فيروز الأرز والرمز

الثلاثاء 2017/10/31

بين فيروز وأرز لبنان شبه كبير، لا يستشعره إلاّ أهل لبنان أو من زاره ولو لرحلة واحدة.

فيروز التي لها من العمر والمجد اليوم 83 عاما، عمر مديد سامق كشموخ شجرة الأرز، رمز لبنان، وفي الحقيقة كلاهما، أي فيروز والأرز رمزا لبنان، فشجرة الأرز اللبنانية دائمة الخضرة، سريعة النمو ويتراوح طولها بين 30 و45 مترا، وفيروز دائمة الإنتاج حتى وهي في سنتها الثالثة بعد الثمانين -أطال الله في عمرها- وألبومها الأخير “ببالي” أصدق شاهد على خضرة الفيروز، أما النمو ففيروز أصلها ثابت في لبنان وفرعها في سماء الوطن العربي، أما الطول فكم هي شاهقة وسامقة وشامخة فيروز.

والأرز اللبناني شجرة عتيقة ومعمّرة، يمكن لها أن تعيش ما يقارب الثلاثة آلاف سنة، وفيروز صوت عتيق ومعمّر سيعيش لسنوات ضوئية قادمة.

وبين أرز لبنان وصوت فيروز وحدة واتحاد، فهما يوحّدان اللبنانيين ويمثلانهم وإن اختلفت أطيافهم، وما أكثرها في بلد يجمع السني بالشيعي بالعلوي والإسماعيلي بالماروني والأرثوذكسي بالكاثوليكي والكلداني بالسرياني والقبطي بالآشوري والدرزي وغيرهم، لتأتي فيروز لتغنّيهم جميعا وتتغنّى بكلّ شبر من أرض لبنان وأرزها، رمزها وفخرها.

بيروت، في كلّ بيروت من عين مريسة مرورا بزيتونة باي فالأشرفية فداون تاون والجميزة ومار مخايل وشارع الحمراء، خروجا في اتجاه جونيه وحريصا وما بعدها بأميال إلى طرابلس وشكا وأميون وزغرتا وصولا إلى إهدن، وفي صيدا ودير القمر وجبيل.. تسمع “ما تزعل مني” و”أنا وياك” و”راح نرجع نتلاقى” و”زهرة المدائن” و”سكن الليل” و”رجعت الصيفية” و”سهر الليالي” والقائمة تطول.

في النزل، في الشارع، في المقهى، في المطعم، في “المولات” في الساحات وعلى جادات الطرقات السيارة، وأنت بالسيارة، أو بالتاكسي، تسمع فيروز، ولم يتبق عدا “التلفيريك” ومغارة جعيتا ربّما! الكلّ يسمع سيّدة الصباحات والأمسيات أيضا، بل وحتى في الهزيع الأخير من الليل، بخشوع تام وكأنه إزاء اعترافه الأخير.

لبنان ما قبل الحرب وما بعدها، أفرز مئات، بل قُل آلاف الفنانين، انتشروا في أرض الله الواسعة وحقّقوا شهرة عربية والبعض الآخر عالمية، فيما غاب غيرهم في الزحام أيضا، وظلّت فيروز حالة خاصة، بل شديدة الخصوصية، حتى أنك حين تحادث بيروتيا أو بيروتية، إهدنيا أو إهدنية، طرابلسيا أو طرابلسية إلاّ واستشهد واستشهدت بنغم فيروزيّ أصيل.

حدثني صديق لبنانيّ من البقاع ذات فُسحة بسيارته ونحن متّجهان لزيارة قصر بيت الدين، أنه وزوجته لا يسمعان من نغم الدنيا إلاّ فيروز.

سألته: وماذا عن وديع الصافي ونصري شمس الدين وملحم بركات وماجدة الرومي.. ولبنان لا يزال ولاّدا؟

قال واثقا: فيروز اختزلت الجميع، ودندن يغني “قديش كان في ناس”..

صحيح “قديش كان في ناس”، وكم أنتج لبنان من فنانين، لكنّ اسما واحدا فقط حمل كلّ الألقاب المُمكنة: الديفا، سفيرة لبنان إلى النجوم، جارة القمر، أسطورة العرب، ياسمينة الشام، ملكة الغناء العربي، عصفورة الشرق، جارة القدس، سفيرة العرب، إمبراطورة الأغنية العربية، قيثارة السماء، سفيرة الأحلام، ملكة المسرح، الصوت الساحر، سيدة الصباح، فيروز الأغنية العربية، صوت لبنان، المعجزة، مطربة القرن العشرين، صوت الأوطان، أميرة التواضع، الصوت الملائكي، صديقة الطفولة، الصوت الذي لا يموت، النغم الحالم، صوت الحب، شاعرة الصوت، وطبعا شجرة الأرز اللبنانية، فهي والأرز، رمز لبنان، سيّان.

بعد زيارتي الأخيرة للبنان، وأنا الفينقيّ السُلالة والأسطورة، تأكدّت أنّ فيروز منيّ وأنا منها، وأنها آخر عناقيد الطرب العربيّ، وآخر أساطير الزمن الحي، وآخر صوت جامع للشتات..

وقبل أن أغادر مطار رفيق الحريري متجها إلى وطني تونس، سمعت الفيروز تغني “بكرا برجع بوقف معكن إذا مش بكرا البعدو أكيد.. أنتو أحكوني وأنا بسمعكن حتى لو للصوت بعيد”.

ولم يكن الصوت بعيدا أبدا، فصدى فيروز في كل مكان وزمان وأوان، حتىّ أني أجزم أنّه “ما التقى اثنان.. إلاّ وكانت ثالثتهما فيروز”.

روائي تونسي

16