فيتامين "لا" مهم لصحة الطفل النفسية

تعاني المجتمعات العربية من كونها مجتمعات استهلاكية ليس لديها مبدأ محدد في توفير طلبات أبنائها بحسب الأولوية أو بحسب الأساسيات اللازمة للحياة، وخصوصا الفئات المتوسطة والغنية داخل المجتمع، التي نجدها تنفق جانبا كبيرا من ميزانيتها الشهرية لتوفير طلبات أطفالها بلا حساب، الأمر الذي يتسبب في ضرر كبير لهؤلاء بالمستقبل.
الخميس 2016/12/08
الإفراط في تلبية احتياجات الأطفال ينتج شخصية نرجسية

يقول البروفيسور الأميركي جون روزموند، أستاذ علم النفس العائلي والمتخصص في الكتابة عن الأسرة، في فيديو بثه على مواقع التواصل الاجتماعي مؤخرا ولاقى استحسانا كبيرا، إن “الطفل الذي تُلبى جميع طلباته من قبل الوالدين هو طفل أناني وعنيد ولا يتحمل المسؤولية، كما أنه -لا ولن- يكون سعيدا كما يتمنى والداه عند شراء أغلى الأشياء له”.

ويشير إلى أنه لا بد من وجود ما يطلق عليه بفيتامين “لا” لدى الأطفال، أي أن نقول لهم “لا”، بين الحين والآخر، لأن ذلك أمر ضروري لنموّهم العقلي وصحتهم النفسية.

ويشرح روزموند فكرته قائلا “إن الآباء يلبون طلبات أطفالهم التي لا تنتهي بهدف إسعادهم والترفيه عنهم. فالآباء يتعبون ويبذلون جهدا مضاعفا في أعمالهم من أجل توفير الأموال التي يشترون بها ألعابا لأبنائهم، غير أن الآباء لا يعلمون أنهم بذلك يتسببون في جعل أطفالهم يدمنون على مثل هذه الأفعال، لأنهم لن يشبعوا ولن يتوقفوا عن طلب المزيد، وأبدا لن يشعروا بطعم السعادة، حتى عندما يكبرون، وهو ما أطلق عليه روزموند اسم “مرض إشباع الرغبات”.

وهؤلاء الأطفال، الذين تعودوا على تلبية طلباتهم، قادرون على التمثيل على والديهم بالبكاء والصراخ والعويل، حتى تتحقق طلباتهم لأنهم يعرفون جيدا نقاط ضعف آبائهم تجاههم، فيستخدمون سلاح المشاعر وفي الغالب ينجحون في ذلك.

وفي نهاية الفيديو، يؤكد روزموند أن فيتامين “لا”، لا بد أن يعطيه الآباء لأبنائهم بدءا من نعومة أظفارهم، وأن يقرن هؤلاء الآباء تلبية طلبات الصغار بتقديم مقابل ما، يتمثل في العمل وبذل المجهود وتحمل المسؤولية، كي لا يشعر هؤلاء الأطفال بأن الأمر سهل وفي متناول أيديهم دائما.

فيتامين "لا"، لا بد أن يعطيه الآباء لأبنائهم بدءا من نعومة أظفارهم، وأن يقرن هؤلاء الآباء تلبية طلبات الصغار بتقديم مقابل ما

وعلى الأم والأب أن يجعلا تلبية الطلبات لأطفالهما مشروطة بنشاط يقومون به كتأدية الواجبات الدراسية مثلا، ويشدد روزموند على أن تحقيق الطلبات لا يجب أن يتعدى 25 بالمئة فقط من الأشياء التي يطلبها الأطفال.

وفي الكثير من الأسر العربية يقع العديد من الآباء في حيرة من أمرهم، بين أن يوفروا تلك الميزانية التي ينفقوها على طلبات أطفالهم وبين من يخيّرون حرمانهم منها، ما يتسبب، من وجهة نظرهم، في غياب السعادة عن أطفالهم.

وفي مصر ووسط تزايد الأسعار بشكل كبير، أصبح الأمر مرهقا لكاهل الآباء وباعثا على العديد من التشكيات الأسرية. وأوضحت سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع لـ”العرب”، أن الأسر العربية عموما تعاني من ثقافة “الاستهلاك الشّره”، والإسراف في الشراء، وحتى في الطبقات الفقيرة نجدها تنفق جزءا كبيرا من دخلها لتلبية احتياجات أطفالها بغية إسعادهم.

ولفتت إلى أن الأمر يتحول غالبا لدى الأسر الغنية إلى مباهاة وتفاخر بين العائلات، من حيث عرض العلامات التجارية التي اشترتها لأطفالها أو الأجهزة الإلكترونية الحديثة، التي جلبتها لهم بأسعار خيالية، كالهاتف المحمول واللوح الرقمي، و”الإكس بوكس”، و”البلاي ستيشن” وغيرها، والتي وصلت أسعارها مؤخرا إلى أرقام خيالية في ظل ارتفاع سعر الدولار.

وأكدت خضر أن تلبية احتياجات الطفل في بعض الأسر لا يتوقف عند شراء الألعاب البسيطة بل إن الأمر قد يتعدى ذلك بكثير، فنجدها توفر لأطفالها ألعابا باهظة الثمن.

وكانت بعض الدراسات النفسية قد كشفت أن بعض الأطفال لديهم القدرة على التمثيل على والديهم من أجل تلبية احتياجاتهم، وأن الطفل يمكن أن يدخل في موجة من العويل والبكاء والصراخ أو حتى “التقيؤ” أحيانا لتحقيق غرضه، وأن الأطفال تتولد لديهم الأنانية والعناد، نتيجة لتلبية احتياجاتهم دون توقف، كما أنهم دائما ما يختارون الوقت والمكان غير المناسبين لإحراج والديهم كأن يكونوا في مكان عام أو في وسط جمع من الناس.

وقالت هالة حماد، أستاذة علم نفس الأطفال، لـ”العرب”، إن الطفل الذي تُلبى جميع طلباته تتكوّن لديه شخصية نرجسية، حيث تصبح احتياجاته هي الأهم واحتياجات الآخرين بلا أهمية، حتى وإن كان ذلك على حساب والديه أو بقية إخوته.

وأضافت حماد أنه وكنتيجة لتلك العادات السيئة، نجد الكثير من الأمهات، يشتكين من أن أبناءهن لا يقولون أبدا كلمة “شكرا” لهن عند تلبية الاحتياجات. وأوضحت أن هذا الطفل، الذي لا يعرف نطق كلمة “شكرا” تعوّد دائما على فكرة أن كل ما يطلبه يجده، بل وربما وفّر له والداه ما لا يطلبه أيضا، وبالتالي أصبحت تلبية الحاجة لديه أمرا عاديا، كالأكل والشرب المتوفرين بالمنزل، وهو لا يعرف مدى تعب الوالدين لتوفير مثل هذه الطلبات له، لأنهما لم يشعراه بذلك.

على الأم أن تكون قادرة على إدارة حياة طفلها بشكل جيد وألا تستعين بخبرات أمهات أخريات فشلن في تربية أطفالهن

وأحيانا قد يقع الأبوين في خطأ جسيم، يتمثل في أنهما لا يجعلان من تلبية احتياجات طفلهما يكون مرتبطا شرطيا بين أن يؤدي فروضه المنزلية أو أن يقوم بتمرينات الرياضية مثلا، أو أن يساعد أمه في بعض الأعمال المنزلية.

وشددت حماد على أن هذا الطفل لو كان قد تعب في الحصول على طلباته، لشعر بالمسؤولية وبأن تلك اللعبة أنفق عليها الأبوان مالا كثيرا ساعتها كان الأمر سيتغير تماما، وستكون شخصيته سوية أكثر ومعتدلة، مشيرة إلى أمر هام وهو النتائج السلبية المترتبة عن تلك الشخصية الاعتمادية المرفهة والتي من بينها عدم قبولها في ما بعد بأي عمل تجد فيه تكلّفا، كما أنها ستبحث دائما عن الفرص السهلة التي تمكنها من تقاضي راتب كبير. ولعل ذلك ما يفسر رفض الكثير من الشباب للعديد من فرص عمل، وتفضيلهم الجلوس في المقاهي دون عمل، لأنهم تربوا على ذلك، ومن ثم يجب على الأهل أن يعوا خطورة ما يفعلوه بأبنائهم عند الصغر، لأن ذلك سوف يؤثر عليهم سلبا في الكبر.

وتقرح خضر هنا طريقة لمعالجة تلك الإشكالية، وهي أن تكون الأم قادرة على إدارة حياة طفلها بشكل جيد وألا تستعين بخبرات أمهات أخريات فشلن في تربية أطفالهن، كما أن عليها تستمع لصوت العقل والمنطق في تربية طفلها، بشكل يجعله مسؤولا عن نفسه وأن تحببه منذ الصغر في توفير قوته بنفسه مما يحصل عليه كمصروف مدرسي مثلا وأن يستخدم جزءا من هذا الادخار لشراء لعبة يفضلها أو الذهاب إلى مكان يرغب فيه.

21