فيتو مسيحي على منح فرنجية حقيبة وزارية وازنة في الحكومة اللبنانية

الجمعة 2016/11/18
إزاحة الخصوم والحلفاء تضمن الفوز الأكبر

بيروت - يسعى رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ورئيس المجلس النيابي إلى منح رئيس حزب المردة والمرشح الرئاسي “الخاسر” سليمان فرنجية، حقيبة وازنة في أول حكومة تتشكل في عهد رئاسة الجنرال ميشال عون. لكن مساعي الحريري وبري، تصطدم كما تؤكد معلومات متقاطعة من أكثر من جهة، بفيتو من التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية.

ويشير هذا المناخ إلى أن المسألة لا تتعلق بحدود الخلاف على الحقائب في الحكومة بل تؤشر إلى سيطرة مناخ من الصراعات وإعادة إنتاج الخيارات والتحالفات داخل كل التركيبة السياسية اللبنانية، المسيحية خصوصا.

ويمكن رد أسباب الفيتو الثنائي العوني القواتي على منح فرنجية حقيبة وازنة إلى عدة عناوين عريضة، منها أن جعجع كان يتخوف من تضخم نفوذ فرنجية في الساحة المسيحية عموما وفي منطقة الشمال خصوصا في حال وصوله إلى سدة الرئاسة، وهو السبب الذي دفعه إلى تأييد ترشيح عون الذي يسيطر الخلاف على أجواء علاقته بفرنجية على الرغم من انتمائهما إلى محور واحد.

وكان إقصاء فرنجية العنوان غير المعلن لحلف عون وجعجع، وليس الموقف السلبي من منح فرنجية حقيبة وازنة سوى استكمال لعناوين الحلف المضمرة.

ويبدو أن الحكومة التي يُنوى تشكيلها حاليا لن تكون حكومة العهد الأساسية بل إن مهمتها ستقتصر على التمهيد لإجراء الانتخابات النيابية التي ستعيد نتائجها إنتاج موازين القوى بشكل جديد.

فيما يعود إصرار جل القوى السياسية على الحصول على حقائب سيادية أو خدماتية، إلى قدرة من يحصل على هذه الحقائب على تمكين وضعه الانتخابي والتأثير في الجماهير ودفعها إلى التصويت له وتأمين فوزه في الانتخابات النيابية.

وتتعامل القوى السياسية مع هذه الفكرة كأمر محسوم، وتعتبر أن حرمانها من الحقائب الوازنة خدماتيا يهدف إلى التأثير على حظوظها في الانتخابات النيابية.

سليمان فرنجية: البلد اليوم بحاجة إلى خدمات ونريد وزارة ذات فعالية أكبر

ويمكن فهم الفيتو على فرنجية في هذا الإطار، حيث يسعى الحلف المسيحي الثنائي إلى شل قدرة فرنجية على التأثير في الناخبين وتقديم الخدمات لهم، وهو ما سيؤدي إلى تقليص حجم كتلته النيابية في الانتخابات القادمة.

ورسمت العهود العسكرية المتلاحقة من إميل لحود مرورا بميشال سليمان وصولا إلى ميشال عون ملامح بلد يعيش في أزمة مستمرة تتطلب وجودا عسكريا على رأس السلطة تحت عنوان الضبط وفض النزاعات.

ويمتاز فرنجية بأنه النقيض المباشر للعناوين التي تسمّ رئاسات العسكر وحضور الشخصيات العسكرية ونفوذها في الوسط المسيحي واللبناني.

ففرنجية قادم من منطقة أخرى لا ترتبط بالأزمات وفض النزاعات بقدر ما ترتبط بمشهد التسويات.

ولحظة وصول الجنرال عون إلى سدة الرئاسة هي لحظة ملتبسة مبنية على واقع الصراعات الزلزالي والآيل لتقلّبات عنيفة وحادة لن تسفر في نهاية المطاف سوى عن تسويات تتطلب إزالة العسكر من واجهة مشهد السلطة، والبحث عن شخصيات تنسجم مع متطلبات المرحلة الجديدة.

لحظة وصول الجنرال هي لحظة اختلال التوازنات لصالح فريق في حين أن لحظة فرنجية المنتظرة تتخذ صيغة ثبات التوازنات.

وتتخوف الثنائية المسيحية من هذا الواقع، حيث يخشى التيار الوطني الحر من تكون رئاسة الجنرال هي الحد الأقصى الذي يمكن أن يحظى به والذي ستتبعه فترة انحدار وتراجع ما لم ينجح هذا العهد في تمكين سيطرة التيار على القرار المسيحي.

ويخشى جعجع من أن تؤدي التطورات إلى الدفع بفرنجية إلى واجهة الأحداث على حساب طموحاته الرئاسية والشعبية المسيحية، خصوصا وأنه يعرف أن التحاقه بعون مغامرة خطيرة في حال لم ينجح في انتزاع حصة وازنة لنفسه ضمن تركيبة السلطة تجعله الوريث الشرعي للتيار الوطني الحر الذي يعيش مع رئاسة عون عهده الذهبي.

ونجح فرنجية في إنجاز مصالحة مع المكون السني في لبنان ومع المحيط العربي، فهو على الرغم من انتمائه إلى محور الممانعة، إلا أنه لم يورط نفسه في الهجوم على السعودية ولم يعمد إلى استعدائها كما فعل التيار الوطني الحر.

ويشكل هذا الأمر عاملا أساسيا في تركيب خارطة المرحلة القادمة التي يرجّح أن يتمتّن فيها الحلف السني في لبنان والمدعوم من المحيط العربي.

ولا ينظر الجمهور السني في لبنان إلى رئاسة عون بعين الرضا قياسا على تاريخ الصراع بينه وبين التيار الوطني الحر.

وتضاف إلى ذلك أن العلاقة بين القوات اللبنانية والمستقبل والتي ليست على ما يرام لأن الحريري أنجز الاتفاق مع التيار الوطني الحر بمعزل عنها.

وفرنجية هو المرشح الأكثر حظا لكي يكون الشخصية المسيحية الأكثر قبولا في المرحلة القادمة، وهو ما يسعى كل من جعجع وعون إلى نسف المعطيات التي تؤمّن نجاحه.

ولا يزال التيار الوطني الحر يصر على طرح مشروع القانون الأرثوذوكسي، وهو ما تتوافق معه عليه القوات مبدئيا، وإن كانت تبدي انفتاحا على إقرار قوانين أخرى.

ويمكن ربط الفكرة من التأكيد على أولوية هذا القانون من قبل الثنائية المسيحية برفض منح حقيبة وزارية وازنة لفرنجية من خلال موضوع تضييق حدود التحالفات الانتخابية، وحصرها في حدود الطائفة المسيحية.

ويهدف هذا المنطق إلى حصر حدود فرنجية في الإطار المسيحي البحت، ما يفقد علاقته بالأطراف الإسلامية من ناحية أيّ جدوى انتخابية ويجعل من ناحية أخرى قدرته على التأثير على الناخبين المسيحيين في منطقته محدودة.

وهكذا تكتمل عملية الحصار المزدوجة قانونيا عبر طبيعة القانون الانتخابي من ناحية وميدانيا من ناحية ثانية، حيث يمكن أن يتسبب عجز فرنجية عن تقديم الخدمات إلى جمهوره في تفكيك شعبيته.

والنتيجة المتوقعة من هذا الحصار، كما تنظر إليه الثنائية المسيحية، ستكون دفع جمهور فرنجية إلى الالتحاق بركب الثنائية المسيحية التي تمتلك قدرة أكبر على التأكيد على أنها وحدها القادرة على تحويل عنوان حقوق المسيحيين إلى أفعال وفرص عمل.

6