فيتو من إسلاميّي إندونيسيا على المشروع التركي في آسيا

إسلاميو إندونيسيا يعتبرون أن مشروع أنقرة يعمل لخدمة القومية التركية أكثر منه مشروعًا لنصرة القضايا الإسلامية.
الجمعة 2020/01/10
فك الارتباط مع مشاريع إسلاميين توسعية

بدت مساعي دول إسلامية غير عربية لتكوين رابطة إسلامية جامعة ارتكانًا لارتباطها الوثيق بالإسلاميين أقرب إلى الأوهام، نتيجة الاختلافات بين الدول التي نشأت بها تلك الحركات، ولعوامل تنظيمية تنحاز إلى مشروع إسلامي وطني وليس أمميا. ويرجح أن تعلن كيانات إسلامية جديدة في كل من إندونيسيا وباكستان وأفغانستان قريبا عن تبني البعد المحلي بديلا عن أممية إسلامية جديدة طاغية من قبيل المشروع التركي.

أصبح الجهاديون والحركيون في إندونيسيا الذين أنهكتهم المواجهات مع الأنظمة على مدى عقدين أكثر انحيازا إلى مسارات براغماتية تعزز علاقاتهم مع مجتمعاتهم وتطور حضورهم في المشهد السياسي والاجتماعي، وإن تطلب ذلك تقديم تنازلات تمس قناعاتهم الفكرية السابقة. وأيقنت تلك الفصائل أن ثمن حضورها السياسي، ولو كان هامشيا خلال هذه المرحلة، هو طمأنة حكوماتها بأنها لا تمثل تهديدا لها كما كانت في السابق، ومستعدة للنشاط العلني وفق شروط الدولة، تقديمًا للمصلحة الوطنية على مصالح الجماعات وانتصارًا للقومية لا الأيديولوجيا.

ساهم في هذه التحولات التعلم من دروس الشرق الأوسط واستيعاب تجارب المنطقة العربية ما بعد انتفاضات الربيع العربي، علاوة على هضم تجربة مراجعات الجماعات الجهادية في مصر.

خرجت تلك الفصائل بصيغ فكرية تمزج بين الوطنية والإسلام، وتتخذ من المشتركات القومية منطلقا للتوافق والتناغم مع الكيانات والهيئات المحلية، عوضا عن التأثر بالأفكار والمناهج الأممية التي تواصل محاولات غزوها لهذه المناطق منذ الحرب الأفغانية مع جهود تنظيم القاعدة، وصولًا إلى محاولات تنظيم داعش، وأخيرًا مع مشروع الكونفدرالية الإسلامية الأممية الذي تطمح تركيا لتزعمه.

اكتسبت الجماعات الإسلامية في إندونيسيا القوة والنفوذ الجماهيريين في بداية تأسيسها رغم طابعها الشمولي بحكم مرجعياتها الفكرية، لأنها مزجت بين البعديْن الوطني والإسلامي، وروّجت لعملياتها ضد السلطة المحلية والسياح الأجانب، ليس فقط بوصفهم مناوئين لسلطة جمهورية إندونيسيا الإسلامية التي قدموا أنفسهم بوصفهم قادتها وزعماءها، إنما بوصفهم بقايا وفلول الاحتلال الهولندي بعد رحيله.

كانت لحظة إعلان الاستقلال في عام 1945 مثالية للإسلاميين بقيادة عبدالله سونكا ونائبه أبوبكر باعشير لإعلان جمهورية إسلامية تحكم بالشريعة وفق تصوراتهم ولا تدين بالولاء والطاعة للسلطة القائمة.

قبل ذلك بأعوام قليلة كان ذلك السبب نفسه الذي منح جماعة الإخوان في مصر حضورها الشعبي. فعلى الرغم من مقولة أن تأسيسها كان بهدف استعادة الخلافة عقب سقوط السلطنة العثمانية في عام 1923، إلا أن التعبير عن رغبة الأمة في استعادة الخلافة لم يكن تأثيره يُقارَن بتأثير الترويج للجماعة ككيان يناضل في سبيل التحرر من الاستعمار.

صعود الوطن وهبوطه

زاوج حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان بين الهدف الوطني والأممية الإسلامية، محددًا هدف تأسيس جماعته بالسعي، أولا، لتأسيس حكومة إسلامية هدفها إصلاح المجتمع وتخليصه من الاستعمار، وهي مرحلة سابقة ومُمِهدة للخلافة الإسلامية وأستاذية العالم التي تعني استعادة التفوق الإسلامي على الغرب، كما كان الحال في القرون الوسطى، لكنها لا تطغى عليها ولا تلغيها أو تسبقها.

حضور جماعة الإخوان على مدار عقود في الحالة المصرية عائد في المقام الأول إلى التشبيك بين البعد الأممي والقضية الوطنية، لأن هناك كيانات سياسية كالحزب الوطني بقيادة الزعيم المصري مصطفى كامل آنذاك، عبّرت عن فكرة مشابهة وتراوحت أطروحتها بين الوطنية المصرية والأممية الإسلامية عبر الولاء للجامعة الإسلامية والسلطنة العثمانية قبل أن تسقط.

خسر عموم تيار الإسلام السياسي العربي البعد الوطني في تصوراته وممارساته على الأرض بعد عام 2011، وصار معبرا عن مشروع خارجي مناهض للمصلحة الوطنية والقومية تحت شعارات أيديولوجية، وهو ما حرص الإسلاميون في إندونيسيا على عدم التورط فيه للحفاظ على ما تبقى من شعبيتهم ولقناعتهم بأن ما فعله إسلاميو العرب ضد المصلحة الحقيقية، ولا يخدم قضايا المسلمين العادلة.

حدث افتراق منهجي وحركي بين حالة الإسلام السياسي في المنطقة العربية، ونموذجه في إندونيسيا، عقب أحداث الثورات والمراجعات الفكرية للجهاديين العرب، بعد العديد من المراحل التي مر بها الجناح الإندونيسي، بداية من إعلان الجمهورية الإسلامية القائمة على النهج التكفيري الانفصالي حيث المسلمون هم فقط من ينضوي تحت لواء الجمهورية الإسلامية، مرورًا بالتأثر بمنهج الجماعة الإسلامية المصرية ليتحول الاسم إلى الجماعة الإسلامية بدلًا من الجمهورية الإسلامية في عام 1993، تزامنًا مع المشاركة في الجهاد بأفغانستان والاختلاط بتنظيمات الإسلاميين والجهاديين العرب.

أعلن إسلاميو إندونيسيا رفضهم نظام الخلافة بوصفه الصورة الموحدة للدولة الإسلامية شاملًا جميع ولايات وشعوب الأمة المسلمة دون حدود الدولة القومية لأول مرة تزامنًا مع الثمن الفادح الذي دفعوه نتيجة التحالف مع تنظيم القاعدة الذي حول الساحة الآسيوية، خاصة الفلبين وماليزيا وإندونيسيا، إلى منصة لنفوذه وإطلاق عملياته الإرهابية، ليس فقط مستهدفًا الداخل الآسيوي إنما خصومه التقليديين في دول الغرب والولايات المتحدة.

دروس تجربة تنظيم القاعدة تؤكد ضرورة عدم الارتهان لمشاريع خارجية
دروس تجربة تنظيم القاعدة تؤكد ضرورة عدم الارتهان لمشاريع خارجية

جاءت استجابة الجماعة الإسلامية الإندونيسية (التي تعتبرُ الكيان الجهادي في جنوب شرق آسيا) في حدودها الدنيا لخدمة أهداف وتوجهات القاعدة واستراتيجية أسامة بن لادن، وتم الإعلان عن رفض فتوى قتال اليهود والنصارى وعدم المشاركة في تحالف جهادي وإسلامي موسع تُصرف خلاله الجهود والطاقات البشرية خارج سياق الهدف الرئيسي، وهو تعزيز النشاط والحضور في الداخل الآسيوي.

لم يكن التنسيق والتعاون بين القاعدة والجهاديين في إندونيسيا يحدث إلا بجهود منفردة لجبهة واحدة بقيادة رضوان عصام الدين، الشهير بحنبلي، الذي شارك بمجموعته الجهادية في غالبية عمليات القاعدة بجنوب شرق آسيا وبعض العمليات الكبرى التي استهدفت الولايات المتحدة دون علم وتنسيق مع القيادة العامة للحركة، وفي مقدمة تلك العمليات تفجيرات أعياد الميلاد في ديسمبر 2000 والهجوم المتزامن على الكنائس في إندونيسيا، ثم تفجيرات بالي في 12 أكتوبر 2002.

ولم يعلم قادة الجماعة الإسلامية الإندونيسية من داخل القطاعات الأخرى بما قام به حنبلي بالتعاون مع تنظيم القاعدة وبتمويل مباشر من خالد شيخ محمد الذي كان مسؤولًا عن عمليات القاعدة في جنوب شرق آسيا والمشرف المباشر على نشاط حنبلي ومجموعته، بعيدًا عن علم قادة جماعته الإندونيسية الذين جاءتهم أخبار التفجيرات بعد وقوعها.

لم يؤدّ ذلك إلى القبض على شبكة حنبلي فقط، بل قاد إلى القبض على أعضاء مختلف القطاعات ليس في إندونيسيا فحسب، بل شملت الملاحقات والتوقيف شبكة الجماعة في كل من إندونيسيا وماليزيا وعموم دول جنوب شرق آسيا.

صار يُلقى القبض على أي شخص يوفر الحماية لمجموعة حنبلي، ولذا انكشفت المجموعة بعد أن تم عزلها واضطرار قطاعات الجماعة الإسلامية الثلاث المتبقية إلى الانقلاب عليها حتى لا تدفع فاتورة ممارسات حنبلي ومجموعته.

ودفع هذا غالبية أعضاء الجماعة إلى الامتناع عن إيواء وحماية مجموعة حنبلي، وإعلان مختلف القطاعات الإقليمية رفض ممارسات قطاع حنبلي، ما ترجمه ناصر عباس أحد قادة الجماعة بقوله “هم من تغوطوا ونحن من علينا أن ننظف لهم”.

استوعب إسلاميو إندونيسيا جيدًا درس تجربة تنظيم القاعدة ومؤداه التوجه إلى الداخل وعدم الارتهان بمشاريع خارجية.

تجاوز السردية الأممية

تشير تطورات الأحداث إلى أن الكتلة الأهم من إسلاميي إندونيسيا تجنح لمواءمات تنتصر للمصلحة الوطنية، وذلك منذ فك الارتباط بالقاعدة ثم انشقاق أمان عبدالرحمن زعيم تنظيم أنصار الدولة الموالي لداعش، وهو الفصيل الجهادي الوحيد بإندونيسيا الذي يعتنق الخلافة بطرحها الأممي والذي نفذ عمليات إرهابية عبر الذئاب المنفردة والعمليات العائلية، وإطلاق سراح أبوبكر باعشير رئيس مجلس المجاهدين في يناير 2019 وانخراط الجهاديين التقليديين في المشهد السياسي والمنافسات الانتخابية.

ويرفض إسلاميو إندونيسيا الانجرار وراء مشاريع أممية خارجية سواء تلك التي يتزعمها تنظيم داعش، أو التي تقودها تركيا وإيران وقطر انطلاقًا من جنوب شرق آسيا لإنقاذ مشروع الإسلام السياسي وإعادة بعثه بعد هزائمه وتراجعه بالمنطقة العربية.

تجاوزت الكتلة الإسلامية الأكبر والأهم في إندونيسيا السردية الأممية التي طرحتها قمة كوالامبور التي كان يخطط لها كي تكون إيذانًا بانطلاق مشروع تأسيس كونفدرالية الخلافة التي تضم 61 دولة تحت قيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

التقط الإسلاميون في إندونيسيا التناقض في بنية هذا المشروع الأممي منذ إعلان انفصالهم عن خطط تنظيم القاعدة، عبر قناعة مفادها أن الجهود التي تُصرف في إضعاف وتمزيق واقع إسلامي محلي لا يُرجى منها تدعيم وتقوية الأمة الإسلامية، وأن إضعاف قدرات النظام العربي عبر ممارسات الإسلام السياسي المدعوم من تركيا وإيران وقطر أضعف قدرات الأمة الإسلامية في انتزاع حقوق تؤمن بها وتناضل من أجلها مثل حق تحرير المقدسات والأرض التي تحتلها إسرائيل.

يجد إسلاميو إندونيسيا أن مشروع الأتراك يعمل لخدمة القومية التركية أكثر منه مشروعًا لنصرة القضايا الإسلامية، في وقت اعتبر فيه الأتراك ومعهم إسلاميون عرب أن توحيد أمة العرب مناهض للإسلام، لذا يستهدفون تقويض الكيانات الجامعة وأي مظهر من مظاهر الوحدة العربية، وهذا ينسحب على مختلف القوميات الآسيوية، وأصبح إسلاميو آسيا مطالبين بمناهضة قومياتهم دعما للمشروع الأممي.

يرجح هذا الطرح لدى الإسلاميين في إندونيسيا ما يُجْرونه من مقارنات بين مصر وتركيا من جهة، وبين المملكة العربية السعودية وتركيا من جهة أخرى، حيث يتندرون على من يروج لفرضية أن تركيا العلمانية التي لا تطبق الشريعة ولا تحظر العري والبغاء تتقدم لزعامة المسلمين وأنها أكثر إسلامًا من بلاد الحرمين ومن مصر بلد الأزهر الشريف، علاوة على أنهم يستنكفون تلك الزعامة على بلادهم التي تعد أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان.

بات قادة التيار الإسلامي العام في إندونيسيا على قناعة بأن الأمة بحاجة إلى رؤى جامعة ومُوحدِة لا إلى أيديولوجيا سياسية لفريق بعينه تكرس الفرقة والتشرذم، وأن تورط الإسلام السياسي العربي في المشروع التركي أدى إلى إضعاف المجال الإسلامي السني عبر مشاكسة السعودية وإدخال تنظيمات متطرفة سنية إلى حلبة المنافسة، وإنتاج نسخ أصولية تتصارع فيما بينها من جهة ومع القوى العربية السنية القائمة من جهة أخرى بزعم احتكار تمثيل المسلمين السنة.

يراهن مفكرو هذا التيار على المزاوجة بين الفكرة الوطنية والبعد الإسلامي، كصيغة تعزز الدولة الوطنية، كونها الوحيدة القادرة على احتواء التنوعات الطائفية والإثنية تحت عنوان المساواة والمواطنة، وعدم السماح باختراقها أو استهدافها بمشاريع أيديولوجية أو مذهبية أحادية من شأنها تفجير كيان الدولة ومحو هويتها وتفتيتها إلى كيانات متصارعة في ظل ازدهار النزعات الانفصالية للأقليات ودعمها من قبل قوى خارجية.

13