فيديريكيو فيليني عاشق روما الذي خلق منها عالما سينمائيا

السبت 2015/03/21
فيليني رؤيوي متعدد علم نفسه صناعة الأفلام بأسلوب مختلف

نحن الآن في أواخر شهر مارس 1993، المخرج الإيطالي الكبير فيديريكو فيليني بصحبة زوجته الممثلة جوليتا ماسينا، رفيقة دربه طيلة نصف قرن من حياته، إنها ليلة إيطالية بامتياز هناك في لوس أنجلوس، على المسرح تقف صوفيا لورين تتحدث عن رجل أفنى عمره وراء الكاميرا وصنع أفلاما تلقفها الجمهور والمهرجانات والجوائز منذ البدايات، رشح وفاز مرارا بجائزة الأوسكار إنه فيديريكو فيليني. في وسط هذا المشهد سينضم الممثل الشهير مارسيلو ماستروياني الذي تحدث عن رحلة أمدها أربعون عاما مع فيليني وليقدمه إلى الجمهور الذي غصت به قاعة البافيلون لمنحه الأوسكار الشرفية عن مجمل أعماله.

فيليني على الخشبة مجللا بأعوامه التي زادت على سبعة عقود، يقول إنه لم يتوقع أن يمنح هذه الجائزة، وإنه كان يتوقع أن يحصل عليها فيما بعد وتحديدا بعد ربع قرن ولكنه بعد خمس سنوات فقط من ذلك الحدث الكبير يكون قد رحل مخلفا إرثا سينمائيا ضخما ينشغل به العالم أجمع.

الإيطالي الفريد

فيليني ظل إيطاليا إلى النخاع، في لهجته وعاداته ونظام حياته، لم تسحره هوليود وهو في ذروة مجده وشهرته ولا استطاع الإقامة في بلاد أخرى، إذ بقيت موضوعاته مأخوذة إلى روما وإلى الحياة الإيطالية.

هاهو شاب يافع، من مواليد العام 1920، في لقطات أرشيفية بالأبيض والأسود، لقطات مهتزة تعود إلى صيف العام 1944، عندما تحررت روما بعد الحرب العالمية الثانية ومبكرا ينضم إلى زميله روبيرتو روسيليني في تأسيس الواقعية الإيطالية الجديدة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وهاهما يتشاركان في كتابة فيلم روسيليني الشهير روما مدينة مفتوحة – 1945، هنا ماتزال وحشية النازيين طرية في الأذهان ولهذا تتجسد على نطاق واسع من خلال الأحداث ومن خلال شخصيات الفيلم وليتوج الفيلم بالجائزة الكبرى لمهرجان كان-1946 وليرشح السيناريو الذي كتبه فيليني نفسه لنيل جائزة الأوسكار.

هذه البداية المبكرة لشاب في عشريناته يستذكرها فيليني في حوار معه قائلا “لم أكن أعلم الكثير عن السينما، بل لم يكن يخطر في بالي قط آنذاك أن أصبح مخرجا سينمائيا، كنت عاشقا للأدب وعندما قابلت روسيليني بدا كمن يقشع الضباب عن طريقي، وسرعان ماانغمست في كتابة السيناريو، تطوير الشخصيات والأفكار الواقعية إلى صور، كان روسيليني معلما وملهما كبيرا بالنسبة لي، وكان حلم (روما مدينة مفتوحة) يكبر ويتحول إلى واقع بين أيدينا”.

في فيلم "ساتيريكون- 1969"، يترك فيليني العنان لنفسه متدفقا، بعض النقاد عده متأثرا بالسريالية السينمائية التي مثلها لوي بونيول، إنها مزيد من التداعيات الصورية والانثيالات المرتبطة بالذاكرة المجردة

صانع الحياة الواقعية الحلوة

روما نفسها ستشهد إعادة قراءته للسينما وإسباغ ماتراكم في ذهنه من فن الباروك إلى غرائبية كافكا، إلى حرفية صناعة الشخصية عند وليم فولكنر، وهاهو يغوص في كل هذا وهو في أثناء العرض الأول لتحفته السينمائية الكوميدية “أنا فيتيلوني”، وهنا في مهرجان فينسيا يقدم النجم الإيطالي الشهير البيرتو سورديوهي روما نفسها في فيلمه ذائع الصيت “دولتشا فيتا” أو الحياة الحلوة 1960، تنويع آخر على تلك الكوميديا الغرائبية لذلك الكاتب في الصحافة الصفراء، وأن فيليني نفسه كان كاتب أعمدة ومقالات في مستهل حياته، راويا للقصص، وهاهو الصحافي (يؤدي الدور الممثل الكبير مارسيلو استرياني) في سلسلة تمتد إلى بضعة أيام، رحلة مرة يجد هذا الصحفي في روما ملاذا، يصفها بأنها أقرب إلى “غابة متشابكة وغامضة يسهل للمرء الاختباء فيها”، فيما تقع المفارقة وهو يصادف فتاة أنيقة تضيق ذرعا بروما المكان والمدينة وتبحث عن مدينة أخرى تستقر فيها.

هكذا، في فضاء روما وفي دروبها يروي ذلك الصحافي المتعدد الاهتمامات يومياته أو هو يجسدها بساعاتها، وغالبا في إطار مجتمع مخملي يتحول إلى مصدر مهم لأخبار تلك الصحافة المشاكسة.

رشح الفيلم لنيل جائزة الأوسكار وفي نفس الوقت حصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان وقوبل باهتمام كبير جماهيريا، بل خلف وراءه ردود أفعال بعضها كان ساخطا من طرف أوساط برلمانية وسياسية وصولا إلى الفاتيكان، وانقسم جمهور الفيلم بين مرحب ومعترض.

سيمر فيليني بحالة اكتئاب شديد تتطلب خضوعه إلى علاج مكثف بمساعدة زوجته، وهي مناسبة لإطراء جوليتا ماسينا الزوجة والصديقة والشريكة في العاطفة كما هي نجمة السينما، الممثلة والمديرة لأعمال فيليني بل هي الدائرة التي تدور في فلك فيليني وتمنح لحياته طعما ومعنى، هكذا ظل يصرح مرارا حتى موته وأنه لم يكن ليتصور الحياة من دونها.

فيلم لاسترادا “الطريق” 1954، الذي قدم فيه الممثل الكبير أنطوني كوين إلى جانب زوجته نفسها الممثلة جوليتا ماسينا، تلك الفتاة التي ترفرف من حولها أشباح اختفاء أختها بصحبة ذلك الرجل مفتول العضلات الذي هو أقرب إلى شخصية المهرج والذي يستعرض قدراته الخارقة ليصنع مفردات عيشه، هكذا في خليط من السخرية والبطولة الإيهامية، تلك السخرية التي كان فيليني قد برع فيها من قبل في كتابة السيناريو بشكل خاص، هذا الفيلم أطلق اسم فيليني على نطاق واسع بحصوله على أوسكار أحسن فيلم بلغة أجنبية والعديد من الجوائز في مهرجانات عالمية أخرى.

بالرغم من كل متغيرات السياسة وتقلباتها تلك التي كانت تدور بضجيجها من حول فيليني منذ البدايات، وبالرغم من كل مؤامرات الساسة وقصصهم التي ألهبت الرأي العام في إيطاليا إلا أنها لم تحرك في فيليني– السينمائي أن يركب قطار السياسة، ولا أن ينضم لحزب ما أو تيار، ولا أن يصرح بمواقف سياسية مباشرة مع أو ضد

في فيلم “ليالي كابريا” في العام 1957، عرض مفعم بالواقعية مع شيء من العاطفة الغامضة في تبدد حياة الفتاة الشابة كابيريا التي عرفت بائعة للهوى وإذا بها تبحث عن حبها المفقود، إمرأة في مجتمع ذكوري تصنع هي بنفسها رؤيتها لذلك المجتمع خاصة وسط مفارقات متنوعة في تلك الليالي التي تمضيها سواء في النادي الليلي أو وهي تلتقي “أوسكار”، فتى أحلامها الذي تبيع لأجله كل شيء كي تحظى بالعيش معه، وليكون المشهد الأخير الذي يشهد إحباط كابيريا وفشل حبها من المشاهد التي تسجل علامة في تاريخ السينما، المرأة الممزقة الغارقة في دموعها وسط ثلة من الفتية تشاركهم اللعب وليحظى الفيلم بجائزة أحسن ممثلة لجوليتا ماسينا وجائزة أوسكار أحسن فيلم أجنبي في ذلك العام.

الأزمنة الذهبية

في الستينات، الحقبة المزدهرة في حياة فيليني كما هي على صعيد السينما الأوروبية والإيطالية، هنا سيكون فيليني قد مضى قدما في مشواره وهاهو في العام 1963، يعود إلى منجزه متسائلا إلى أين؟ إنها ثمانية أفلام ونصف الفيلم كل منجزه حتى ذلك العام، ستة أفلام روائية طويلة، فيلمان قصيران وفيلم بمشاركة مخرج آخر وهذه المرة أيضا مع مارسيلو ماستروياني والفيلم حمل اسم “ثمانية ونصف”، وكأنه يستبطن ذاكرة ووعي ذاتي وقد أصبح ماستروياني الممثل الأرجح في أفلامه من بين سائر الممثلين وليحظى الفيلم بجائزتي أوسكار لأحسن فيلم أجنبي وأحسن أزياء، ويعرض بنجاح في مهرجانات عدة منها كان وموسكو.

هي كما ذكرنا من قبل الأزمنة الذهبية، ازدهار سينما المؤلف وظهور التيارات السينمائية الجديدة في منارتين مهمتين للسينما في ألمانيا وفرنسا، وبموازاتهما كانت هنالك سينما متجددة في روما يصنعها فيليني وثلة من المخرجين الإيطاليين وهو الذي يمكن عده فنانا شاملا، قرأ السينما من خلال المسرح الهزلي ورسم الكاريكاتور والمقالات الساخرة وكتابة السيناريو والقصة والرواية والشعر.

في فيلم “ساتيريكون- 1969”، يترك فيليني العنان لنفسه متدفقا، بعضهم عده متأثرا بالسريالية السينمائية التي مثلها لوي بونيول، إنها مزيد من التداعيات الصورية والانثيالات المرتبطة بالذاكرة المجردة، تختلط فيها صور من الماضي، وهو اتجاه جديد غلى حد كبير في مسار فيليني ولكنه علامة شاخصة من علامات نضجه وتحول الفيلم إلى مرويات سردية خاصة به وحده تحمل بصمته إذ امتلك حريته الكاملة في تقديم تجربته السينمائية، هنالك من اتهم الفيلم بأنه يحمل نوعا من الرؤية القاتمة، تلك المقاربة الناقدة لانهيار الحضارة الرومانية في مقابل حياة تعج بالصخب السياسي الراهن الذي تحياه إيطاليا.

عن رواية لأيرمانو كافازوني، يصنع فيليني فيلم "صوت القمر" في 1993، الفيلم الذي رأى العالم فيه كثافة سردية من المرويات الشعبية والفولكلورية ممزوجا بغرائبية معتادة في أعمال فيليني، وإلا فما معنى ألا يكون أمام تلك الشخصيات الغرائبية سوى محاولة اصطياد القمر

ولم تكن سيرة النساء إلا جزءا من ذاكرته المشوشة أحيانا والثاقبة أحيانا أخرى، العالم الذي تمتلكه النساء وتسوده من خلال حضور فعال في فيلم غرائبي يحمل اسم “مدينة النساء” في العام 1980، وحيث النجم الأشهر مارسيلو ماستروياني كمن يدخل مغارة علي بابا نسائية من عربة القطار حيث يقابل إمرأة ما ثم إلى نزل مليء بالغرائبيات وكان قد شرع في إطلاق تلك الفانتازيا في فيلم “كازانوفا” في العام1976، صورة مقلوبة وعتيقة لتلك السيرة التاريخية لزير النساء الذي تبددت أيامه والفزع يفتك به وتداعيات الشيخوخة والماضي تتراكم ملقية بظلالها على حياته اليومية.

سياسة وسخرية

لكن تلك التداعيات التي تتدفق في ذهن الشاعر – السينمائي مثل أحلام مترامية ستمتد بعيدا وصولا إلى تلك السريالية الغرائبية، لكن غير المنفصلة عن الواقع في فيلم “صوت القمر” -1993، المأخوذ عن رواية لأيرمانو كافازوني،هنالك من رأى فيه كثافة سردية من المرويات الشعبية والفولكلورية ممزوجا بغرائبية معتادة في أعمال فيليني، وإلا فما معنى ألا يكون أمام تلك الشخصيات الغرائبية سوى محاولة اصطياد القمر، كثير جدا من الخوض في أحاسيس روحية وماورائيات في شكل شعري ترك فيليني لنفسه مرونة كبيرة في مقاربة الرواية والخروج منها بتلك الحصيلة التي اختتم فيها فيليني رحلته السينمائية (توفي في العام 1993).

وبعد هذا، ورغم من كل متغيرات السياسة وتقلباتها تلك التي كانت تدور بضجيجها من حول فيليني منذ البدايات، ورغم من كل مؤامرات الساسة وقصصهم التي ألهبت الرأي العام في إيطاليا إلا أنها لم تحرك في فيليني – السينمائي أن يركب قطار السياسة، ولا أن ينضم لحزب ما أو تيار، ولا أن يصرح بمواقف سياسية مباشرة مع أو ضد، أي كان على الدوام يترك لأفلامه المساحة الكافية والحرية في مواكبة الحياة وبما فيها من متغيرات سياسية، وهي التي ترصد وتناقش وتسخر أقصى درجات السخرية من الساسة وأخطائهم وممارساتهم، وقد أبدع حقا في استخدام تلك السخرية التي ظلت تشكل علامة فارقة في أفلامه، فيها نوع من الاستعارات اللاذعة والتوريات التي كانت تصيب المشهد السياسي في الصميم، وكان المشاهدون يجدون فيها كثيرا جدا مما يبحثون عنه من قراءة ناضجة وساخرة أيضا لذلك الواقع.

15