فيالق ترامب الاقتصادية وزنابيره السياسية

الخميس 2016/11/17

ينتمي الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب إلى فئة الزنابير أو الواسب (WASP = White Anglo-Saxon Protestant)، كحفيد لمهاجر ألماني وأم أسكتلندية على الرغم من أن تاريخ جده الألماني لا يرقى زمنيا إلى جيل الفاتحين للعالم الجديد مع الحجاج إلى “أرض الميعاد”، وفق الصيغة البروتستانتية المؤمنة بشدة بالعهد القديم.

ما يُروى عن عجائب أجداد الحجاج من قتلهم لـ104 ملايين من سكان الأميركيتين الأصليين (الهنود الحمر)، يبدو أن القرون قد هذّبته فجاء على لسان ترامب مجرد كلام عنصري فج وبغيض فقط.

فأجداد الحجاج كانوا يكسبون 50 جنيها إسترلينيا للمستوطن العادي و20 جنيها لرجل الميليشيا العادي و10 جنيهات للجندي، ثم تغيرت التعريفة في العام 1704 فأصبحت مئة جنيه لكل فروة رأس. ومن المفارقات أن سعر فروة رأس الفرنسي كانت في العام 1696 حوالي 6 جنيهات. ويروي المغامر لويس وتزل أن غنيمته من فرو رؤوس الهنود لا تقل عن 40 فروة في الطلعة الواحدة.

ولحسن الحظ أن شغف ترامب بالعقارات وليس بالرؤوس، فالمسكين لا يملك سوى إمبراطورية عقارية عابرة للقارات يغزو بها الأميركيين والعالم.

ورث ترامب عن أجداده شعرا برتقاليا ولسانا لا يعقل ولا يتوكل، ودرجة دنيا من الدبلوماسية في التعامل مع الصحافيين ومع النساء. لكنه لا يبدو فظا أو متزمتا مع زوجته، وابنته، فالأولى آتية من عالم عروض الأزياء المنفتح، والثانية أشبه ما تكون بعارضة أزياء قبل أن ينتخب الأميركيون والدها رئيسا.

وإذا لم تستوعب نساء ترامب الوضع الجديد لرجلهن، ستتحقق نبوءة أصدقاء أميركيين بخصوص أن ترامب قادم لهدم الأسس التي حولت معظم الأميركيين إلى “عبيد” للدولار، وعبيد للعمل الشاق، وللإنفاق الاستهلاكي الذي يطاردهم ويطاردونه من الصباح إلى المساء، ليرتاحوا في نهاية الأسبوع إن كانوا محظوظين.

وهذا لأن الأميركيين يتمتعون بأكبر عدد من الأجناس الآدمية من الذكر والأنثى إلى المثليين، والمتحولين.. إلخ، فحسب صديق يقيم في ولاية كاليفورنيا يوجد لديهم 31 جنسا وهؤلاء كلهم أمزجة مختلفة تشعر بالغضب على طريقتها من نفاق المجتمع الوارث لسياسات الديمقراطيين والجمهوريين السابقين على ترامب.

ومراجعة قائمة الرؤساء الأميركيين الـ45 حتى ترامب تبين أنهم جميعا بروتستانت وبيض وأنغلوسكسونيين، باستثناء جون كينيدي الكاثوليكي، وربما باراك أوباما، كون والده مسلم ومن أصول كينية.

ووفق الصديق نفسه، كانت فظاظة ترامب مثار إعجاب كثيرين ميزوا بين معسول الكلام عن الحريات والاقتصاد والديمقراطية والعمل والمهاجرين والديانات، وبين “قلع عين الأعور” على طريقة ترامب.

وهدد ترامب الصناعيين في ولايات ميتشيغان، أوهايو، بنسيلفانيا، ويسكونسن التي تشهد صناعة السيارات فيها كسادا كبيرا بأن نقل مصانعهم إلى المكسيك سيعرضهم لفرض جمارك بنسبة 35 بالمئة على أي سيارة يُعاد شحنها إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي سيقلل من قدرتها التنافسية في الأسواق الداخلية والعالمية.

وبحسب المخرج الأميركي مايكل مور، فهذا أثار الرعب في مكاتب مديري شركات “نطاق الصدأ” في ديترويت، لكنه كان بمثابة موسيقى عذبة على آذان الطبقة العاملة في ميتشيغان. وعندما ألقى ترامب بتهديده لـ”آبل” بأنه سوف يجبرها على التوقف عن صنع هواتف الآيفون في الصين لتصنعها في الولايات المتحدة، حينها، تهافتت القلوب، وحصل ترامب على انتصار كبير كان ينبغي أن يذهب إلى حاكم الولاية المجاور جون كيسيك.

ويبدو أن الزنابيرية الجديدة عند الحفيد ترامب مختلفة الأدوات، وإن كانت الجينات لم تتغير، حيث يرى الساخطون الأميركيون وكلهم مهاجرون، حتى لو كان أجدادهم سكنوا أرض الميعاد منذ 500 سنة، أن ترامب سينسف النظام المتعفّن الذي روج لـ”الحلم الأميركي” الذي استنفد أغراضه في العصور المتتالية، أو أن هذا الحلم يحتاج إلى دماء وأفكار جديدة تتناسب مع عصرنا الحاضر الذي لا يليق به حتى وصف بـ”عصر السرعة”. أما الخاسرون في الانتخابات، وإن كانوا ليسوا أقلية، فيرون أن ترامب شخص غير كفء استطاع بخطاب شعبوي سلبي النزعة اجتذاب الأفراد غير المحظوظين في مجتمع رأسمالي، متناسين أن فرص العمل أصبحت أقل، كمّا ونوعا، حتى لو كانت نسب البطالة أقل مما كانت في بداية الأزمة الاقتصادية في عامي 2007 و2008، وأن نسبة أن يلتحق عدد من المحظوظين بأقرانهم غير المحظوظين معتبرة. وهذا قد يعني، بحسب مؤيدي هدم أسس النظام القائم، أن ترامب قادر، كرجل أعمال على الأقل، أن يدير معركة لمصلحة الاقتصاد الأميركي، ولمصلحة فئة معينة، إما رجال الأعمال وإما العمال.

وممّا استشهد به مايكل مور عن توجهات ترامب يمكن قراءة المثال بتوجه ترامب لمصلحة الاقتصاد القومي لأميركا، وإن هلل العمال لخطبته كونها تصب في مصلحتهم المباشرة في ظاهر الأمر.

ولا نعرف بعد، إن كان يعني ما قاله بتهديده صناعيي “نطاق الصدأ”، أو صانع هواتف وكمبيوترات “آبل”، فالوعود الانتخابية مجرد كلام، حيث عجز باراك أوباما عن تنفيذ شيء من وعوده الانتخابية، وخاصة إغلاق معتقل غوانتانامو، وقانون الضمان الصحي، عندما أحبط “النظام” نوايا أوباما خلال ثماني سنوات.

ولا يحتاج قائد الزنابير الآن إلى جهد كي يواصل معارضته لنوايا سلفه، فأوباما لن ينجز في شهرين ما عجز عن تحقيقه في ولايتيه الرئاسيتين.

زنابيرية ترامب تتجاوز الحدود، لكنه لم يلمـح إلى انتصارات عسكرية بل اقتصادية، وهاجم الصين عبر رفضها المتواصل لرفع قيمة عملتها “يوان”، واعدا بإجبارها على ذلك. كما هاجم ترامب اليابان لكن من باب الين الضعيف الذي تحرص اليابان على أن يكون كذلك كي تستمر في زيادة صادراتها. وهنا ذكَّر ترامب الأميركيين بأن اليابان صدرت الملايين من السيارات إلى أميركا.

أخيرا، توقع مايكل مور فوز ترامب بالرئاسة على الرغم من معارضته لشخصه وبرنامجه الانتخابي وانحاز إلى هيلاري كلينتون التي لا يميل إليها من حيث المبدأ، وبرر مور توقعاته بخطاب ترامب إلى “نطاق الصدأ”، فالولايات الأربع تمتلك 64 صوتا في المجمع الانتخابي، وهو العدد نفسه الذي تقدم به باراك أوباما على المرشح الجمهوري ميت رومني عام 2012.

وفي النتيجة فاز ترامب برئاسة أميركا، بفظاظته التي أحبها ناخبوه، في مقابل تأنق خطاب كلينتون وقبله أوباما. لكن هذا ليس كل شيء، فمن صوتوا لترامب صوتوا أيضا ضد النظام السياسي الذي أصبح عتيقا، ولا يواكب طموحات الأميركيين الذين يريدون استرداد حلمهم بالثروة والعمل والسعادة.

كاتب سوري

7