فيروز.. آخر حراس عهد الكرامة الفنية العربية

الأحد 2013/12/01
ناطورة المفاتيح.. وسفيرة لبنان إلى النجوم.. وجارة القمر

بيروت - في سنة 2010، وبعد غياب سنوات أطلت فيروز محمّلة بـ «إيه فيه أمل..»، عودة أسكتت الأصوات التي حاولت تشويه سمعة الأغنية العربية، وأخجلت وسائل الإعلام الدعائية. عادت أرزة لبنان وهي تصدح قائلا «إيه فيه أمل.. !»، من خلال ألبوم غنائي ضم 12 أغنية.

الملايين من عشّاق أرزة لبنان، انتظروا فيروز 2010، واستقبلوها على هودج موشّى بكلّ معاني الحبّ والتقدير والوفاء؛ والقليل من «أعدائها» انتظروا أيضا فيروز 2010 بحثا عن أثار الزمن وما خلّفه في صوتها؛ لكن الزمن أبى أن يقترب من صوت هذه الأسطورة الحيّة، وتوقّف إجلالا لها ورحمة بما تبقّى من رفعة عربية فنية. وهذه الملايين تتطلّع اليوم، والمطربة اللبنانية تحتفل بعامها الثامن والسبعين، لألبوم غنائي تجدّد معه أملها في أحلام "وردية" تعي هذه الملايين أنها لن تتحقّق، لكنها تتمسّك بها لأنها الأمل.


البنت الشلبية ذات الصوت الخافت


نهاد رزق وديع حداد، الشهيرة بفيروز، ولدت يوم 23 نوفمبر 1935، وهي الابنة البكر لوديع حداد وليزا البستاني. عاشت فيروز في بيت متواضع جدّا في زقاق البلاط، الحي القديم المجاور لبيروت، حيث تعايشت عائلات لبنانية من جميع الطوائف، حياة مشتركة وآمنة، يجمعها حبّ لبنان الوطن، وأيضا صوت الطفلة نهاد حدّاد الذي كان يخفّف عنهم برد الشتاء وقسوة الحياة ويمنحهم الأمل.

عمل الأب حدّاد جهده ليدخل أبناءه، نهاد وهدى وآكال وجوزيف، إلى المدرسة، وهناك وجدت نهاد الفرصة لتطلق العنان لصوتها الذي كان مميزا، واختصّت بغناء الأناشيد الوطنية. وفي إحدى حفلات المدرسة، في أربعينات القرن الماضي، حضر الفنان محمد فليفل، بحثا عن مواهب من الأطفال لأداء أناشيد وطنية في الإذاعة اللبنانية حديثة العهد.

كان من المتوقّع أن يعحب فليفل بصوت نهاد، لكن اعترضته عقبة وهي رفض والدها المحافظ لفكرة أن تغني ابنته للعامة من الناس. لكن نجح فليفل في النهاية في إقناع الوالد وتطمينه إلى أن نهاد سوف تشارك فقط في غناء الأغاني الوطنية وأنه سوف يتحمل نفقات تعليمها في المعهد الموسيقي الذي ترأسّه في ذلك الوقت وديع صبرا، ملحن النشيد الوطني اللبناني.

وكان فليفل يدرك، بحسه الموسيقي، قيمة الجوهرة الصوتية التي عثر عليها وسط الحي القديم، فعكف على صقلها والعناية بها، لدرجة أنه منع على الطفلة نهاد تناول الطعام المبهّر والحمضيات أو أي شيء آخر يمكن أن يؤذي حبالها الصوتية. كما حذرها من غناء الطبقات العالية أو المقاطع التي تتطلب جهدا شديدا. وأبرز درس قدّمه فليفل لفيروز هو أنه علّمها تجويد القرآن الكريم، الدرس الذي ساعدها كثيرا فيما بعد.

دخلت نهاد حداد المعهد الوطني للموسيقى، حيث درست أربع سنوات. ثم جاء اليوم الموعود حين وقفت أمام اللجنة المكوّنة من حليم الرومي وخالد أبو النصر ونقولا المنّي وآخرين ممن عينوا لفحص الأصوات لصالح الإذاعة اللبنانية. وقفت الشابة نهاد وقفتها التي حافظت عليها على مدى مسيرتها الفنية، وغنّت على إيقاع عود حليم الرومي، "يا ديرتي" لأسمهان. ذهل حليم الرومي بصوتها لدرجة أنه توقف عن العزف في منتصف الأغنية. وغنت نهاد أكثر وأكثر، حتى حازت على تقدير كل أعضاء اللجنة التي اختارتها كمغنية في فقرة الإذاعة اللبنانية في بيروت.

أمنيتي كانت أن أغني في الإذاعة، تقول فيروز عن تلك الأيام؛ "أخبروني أنني سأتقاضى 100 ليرة في الشهر. كانت فرحتي لا توصف، لكن في نهاية الشهر لم أكن محظوظة كفاية لأن أشبع عيني برؤية الورقة من فئة المئة ليرة، بسبب خصم الضريبة (كانت تقبض 95 ليرة فقط بعد اقتطاع الضريبة). استغرق الأمر وقتا طويلا حتى تمكنت من الحصول على ورقة كاملة من فئة المئة ليرة". نذرت راتبها الأول لعائلتها، وأنفقت المائة ليرة في شراء حاجيات كانوا محرومين منها بسبب ضيق الحال.

بلغت فيروز عامها الـ 78 خلال هذه الأيام وما يزال الشباب يستمعون إلى أغانيها التي تتحدث عن المراهقة والصبايا والورود والرمال


المشوار يبدأ مع الرحابنة


المرحلة الأولى كانت حاسمة في حياة فيروز، رغم أنها ليست المرحلة الفعلية التي سطّرت مسيرتها كقامة غنائية عربية، تمتلك إحساسا فنيا عاليا وذاكرة حادة، حيث أنها كانت تمتلك القدرة الكبيرة على الحفظ.

كانت فيروز على أعتاب السادسة من عمرها، حيث انضمت لكورال الإذاعة اللبنانية، لكن بدايتها الحقيقية كمطربة كانت عام 1952 عندما بدأت تقدم أغنيات من ألحان الموسيقار اللبناني عاصي الرحباني، الذي تزوجت به بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات، وأنجبت منه 4 أطفال. قدمت فيروز مع زوجها الراحل عاصي الرحباني وأخيه منصور الرحباني، المعروفين بالأخوين رحباني، العديد من الأغاني والمسرحيات، التي لاقت رواجا واسعا عربيا وعالميا.

آمن أساتذة فيروز والرحابنة، أنها ستتربّع على عرش الأغنية اللبنانية والعربية، وستكون لها طلّة فيروزية خاصة تميّزها عن بقية الأسماء الكبيرة التي عاصرتها فيروز. وقد كان الفريق على قدر التحدّي، ونجحت "جارة القمر" وغنّت للبنان والقدس والشام والوطن العربي على مسارح بعلبك وقرطاج وجرش وفي الأولمبيا وغيرها من أعرق مسارح العالم؛ وأحيت المطربة، التي تعد الوحيدة الباقية من جيل الكبار في الغناء العربي، حفلات في معظم الدول العربية، وكثير من دول العالم، مثل فرنسا والمملكة المتحدة وهولندا واليونان وسويسرا والولايات المتحدة الأميركية، وكندا وأستراليا والبرازيل والأرجنتين والمكسيك.

عام 1955 تزوّجت فيروز من عاصي، وأنجبت زياد، ثم هالي، الذي أصيب بمرض وهو صغير شل حركته، عام 1958، وبعدهما ليال، عام 1960، التي توفيت عام 1988، وأخيرا المخرجة ريما عام 1965. وفي نفس عام زواجها قدّمت فيروز أغنية "عتاب"، للأخوين عاصي ومنصور رحباني، وهي أول أغنية تسجّلها في الإذاعة؛ لتبدأ معها أول فصول حكاية فيروز والرحابنة. وفي دمشق كانت للعائلة الرحبانية صداقات عميقة استفادت منها تجربة الثلاثي الرحباني فيروز وعاصي ومنصور، وجمع المحامي نجاة قصاب حسن التراث الغنائي السوري من القرى والمدن وأعطاه لعاصي الرحباني لتغنيه فيروز.

وظلت فيروز حتى منتصف الثمانينات، تغنى من كلمات وألحان عاصي ومنصور الرحباني، وبعد وفاة زوجها عاصي عام 1986 عملت مع ملحنين عرب كبار، أبرزهم فلمون وهبة، الذي غنت له و«يا طيارة طيري» و«يا دارة دوري فينا»، ويا مرسال المراسيل «جايب لي سلام» «من عز النوم» و«ليليه بترجع ياليل». وغنت رائعة «يا جارة الوادي»، و«خايف أقول اللي في قلبي» لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، و«أعطني الناي» للموسيقار نجيب حنكش.

وتضم قائمة أغاني فيروز الأكثر شهرة رقما يستعصي على الحصر، حيث تبدو كل أغنياتها شهيرة وبينها على سبيل المثال "يا جارة الوادي" الذي بات لقبا لها و"باكتب اسمك يا حبيبي" و"سهر الليالي" و"أنا لحبيبي" و"نسم علينا الهوى" و"القدس" و"حبيتك تنسيت النوم" و"سلملي عليه" و"سألونى الناس" و"سألتك حبيبي" و"أعطنى الناي وغني" و"كيفك أنت" وغيرها الكثير.

وقدمت فيروز على مدار مسيرتها الفنية 15 عملا مسرحيا غنائيا، كان أولها "جسر القمر" عام 1962 ومن بين أشهرها "بياع الخواتم" و"هالة والملك" و"يعيش يعيش" و"صح النوم". كما قدمت ثلاثة أفلام سينمائية هي "بياع الخواتم" إنتاج 1965، و"سفر برلك" إنتاج 1967، و"بنت الحارس" إنتاج 1968، وقدمت برنامجا تليفزيونيا غنائيا بعنوان "الإسوارة" عام 1963.

رحل الرحابنة، ورحل كبار الملحّنين، لكن بقيت فيروز، وبقي معها ابنها زياد، الذي خاضت معه تجربة جديدة، وقدم لها مجموعة كبيرة من الأغاني المغايرة لكل ما قدمته سابقا مع الرحابنة. ووسط واقع مأزوم خرج صوت فيروز، كعادته في كلّ أزمات لبنان الجريح وفي كل مصائب المنطقة العربية الموجوعة، صرخة أمل تؤكّد أن للغناء العربي رموزا ليس من السهل أن تسقط في بئر النسيان. وجاء صوت فيروز قائدا، لا تابعا، لألحان الشبل الرحباني، زياد، الذي رغم أنه أعلن بعض التمرّد على المدرسة الرحبانية إلا أنه بقي وفيّا لجذورها، استمدّ منها الأصل وقام بـ«عصرنته»، فجاءت أغنيات فيروز وزياد «سمفونية» فنية راقية مشعّة كما الذهب الذي يبرق في ليل الأغنية العربية حالك العتمة ليشكّل شعلة أمل بقيت مضيئة مع وعد فيروز في آخر حفلاتها «بكرة برجع بوقف معكن».

جمع المحامي نجاة قصاب حسن التراث الغنائي السوري من القرى والمدن وأعطاه لعاصي الرحباني لتغنيه فيروز


صوت فيروز للشعب العربي أم للأسرة الرحبانية؟


لكن هذا العقد الرحباني كاد ينفرط نهاية 2010، عندما تفجرت خلافات مالية وقضائية بين ورثة زوجها عاصي الرحباني، وورثة شقيقه منصور على الحقوق التجارية للأعمال التي قدماها معا، مما جعل عددا كبيرا من الفنانين والإعلاميين العرب ينظمون وقفة احتجاجية أمام وزارة العدل اللبنانية، للمطالبة بوقف هذا الصراع حفاظا على اسم فيروز.

بدأت الحكاية حين انتشر خبر يقول إن فيروز تلقت إنذارا من ورثة منصور الرحباني، يمنعها من عرض أية مسرحية للرحابنة قبل أخذ موافقتهم.. والقصة أن كلا من غدى وأسامة ومروان (ورثة منصور الرحباني) رفعوا دعوى ضد فيروز وإدارة «كازينو لبنان» بسبب رفضهم إعادة تقديم مسرحية «يعيش يعيش»، مانعين فيروز من تقديم 25 عملا للراحل منصور الرحباني؛ ومن بين هذه الأعمال المحجوز عنها مسرحيات «لولو»، و«موسم العز»، و«صح النوم». والغاية من ذلك حصول ورثة الرحباني على حقوقهم من السيدة مقابل أدائها لتلك الأعمال في أي مكان تذهب إليه.

طبيعي أن يكون من حقّ ورثة أي فنان وأي شخص، أن يطالبوا بمستحقّاتهم في تركة والدهم، لكن حين تكون الجهة المقابلة أرزة جذورها تضرب في عمق الأرض اللبنانية وفروعها تمتدّ إلى كلّ الوطن العربي، فإن الوضع يختلف؛ وتصبح قضيّة «الحجر» التي رفعها أبناء الرحباني على أغاني فيروز التي لحّنها منصور، منعا لعلم لبنان من أن يرفرف.

إذا كان أولاد منصور يطالبون بحقوقهم المادية فجميع العشاق من المشرق إلى المغرب أيضا «ورثة» معهم ولهم الحقّ في صوت فيروز وإبداعات الرحابنة.

فيروز «وقف فني» وخط ثقافي أحمر لا يجب تجاوزه.. وحين «يحجر» عليه من سيدثّر بدفئه برد صباحاتنا الحزينة؟ وبأي صوت سيعبّر العرب عن قهرهم وإحباطهم؛ وهي الصوت الخالد الذي عبّر، بكل ما وهبه الله من حلاوة وجمال، عن كافة القضايا العربية وكان جليس كلّ العاشقين ومرسال المراسيل بينهما.

لا يجوز لفيروز، التي غنّت للحرية، للقدس، للضمير والكرامة والغضب والوطن ورفضت الغناء للملوك والسلاطين والحكّام.. لفيروز، حسب أبناء منصور الرحباني، أن تُطرب شعبها العربي ولا يجوز لها أن تهتف لهم بـ«يعيش يعيش». هذا الأمر أغضب الآلاف من عشّاق فيروز فهبّوا للوقوف إلى جانبها؛ وهي في ردّة فعل، وإن كشفت مدى حبّ الجماهير العربية لفيروز، فإنها تكشف أيضا حالة من الخوف من فقدان ما بقي للعرب من «مقدّسات»، بعد أن نهبت ثرواتهم أراضيهم وانتهك تاريخهم وتاهوا في واقع ثقافي لم يعد يسعفهم حتى بأغنية جميلة.

انتهت القضية وحلت المشكلة العائلية، وانزوت فيروز في ركنها الدافئ تتدثّر بذكرياتها وتتابع ما يجري في بلدها وفي فلسطين وفي العالم العربي عموما، متشبثة بمبدئها السياسي الواضح، وهو عدم الحديث في السياسة؛ رغم أن أغنياتها ومسرحياتها، التي أبدعت فيها مع نصري شمس الدين، كانت سياسية بامتياز.

مؤكّد أن فيروز اليوم، ليست هي فيروز «القدس» و«بنت الحارس» و«بيّاع الخواتم» والرحابنة..؛ فالزمن تغيّر والنكبة طالت والنكسة أصبحت نكسات والألم تضاعف والحزن استشرى؛ ولم تعد هناك كلمات تعبّر عن هذه الحال وتصرخ في سديم الليل لتبدّد ظلماته؛ فعاصي ومنصور رحلا، الحصري وميخائيل نعيمة وجبران وسعيد عقل وإيليا أبوماضي.. وغيرهم؛ أسماء كثيرة لم يعد يُسمع لها سوى صدى أنينها المنبثق من أرشيف فيروز. ومع ذلك "فيه أمل" يتجدّد مع إشراقة كل صباح يصاحبها صوت "شادية الألحان".. آخر من تبقى من عهد الكرامة الفنيّة.

9