتحتلّ صناعة فولكس فاغن خمس إجمالي الصادرات الألمانية بعد تفوّقها عقودا كثيرة.

كارستن برزيسكي كبير الخبراء الاقتصاديين ببنك آي إن جي يقول إنّ فولكس فاغن ستصبح فجأة عامل خطر لتراجع الاقتصاد الألماني بصورة تتفوق على أزمة الديون اليونانية

قدّمت فولكس فاغن بعد أزمتها الأخيرة وعودا عديدة تقوم على نيّتها سحب سياراتها موضوع الإشكال من الأسواق العالمية بغيةَ إصلاحها وإعادة طرحها مرّة أخرى، وأمام هذه الوعود تتصاعد نبرة المطالبات بفرض الغرامة المالية التي قد تبلغ 18 مليار دولار أميركي أي ما يعادل السيولة المالية الحالية في الشركة الألمانية الأم البالغة 21 مليار دولار.

وأمام هذه الخطوات المتلاحقة باتت المخاوف تتواتر عن دخول الاقتصاد الألماني في الركود جرّاء فضيحة فولكس فاغن، حيث برّر اقتصاديون تلك المخاوف بأنّ فولكس فاغن تمثِّل العصب الرئيس في حركةِ صناعة السيارات في ألمانيا وبالتالي فإنّ أيّ هزّة تصيبها ستجعل التداعيات كثيرة على دايملر وبي إم دبليو وأودي.

الحكومة الألمانية ترى في فولكس فاغن فخر صناعتها من حيث الابتكار والجودة والنجاح الذي حققته السيارة الاقتصادية لعقود طوال، لذلك فقد جنّدت فريقا لمتابعة قضية فولكس فاغن باعتبارها ركيزة مهمة في دورة الاقتصاد الألماني الذي شابته توقعات بانخفاض نسبة النمو المنتظرة هذا العام بنسبة 1.8 بالمئة.

أمام كل المطالبات للحكومة الألمانية وإدارة فولكس فاغن بالشفافية المطلقة تجاه إدارة أزمة العوادم، وجدت المعارضة الألمانية فرصتها في هذه الضالَّة حيث وجّهت سهام الاتهام مباشرة إلى تورّط المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل في الفضيحة الأخيرة، رغم أن ميركل أبدت حرصها على متابعة الملف دون إبداء تصريحات سوى تلك التي تنمّ عن الثقة في الشركة العالمية.

في ظل هذا المشهد الذي يشي بأزمة سياسية تلوح في الأفق، هبط سهم شركة فولكس فاغن للسيارات ما يقارب 25 بالمئة من قيمته الأساسية في بورصة فرانكفورت، أي ما يعادل خسائر تصل في إجمالها نحو 27 مليار يورو، وأمام هذا التسارع وضع الفريق المالي في فولكس فاغن ما يقارب 6.5 بليون يورو في صندوق احتياطي لتغطيةِ أزمة النفقات التي ستنتج عن عملية استرداد السيارات المعطوبة، وفي ظلّ ذلك طفت إلى السطح مخاوف من ارتفاع معدلات البطالة في ألمانيا في حال اتجهت الشركة إلى اتخاذ قرار بإغلاق عدد من مصانعها.

صنع في ألمانيا

تحذيرات الخبراء كانت من ارتدادات كارثية لأزمة فولكس فاغن على قطاعات الصناعةِ الألمانية التي تتوجّه بها برلين نحو قارّات العالم ومدنِه المختلفة، ففضيحة فولكس فاغن تزامنت مع استعداد كل من “أودي” و”بي إم دبليو” و”مرسيدس” و”بورش” بالإضافة إلى فولكس فاغن، لإطلاق الحملة الترويجية المشتركة في دول القارة الأميركية.

نصف مليون سيارة تسحبها فولكس فاغن من الأسواق الأميركية، عقب افتضاح أمر البرنامج الإضافي الذي تمَّ تثبيته والذي يقوم على الالتفاف على قواعد انبعاث أكسيد النتروجين لسيارات الديزل ما يجعلها تبدو أقل انبعاثا بأربعين ضعفا من كميتها الحقيقية، وهو ما ينعكس سلبا على آليات التنفس والبيئة على حد سواء

الحملة تستهدف تشجيع المستهلكين، وإقناعهم بأن سيارات الديزل أو السولار هي الحل الأمثل في ظل القيود الأميركية الصارمة على انبعاثات العوادم، التي تقوم على تحقيق كفاءة جديدة في حرق جالون واحد لكل 87.7 كيلو متر عام 2025.

ولأنّ ألمانيا تعتبر اللاعب القوي في السوق العالمية للسيارات الصديقة للبيئة من خلال اعتمادها على الديزل، فإنّ شركاتها المختلفة اتّجهت للترويج لهذه التقنية، وكانت السوق الأميركية أحد أهم الميادين المتوقّع أن يتم من خلالها تحقيق نجاحات كبيرة، خاصة بعد أن تعهّدت فولكس فاغن قبل أزمتها الأخيرة بأن تحتل الرقم واحد في قائمة الشركات المنتجة للسيارات صديقة البيئة على مستوى العالم، ولكن في ظل ما حدث مؤخّرا فإن التوقعات تتجه إلى حصار خانق سيتم فرضه على الشركة من خلال الجمهور والحكومات.

لطالما احتلت عبارة “صنع في ألمانيا” مكانةَ الثقة عند المستهلك، مهما تعدّدت الخيارات، ظلّت الماكينة الألمانية متفوقة على غيرها من حيث القوة والجودة والأداء والصلابة، اليوم هناك إشارات حقيقية في ميادين الاستهلاك تحاول النيل من الصناعة الألمانية مستندة إلى تلاعب فولكس فاغن عن سابق إصرار وترصّد بالعادمات الخاصة بسياراتها المتّجهة نحو الولايات المتحدة، وبالرغم من مطالبات الجميع بالشفافية إلا أن القائمين على إدارة فولكس فاغن يقلّلون من أهمية ما قد ينتج مع تأكيدهم أنّ الحدث كبير في ذات الآن.

الفضيحة التي نتجت عن تلاعب فولكس فاغن والتوقعات العديدة للسيناريوهات المقبلة، دفعت بشركة “سيات” الأسبانية لإنتاج السيارات، إلى الاعتراف مباشرة بقيامها بالتلاعب بين عامي 2009 و2014 بعوادم السيارات لتكون مطابقة للمواصفات المطلوبة في أسواق الاستهلاك العالمية.

ومن البديهي أن تطال فضيحة فولكس فاغن دوائر أخرى ألمانية وأوروبية وربما عالمية، خاصة أنّ العديد من دول العالم طالبت بفتح تحقيقات مكثَّفة مع شركات إنتاج سيارات متنوعة، فالمسألة هنا تقف عند شقّين؛ الأول اقتصادي، يتعلق بتكلفة الإنتاج، والثاني استهلاكي يتعلّق باتّجاه المستخدمين نحو السيارات التي تعمل بالبنزين، وبذلك تدخل الصناعات النظيفة في نفق مظلم تنهار معها أحلام الولايات المتحدة بأن يكون عام 2025 عاما مختلفا بالنسبة إلى البيئة والسيارات معا.

9