فيتالي نعومكن مرقّع أخطاء بوتين في سوريا

الأحد 2015/04/05
وسيط منحاز يشرف على مباحثات موسكو 2 بـ"إحياء علوم الدين"

خبير في أزمات الشرق الأوسط، منتقد دائم للسياسة الأميركية في هذه المنطقة، ولا تعجبه سياسة الاتحاد الأوروبي في كل المنطقة العربية، معجب بالتطور الإيراني وما حققته إيران الخمينية والخامنئية، ضيف مرحّب به دائماً على أقنية تلفزيونية عربية تمولها إيران وعلى رأسها المنار لصاحبها حزب الله اللبناني، ممثل غير حيادي لوسيط غير حيادي في الأزمة السورية.

ساكن الغرف السرية

روسي المولد، من نفس المدينة التي وِلد فيها بوريس يلتسن، أول رئيس لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، مدينة معزولة جداً، غير مسموح للأجانب بالتواجد فيها، لأنها كانت مركزاً هاماً جداً للصناعات الحربية (السوفييتية)، غادرها إلى موسكو ليبدأ طريقه الأكاديمي في دراسة العلاقات الدولية والشرق الأوسط.

أكاديمي روسي مخضرم، باحث مستشرق، مقرّب من الغرف السرّية لمراكز اتخاذ القرار في الكرملين، علاقته غير واضحه بالـ”أف. أس. بي” المؤسسة التي ورثت الـ”كي. جي. بي”، لكن كل ذلك لا يهم، لأن مؤسسته الأكاديمية التي يرأسها قادرة على محو معالم أيّ تهمة، البروفيسور فيتالي نعومكن، مدير معهد الاستشراق في أكاديمية العلوم السياسية، الخبير في مجلس الأمن الروسي، رجل القيادة الروسية المقرب، ماسح أخطاء بوتين و”شلّته”.

نعومكن في الدهاليز

لا يكاد يكون معروفاً في العالم العربي، إلا كمحلل سياسي وباحث، لكن اسمه برز إلى السطح مؤخراً مرتبطاً بمحاولةٍ روسيةٍ لإيجاد توليفة إيرانية ـ روسية لحل الأزمة السورية، أو بالأحرى لإنقاذ النظام السوري، اختارته روسيا كوسيط “حيادي” بين المعارضة السورية والنظام، لكنّه فشل من التجربة الأولى في لقاء موسكو 1، فأبقته القيادة الروسية إلى لقاء موسكو 2، وهو أمر مفهوم، فروسيا البوتينية تبحث عن الشخص ـ الأداة لا عن الشخص ـ المبادرة.

معجب بالتجربة الإيرانية إقليمياً ونووياً، ولا يرى أيّ ملمح طائفي في سياستها، ومن وسط دهاليز السياسة الروسية طمأن الإيرانيين غير مرة بأن الولايات المتحدة لن تضربهم، وأنها ستبقى صديقة لروسيا، لا علاقة رسمية له بالرئاسة الروسية أو وزارة خارجيتها، لكنه ملتزم بخطهما دون أيّ اجتهاد، وهو ناقل رسائل أمين.

الأزمة السورية والحرب الطاحنة التي تمر بها منذ ما يربو على الأربع سنوات هي برأيه مجرد خلاف داخلي، يمكن أن يُحل، نجمع بعض المعارضين وأنصاف المعارضين وأرباعهم، ثم نأتي بعدة مسؤولين هامشيين لا معنى لهم من مؤسسة النظام، نُجلسهم في قاعة اجتماعات صغيرة، ويبقى بعضهم واقفاً لا مكان له لضيق القاعة، نطعمهم ونشرب معهم بضع أقداح من الفودكا، ومن لا يشرب نطعمه “بليني” مع الكافيار مع رشفة من “الكفاس” غير الكحولي، ونُنهي الاجتماع، ثم نُصدر بياناً بالنيابة عنهم ونقول إنهم اتفقوا على الحل “تحت سقف النظام والوطن” وهم في طريقهم لإنهاء الأزمة السورية إلى الأبد.

باعتباره وسيطا ومشرفا على اللقاء بين معارضين سوريين والنظام، قدم نعومكن في نــهاية لقـــاءات موســـكو1 ما أسماه بـ{إعلان مبادئ موسكو}، وقال إن المجتمعين اتفقوا عليه، وهذا الإعلان يشرع للنظام السوري إدخال مسلحين ومقاتلين أجانب للقتال إلى جانبه كالإيرانيين والعراقيين وحزب الله

لا يكل من ترداد أن النظام السوري تعرّض ويتعرض لهجوم من عناصر مختلفة، إرهابيين وغير إرهابيين، سوريين وعرب ودوليين، بمنطق ليس بعيداً عن نظرية المؤامرة التي يطبّل لها النظام السوري ليل نهار، لكنّه يمنّ على المعارضة السورية ويقول إنها ليست كلها إرهابية، يستثني البعض، فقط البعض القليل، كما يفعل النظام السوري حين يستثنيهم ويتعطّف عليهم ليضمهم تحت جناحه.

رفض عزل سوريا عربياً وإقليمياً ودولياً، ودافع بالكلمة في أكثر من محفل دولي من أجل فك الحصار المفروض على النظام، وتحدث كثيراً عن تدخل العرب والغربيين في سوريا، لكنه لم ينتقد ولا مرة واحدة تدخّل بلده بالشأن السوري، ولم تزعجه الأسلحة الروسية المتدفقة من مصانع روسيا إلى معسكرات النظام وحصونه، كما لم ير تدفق قوات الحرس الثوري الإيراني ولا ميليشيات حزب الله الطائفية، أو ربما رآها وأقنع نفسه بأنها رُسل سلام ومحبة.

أكروبات المعاني

نعومكن ماهر في استخدام الألفاظ الدبلوماسية العربية، يلعب على الكلام دائماً، ويُحمّل كلامه دائماً وجهين، فهو متفائل بأن الشعب السوري سيستطيع حل خلافاته الداخلية، متناسياً أنها ثورة ملايين ضد نظام ديكتاتوري لطالما نادت مبادئ ثورة بلاده البلشفية قبل مائة عام لمحاربته ومحاربة أمثاله.

يتهم الدول الإقليمية بدعم “القوى الإرهابية” التي تهدد النظام السوري، ولا تصدر عنه كلمة تعريفية حول من هم هؤلاء الإرهابيون، فهو يترك الباب موارباً، أمام المعارضة يستخدم اللفظ ليدل على التنظيمات الإرهابية المرتبطة القاعدة والتنظيمات الإرهابية الأجنبية التي تحارب مع النظام، وأمام النظام يستخدمه ليدل على تنظيمات القاعدة ومعها كل الثوار والمعارضة المسلحة وجزء من المعارضة السياسية السورية.

يريد للمجتمع الدولي أن يقف إلى جانب الشعب السوري، وهو ما يُسعد أهل الثورة، لكن سرعان ما يتبين لهم أن الشعب الذي يقصده هم المطالبون بإصلاح النظام واستقرار سوريا لا بإسقاطه وتغييره.

تستند سياساته وآراؤه لحل الأزمات على مبدأ التقدم خطوة خطوة، حتى لو كنت صاحب حق، عليك أن لا تخطو للأمام سوى ربع مسافة، ثم تتنازل عن الثلاثة أرباع الأخرى، وعليك أن تكون راضياً وقنوعاً بأنك حصلت على هذا الجزء، فـ”كِسرة خبز أفضل من لا شيء”.

يدافع عن تجوال الأسطول البحري الروسي حول الشرق الأوسط وفي المتوسط، وينفي أن يكون لروسيا قواعد عسكرية في سوريا، ويؤكد على أن بلده لا تحمي النظام السوري وإنما تحمي سوريا من التدخل الأجنبي الخارجي، ويرى أن دعم المعارضة السورية سيحوّل الأزمة إلى حرب أهلية.

يبرع نعومكن بتقديم الخطط ثم التبرؤ منها بعد أن يرى ردود الأفعال عليها، بحجة أنه مجرد أكاديمي لا سياسي، وأن ما قدّمه اجتهادات، ويترك الأطراف في حيرة من أمرهم من موقفه وموقف من يقف وراءه.

قدّم خطة وخارطة طريق لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ورغم أنه “نصير” للفلسطينيين، إلا أنها كانت تشمل تنازلات إضافية غير مبرّرة يجب على الفلسطينيين تقديمها، ثم عاد بعد فترة وجيزة للتخلي عنها، وقال إنها اجتهاد من أكاديمي وليست مُلزمة لأحد، وقد لا تكون صالحة في ظل عدم تنازل أيّ طرف عن موقفه.

وبشكل مشابه، بل في الحقيقة أسوأ، تعامل مع الأزمة السورية خلال لقاء موسكو 1، فقد أراد هذا الأكاديمي “الرفيع”، الذي تَشرّب النظريات العلمية والمنطق في أكاديمية العلوم، أراد أن يكون لقاء موسكو دون أيّ برنامج أو جدول أعمال وأن يكون مكلمة بين الحضور دون ضوابط ودون هدف واضح، ودافع عن مبدئه هذا، وقال إنه الطريق العلمي الصحيح والوحيد للوصول لنتائج.

التجربة الإيرانية إقليميا ونوويا، تشكل محط إعجاب نعومكن فهو لا يرى أي ملمح طائفي في سياستها، ومن وسط دهاليز السياسة الروسية يطمئن الإيرانيين مرارا إلى أن الولايات المتحدة لن تضربهم، وأنها ستبقى صديقة لروسيا

وباعتباره وسيطاً ومشرفاً على اللقاء بين معارضين سوريين والنظام، قدّم في نهاية اللقاءات ما أسماه بـ”إعلان مبادئ موسكو”، قال إن المجتمعين اتفقوا عليه، وهذا الإعلان يُشرّع للنظام السوري إدخال مسلّحين ومقاتلين أجانب للقتال إلى جانبه كالإيرانيين والعراقيين وحزب الله، ويعتبر بيان جنيف مرجعاً يخضع للتوافق وليس بياناً مُلزماً، وأنهى عملياً مفاعيل بيان جنيف، وشدد على ضرورة تسبيق محاربة الإرهاب على الحل السياسي وهذا ما يُشكّل أولوية للنظام، ولم يُشر إلى أيّ هيئة حكم انتقالي ولا هيكلة جيش ولا تغييرات في وظيفة الأجهزة الأمنية كما تريد المعارضة وكما ينص بيان جنيف.

لكنّ معارضين سوريين كشفوا الباحث الأكاديمي، فاضطر للتراجع عن إعلانه بشكل سريع، واعترف بأن هذا الإعلان لم يحظ بموافقة المجتمعين بل هو أمان شخصية وأهداف روسية يأمل أن تتحقق.

تقول عنه المعارضة السورية إنه ممثل غير حيادي لوسيط غير حيادي، فلا روسيا مقبولة كوسيط لأنها جزء من المشكلة، ولا الرجل أهل ليكون مشرفا على الحوار لأن هواه وفؤاده يميل نحو النظام.

يستعير الرجل عباراته من وسائل إعلام النظام، أو العكس، لا يتحدث إلا عن الإرهاب الذي يضرب استقرار سوريا، ويتكلم عن المعارضة باستخفاف بأنها غير مؤثرة وضعيفة، ويؤمن بأن النظام يمثل جزءاً كبيراً من السوريين.

منطقه واضح، هو مع الحل السياسي للأزمة السورية، لكنّه كأولوية يؤكد على ضرورة القضاء على الإرهابيين من جماعة تنظيم الدولة الإسلامية والنصرة وغيرهما، وبعدها يمكن أن يبدأ الحل السياسي والمصالحة الوطنية، ويُحمّل هؤلاء مع المعارضة السورية مسؤولية إيصال سوريا إلى الدمار، ولم ينتقد بأيّ من تصريحاته أو مقابلاته النظام السوري ولم يُشر لعنفه أو حلوله الأمنية، بل وجد دائماً مبرراً لكل تصرفاته.

يرى نعومكن أنه مع تلاشي المعارضة المسلحة المعتدلة على الأرض في سوريا، فإن طرفي الصراع الرئيسيين اليوم هما الجماعات الإسلامية المتشددة ونظام الأسد، ” ومن ثمة فإن بقاء نظام الأسد قد يكون السبيل الوحيد للحفاظ على الدولة السورية ومنعها من الانهيار”.

الوسيط الروسي لا يمل من ترداد أن بشار الأسد تعرض ويتعرض لهجوم من عناصر مختلفة، إرهابيين وغير إرهابيين، سوريين وعرب ودوليين، بمنطق ليس بعيدا عن نظرية المؤامرة التي يطبل لها النظام السوري ليل نهار، لكنه يمن على المعارضة السورية ويقول إنها ليست كلها إرهابية

"المقاومة والتصدي" أولا

تنقّل نعومكن خلال حياته في مواقع أكاديمية وحكومية وإدارية عدة، عضواً في مجلس السياسة الخارجية لروسيا التابع لوزير الشؤون الخارجية، ومستشاراً لدى المجلس الأعلى ـ الجمعية الاتحادية، وعمل في وزارة الخارجية الروسية مبعوثاً خارج روسيا، ومحاضراً في الجامعة العسكرية، وألّف كتباً وكتب مقالات في العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية وسياسات النفط والدراسات الإسلامية وقضايا الشرق الأوسط والقوقاز.

اهتم بالمنطقة العربية والإسلامية، جذبته حكمة الإسلام، وكان الغزالي موضوع أطروحته، ترجم “إحياء علوم الدين” للروسية، ورأى أن روسيا اكتسبت أهميتها لأنها بلد المسيحية الأرثوذكسية الذي يضم 20 مليوناً من المسلمين، وبعيداً عن العلوم والتاريخ، له رأي آخر من الشعوب والأنظمة، فقد عايش أكثر من رئيس روسي، لكنّه انتعش في “عهود” بوتين، الذي يصفه بأنه “ناشط وفعال وبراغماتي”، ويصف سياسته بالسياسة الدبلوماسية الحكيمة، ورغم اعترافه أن الولايات المتحدة تملك نفوذاً أقوى من روسيا وموارد أضخم، إلا أنه يؤمن بأن دولة واحدة لا يمكن لها أن تحكم العالم، بعد الآن على الأقل.

معجب بتجارب “المقاومة” في المنطقة العربية، فحزب الله وحماس والنظام السوري وغيرهم من نفس المدرسة، هم مثال يُحترم برأيه، ويرى أن المقاومة لا تزال تتمتع بقدراتها وأنها ضرورية من أجل كل العرب.

يعتبر تهميش الثورات العربية للصراع العربي ـ الإسرائيلي خطأ فادحاً، ويشدد على ضرورة التركيز على هذا الصراع لأن هذه القضية حسب رأيه “تُعطي معنى للمنتمين لهذه الأمة”، ويستدرك أن مسألة إعادة تشكيل الأنظمة والحكومات في المنطقة العربية أمر هام، لكن من الضروري أولاً على العرب الاهتمام بتنظيف منزلهم من الإسرائيليين، وكأن أهالي هذه المنطقة محكومون بإيقاف التاريخ حتى ينتهي صراعهم “الأزلي” مع إسرائيل.

لعبت موسكو دوراً كبيراً في دعم النظام السوري، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وكان لها دور فعال وأساسي في تأخير سقوطه، وساهمت في أن يكون خطاب النظام السوري خطابا عدميا، سياسياً وعسكرياً، ومن منطق الحرب الباردة، عرضت نفسها كوسيط وصمام أمان، وخدعت كثيراً من المعارضين، بل ولعبت بهم، لأنها لم توفّر فرصة لاستخدام الفيتو بوجه أيّ قرار أممي يضر النظام إلا واستخدمته، وبالمقابل عطّلت كل القرارات التي يمكن أن تدينه أو حتى أن تضمن تدفق المساعدات الإنسانية لملايين المنكوبين في سوريا.

نعومكن هو جزء من هذه الآلة، لا يمكن أن يعمل إلا بالتناغم معها وضمن آلياتها ومبادئها، حفيد الأممية الثورية وديكتاتورية البروليتاريا التي قاتلت للدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، يتناسى أن الشعوب هي المعنية بهذا النضال وليس الحكام، وهو يعرف بالتأكيد أن روسيا، حليفة الشعوب المقهورة، خسرت الشعب السوري ومعه غالبية الشعوب العربية، وبدلاً من أن يُصلح ما أفسدته قيادتها يلجأ للترقيع لها، وخلاصة القول إنه لا جدوى من الكلام، لأن كل ذلك لن يهز شعرة من رأس الرجل.

8