فيتو أميركي على تقاسم النفوذ الأجنبي في ليبيا

الليبيون يرفضون مؤامرة تعيد سيناريو عراق 2003 في بلادهم.
الخميس 2019/11/28
الأمان لن يأتي من الخارج

كما حدث في مناسبات سابقة، تركت القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية للجانب الأميركي فرصة المبادرة بالإعلان عن محادثات تمت بينهما. يأتي ذلك ضمن سياسة المشير خليفة حفتر المعتمدة في جانب كبير على السرية، وعدم الرغبة في إحراج الحلفاء، وفسح المجال لهم لكي يعلنوا عمّا يرونه مناسبا من مجمل حواراتهم معه.

تتفق الإدارة الأميركية مع القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية على ضرورة حل الميليشيات من أجل فتح باب الحل السياسي في ليبيا وتسهيل انعقاد مؤتمر برلين. ورحب الليبيون بالموقف الأميركي إلا أنهم شدّدوا على أن رفضهم تكرار سيناريو الحل الذي طرح في العراق في 2003، مشيرين إلى أن أي حل يجب أن يكون ليبيّ المصدر والهوية.

وانعقد، الأحد الماضي، لقاء مهم جمع القائد العام للقوات المسلحة الليبية خليفة حفتر بوفد من الخارجية الأميركية ضم نائبة مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فيكتوريا كوتس، والسفير الأميركي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، والنائب الأول لمساعد وزير الخارجية للشؤون الدولية في وزارة الطاقة الأميركية ماثيو زايس، ونائب مدير الاستراتيجية والمشاركة في القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا، العميد ستيفن ديميليانو.

وكشفت الخارجية الأميركية في بيان لها الاثنين، أن واشنطن قدّمت خلال هذا اللقاء تطمينات للقائد العام للقوات المسلحة الليبية بشأن حلّ الميليشيات المسلحة ومحاربة العناصر المتطرفة في ليبيا، وأن وفدا ضم مسؤولين أميركيين كبارا أكدوا للقائد العام، أن هناك جهودا ملموسة تشمل معالجة المجموعات المسلحة والعناصر المتطرفة الموجودة في ليبيا.

ديفيد شينكر: تزايد النشاط الروسي في طرابلس يُقوّض الحلول السياسية
ديفيد شينكر: تزايد النشاط الروسي في طرابلس يُقوّض الحلول السياسية

وقال البيان إن المسؤولين أكدوا دعم واشنطن الكامل لسيادة ليبيا وسلامتها الإقليمية. كما أكدوا أن المناقشات الصريحة تعتمد على المحادثات الأخيرة مع المسؤولين في حكومة الوفاق بهدف إرساء أساس مشترك للتقدم بشأن القضايا التي تفرّق بينهما.

وتحث واشنطن الطرفين على اغتنام هذه الفرصة لبناء مستقبل آمن ومزدهر لليبيا. وأوضح ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أن الإدارة الأميركية تعقد منذ فترة طويلة لقاءات مع حفتر.

وقال شينكر في تصريحات لقناة “سي.أن.أن” إن الوفد الأميركي أكد حرصه على سيادة ليبيا، وسلامتها الإقليمية، كما حذر من التدخل الروسي المتزايد في الشأن الليبي، متهما موسكو بمحاولة زعزعة الاستقرار في ليبيا عبر تزايد وتيرة نشر القوات الروسية في ضواحي طرابلس.

ولفت المسؤول الأميركي إلى ما وصفه بتزايد النشاط العسكري الروسي في طرابلس، حيث قال إنه أمر من شأنه أن يُقوّض الحلول السياسية، ويزعزع الاستقرار، وينتج عنه تزايد أعداد القتلى المدنيين في الحرب على تخوم طرابلس بين قوات الجيش الوطني وقوات تابعة لحكومة الوفاق.

وأوضح عضو مجلس النواب جاب الله الشيباني أن الزيارة التي قام بها الوفد الأميركي تأتي بعد زيارة قام بها عدد من المسؤولين في حكومة الوفاق إلى الولايات المتحدة، موضحا أن حكومة الوفاق تسعى لوقف إطلاق النار بكل الطرق.

وأضاف في تصريحات صحافية أن هذا اللقاء يأتي عقب قناعة من الجانب الأميركي بأن وجود الميليشيات يتنافى مع بناء واستقرار الدولة، موضحا أن هناك مخاوف من الإدارة الأميركية من الدور الروسي في ليبيا. وقلل الشيباني من هذه المخاوف معتبرا ألا أساس لها من الصحة، مؤكدا أن ليبيا تتعاون مع كل من يقدم لها المساعدة للقضاء على الإرهاب.

وأكّدت مصادر مطلعة لـ«العرب» أن الجانب الأميركي طلب الاجتماع بخليفة حفتر لوضع النقاط على الحروف في عدد من المسائل المهمة قبل مؤتمر برلين بحضور الفاعلين الرئيسيين الإقليميين والدوليين في الملف الليبي. وتصرّ واشنطن على أن مشاركتها في مؤتمر برلين مرتبطة بجدية وأهمية النتائج التي ستتمخض عنه.

سبق روسي

لا تريد الولايات المتحدة لمؤتمر برلين أن يكون منطلقا لتقاسم النفوذ الأجنبي في ليبيا وخاصة مع خشيتها من التغلغل الروسي، في ظل الحديث عن وجود مبادرة مطروحة تتمحور حول تقسيم ليبيا إلى تسع محافظات، واعتماد النظام الفيدرالي، وتكليف الأمم المتحدة بكتابة دستور جديد، وإعادة بناء الجيش تحت إشراف دولي.

وأكبر مخاوف واشنطن هي أن تحتل روسيا موطئ قدم في الأراضي الليبية، لذلك كان التركيز الأميركي خلال الأيام الماضية على هذا الموضوع بالذات اعتمادا على حملة دعائية موجهة تزعم وجود قوات روسية تقاتل إلى جانب الجيش الوطني، وهو ما نفاه الروس، كما اعتبرته القيادة العامة مجرد شائعات تحاول من خلالها الميليشيات المسلحة تبرير تراجع أدائها الميداني وانهيار معنويات مسلحيها في محاور القتال في طوق طرابلس.

هناك سبق روسي واضح لدى أغلب الليبيين، من الجانب المعنوي على الأقل. فروسيا لم يكن لها دور في دعم عملية إسقاط الدولة في عام 2011، ولا في التعامل مع قوى الإسلام السياسي. وكانت من أبرز من تفهّموا دوافع عملية الكرامة، واستقبلت خليفة حفتر في مناسبات عدة، وهو ما تدركه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي انتقدت في مناسبات عدة دور الإدارة السابقة في دعم ما سمّي بثورات الربيع العربي. وحاولت لاحقا أن تفتح بابا للتواصل مع مختلف الأطراف.

ففي 19 أبريل الماضي، وبعد أسبوعين من إطلاق عملية «طوفان الكرامة»، أفاد البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي بحث مع حفتر جهود مكافحة الإرهاب و”رؤية مشتركة لانتقال ليبيا إلى نظام سياسي مستقر وديمقراطي”، مضيفا أن ترامب “اعترف بدور المشير خليفة حفتر المهم في مكافحة الإرهاب وضمان أمن موارد ليبيا النفطية”.

اعتبر المراقبون تلك الخطوة بمثابة دعم صريح لجهود الجيش الليبي لتحرير بلاده من حكم الميليشيات في مواجهة حكومة الوفاق التي فشلت في تحقيق أي من الأهداف التي أنيطت بعهدتها من قبل المجتمع الدولي قبل أربع سنوات، كما كان للولايات المتحدة دور مهم في عرقلة أي إعلان من مجلس الأمن يدعو إلى وقف القتال أو يندّد بتقدم الجيش نحو طرابلس.

حل خارجي

وضع معقد
وضع معقد 

بالمقابل، يرفض الجيش الوطني أي محاولة لفرض مشروع حل خارجي على الأزمة الليبية. فكتابة الدستور من قبل الأمم المتحدة تعني كتابته من قبل خبراء من دول بعينها ومنها الولايات المتحدة، كما حدث في الحالة العراقية التي لا تزال تواجه النتائج الكارثية للتدخل العسكري وإسقاط النظام في العام 2003.

ذات الأمر بالنسبة لتقسيم البلاد على أساس فيدرالي كان الليبيون قد تجاوزوه في العام 1963 عندما ألغوا المملكة المتحدة وأعلنوا قيام المملكة الليبية بعد الإطاحة بالحكم الذاتي الثلاثي في برقة وطرابلس وفزّان. فالمشروع الجديد يحاول أن يطرح النموذج الفاشل في العراق، بتقسيم ليبيا إلى تسع محافظات تشير المصادر إلى أن من بينها محافظة لمصراتة ومحافظة لجبل نفوسة تمتد حتى زوارة ومحافظة للتّبو يكون مركزها مرزق ومحافظة لبرقة مركزها بنغازي ومحافظة لطرابلس ومحافظة للجفرة ومحافظة لسبها ومحافظة للكفرة ومناطق الجنوب الغربي، وسيعطى لتلك المحافظات الحق في التحكم في جانب مهم من ثرواتها وعقد الاتفاقيات بشأنها.

هذا المشروع في حالة إقراره سيكون مسقطا من الخارج على الحالة الليبية بهدف استبعاد البرلمان والجيش من أي دور مستقبلي، وهو ما يعتبره المراقبون مؤامرة ضد ليبيا الموحدة. وسيحولها إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية المباشرة خصوصا في ظل أهميتها الاستراتيجية في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا، وهو ما ترفضه القيادة العامة للقوات المسلحة بشكل واضح، حيث أن الحل بالنسبة لها أبسط من ذلك ويتمثل في حل الميليشيات وإعادة بناء مؤسسات الدولة دون وصاية أجنبية، الأمر الذي يبدو الجانب الأميركي مقتنعا به، حيث جاء في بيان الخارجية الأميركية أن جهودا ملموسة تشمل معالجة المجموعات المسلحة والعناصر المتطرفة الموجودة في ليبيا.

ولكن المصادر المطلعة على فحوى الاجتماع أكدت أن الجانب الأميركي لم يطرح الطريقة التي سيتم بها حل الميليشيات، ولا أفق الحل السياسي، ولم يطلبوا رسميا من القيادة العامة وقف عملية طوفان الكرامة التي دشنتها القوات المسلحة في الرابع من أبريل الماضي.

وأوضحت أن الجانب الأميركي استمع إلى ملاحظات المشير حفتر، والتي فنّد من خلالها كل ما جاء على لسان وفد حكومة الوفاق في زيارته الأخيرة إلى واشنطن، والذي عاد بدوره إلى طرابلس بجملة من الملاحظات الأميركية حول سيطرة الميليشيات على قرار المجلس الرئاسي واستيعاب إرهابيين مطلوبين من الداخل والخارج في صفوف المقاتلين ضد الجيش من بينهم فارّون من المنطقة الشرقية كانوا ينشطون في صفوف مجالس الشورى بدرنة وبنغازي وإجدابيا المرتبطة عقائديا بتنظيم القاعدة من خلال فرعه المحلي أنصار الشريعة.

وكان وزيرا الخارجية والداخلية في حكومة الوفاق محمد سيالة وفتحي باشاغا أدّيا مؤخرا زيارة إلى الولايات المتحدة لطرح وجهة نظر جماعة الإخوان وآمري الميليشيات على الإدارة الأميركية باعتبارها وجهة نظر المجلس الرئاسي وحكومته، لكنهما فوجئا بأن لدى الإدارة الأميركية معلومات كاملة عمّا يدور على الأرض بما في ذلك طبيعة الدور الميليشياوي في تسيير مقاليد الحكم المنحدرة من صلب اتفاق الصخيرات قبل أربع سنوات.

كما أيقن سيالة وباشاغا أن استمرار سلطة الميليشيات هو ما يمثل عقبة في طريق الحل، وأن الإدارة تتفهم موقف حفتر خصوصا بعد تراجع رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج عن اتفاق أبوظبي غير المعلن في فبراير الماضي، وقبل ذلك فشل حكومة الوفاق في تنفيذ الترتيبات الأمنية التي أقرها اتفاق الصخيرات في 17 ديسمبر 2015، وتسرب تقارير عن حجم الفساد في مؤسسات الرئاسي، وثبوت نجاح الجيش في حماية منابع الطاقة بعد تحريرها من العصابات المسلحة سواء في الهلال النفطي أو في جنوب البلاد.

كل ذلك وغيره جعل وزير داخلية الوفاق فتحي باشاغا يعترف بعد عودته من واشنطن بأن هناك مجموعات مسلحة تبتز المسؤولين ومؤسسات الدولة في طرابلس، مشدّدا على أنها تعرقل بناء الدولة.

وأكد باشاغا، على ضرورة محاسبة معرقلي مسار أمن الدولة من خلال التعدي على المؤسسات الحيوية لها، لافتا إلى أن استتباب الأمن وبسطه عامل أساسي ومهم في بناء الدول والمجتمعات، وقال “إن هناك مجموعات وأشخاصا مسلحين يبتزون الدولة ويتدخلون في شؤون الدولة ويفسدون الحياة العامة للناس والحياة السياسية، وإنهم تسببوا في خلل كبير في قيادة الدولة ومنعها من القيام بمسيرة الإصلاح”.

وحاول باشاغا أن يتظاهر بإبداء حسن النية نحو ملاحظات أميركية باحتضان حكومة الوفاق لإرهابيين فارين من المنطقة الشرقية حيث أصدر كتابا إلى تسع جهات تابعة لوزارة الداخلية يتضمن تكليفا بالقبض على عماد فرج منصور الشقعابي، المنسق العام بين تنظيم أنصار الشريعة الإرهابي وتنظيم داعش.

ويشير المراقبون إلى أن الإدارة الأميركية مارست الضغط على حكومة الوفاق لحل الميليشيات، ولاعتقال الإرهابيين المتورطين في عمليات ضد الجيش ومن يهددون مشروع قيام الدولة، للمساهمة في إيجاد إطار تفاهم مع القيادة العامة للقوات المسلحة، لكن كل المؤشرات تدل على أن الميليشيات هي التي تتحكم في المجلس الرئاسي، وأن التظاهر بملاحقة الإرهابيين غير كاف لإقناع واشنطن بالدعوة إلى وقف عملية طوفان الكرامة.

سيكون على حكومة الوفاق الاعتراف بأن كل الحلول تمر عبر «الرجمة» حيث مكتب قيادة الجيش الليبي، والإدارة الأميركية ذاتها مقتنعة بذلك، يبقى أن هناك ترتيبات يجب أن يتم النظر فيها بخصوص العملية السياسية والمشاركين فيها، وفي أي إطار ستنطلق، ومن أية ثوابت؟ هل تلك التي يضعها الجيش ويصر عليها أم تلك التي تحاول واشنطن التفاوض بشأنها؟

7