فيروز الأيقونة الصامتة.. تتكلم أخيرا

من منا لم تسحره فيروز، صباحا أو مساء، من منا لم تمنحه أغانيها بألحان الأخوين رحباني الأمل والسكينة، إنها الظاهرة التي تجاوزت حدود المكان لبنان، وحدود الزمن، لتكون عن حق أيقونة فنية عالمية شأنها شأن الأخوين رحباني، لكن هذا الوجه المشرق بقي يخفي الكثير من الصمت والألم.
الثلاثاء 2017/12/26
الأخوان رحباني مبدعان يخفيان الكثير

بيروت - يكشف الكاتب اللبناني هاشم قاسم في كتابه الجديد "الظاهرة الرحبانية.. مسيرة ونهضة" فصولا جديدة عن حياة الأخوين رحباني، اللذين يعدان من أعلام الموسيقى اللبنانية والعربية، حيث يستعرض الكتاب سمات التجربة الرحبانية وموقعها على مدى نصف قرن.

الأب والأخوان

على الرغم من أن حياة الثنائي عاصي ومنصور رحباني أصبحت على كل لسان، فإن الكتاب الذي يتناول سيرتيهما، يسلط الضوء على زوايا جديدة على مسيرتيهما، لم يتطرق إليها الباحثون من قبل.

ففي معرض مروره على منزل عاصي ومنصور في بلدة أنطلياس الواقعة بمحافظة جبل لبنان، يقول الكاتب إن والدهما حنا رحباني كان أحد قبضايات المنطقة، ومطاردا من قبل السلطة العثمانية، وقد استأجر المقهى المعروف بفوار أنطلياس وكان يعزف على آلة البزق بين أصحابه وأفراد عائلته، ومن بينهم طفلاه عاصي ومنصور.

الكاتب يستعرض مراحل مختلفة لحياة الأخوين رحباني وعلاقتهما بأبيهما، كما يروي الفترات العائلية العصيبة التي مرت بها فيروز

ويضيف الكاتب "وُلد الرحبانيان في بيت قديم كانت تملكه أمهما سعدى، لكن العائلة بسبب ظروفها الصعبة عاشت متنقلة من بيت إلى آخر"، ويعلق منصور على ذلك بالقول "تشرّدنا في منازل البؤس كثيرا، سكنّا بيوتا ليست ببيوت، هذه طفولتنا إخوتي وأنا".

وحسب الكاتب فإن عاصي كان ناجحا في دراسته على عكس أخيه منصور الذي كان يدفع ثمن فشله بأن يبقيه المعلم داخل الغرفة، ويغلق عليه الباب لساعات عديدة.

ومع اشتداد الحرب العالمية الثانية انتقلت العائلة الرحبانية إلى منطقة ظهور الشوير، وهناك اقترب عاصي ومنصور أكثر من الطبيعة، فامتزجا بأحراشها وحيواناتها وصخورها، في جو كانت تتمازج فيه رائحة البارود برائحة الزهر.

يقول منصور حسبما ينقل عنه الكاتب “كنا نجلس عند التخوم والمنعطفات ونتجول سيرا على الأقدام، وهناك تعرفنا على أسماء كثيرة وملامح شخصيتي سبع ومخول التي عرفها جمهور الخمسينات والستينات (من القرن الماضي)”.

زوايا جديدة في مسيرة الرحابنة

ويتابع “أما النزاعات بين أهالي المنطقة فهي من العوامل التي أثّرت في تكوين شخصيتينا الفنية، وكانت النزاعات تتحول أحيانا إلى مشادات ومعارك بالأيدي والمعاول في إطار الخلاف على اقتسام المياه بين المزارعين، وهو ما ظهر في شخصية شيخ المشايخ بين أهالي القاطع المختلفين على توزيع المياه في مسرحية جسر القمر”.

ويروي الكاتب أن الوالد حنا كان أميا، إلا أنه “كان يروي في فوار أنطلياس قصائد كاملة لعنترة بن شداد، ومن الطرائف أنه باع مرة طنجرة من المقهى، ليشتري بثمنها ديوان عنترة”.

التحول مع فيروز

بعد وفاة الوالد أصدر الرحبانيان مجموعتهما الشعرية الأولى بعنوان “سمراء مها” قبل أن يدخلا الإذاعة اللبنانية ويتعاونا ويتعرف عاصي إلى الصبية الخجولة نهاد حداد، التي أصبحت من بعد ذلك المطربة الشهيرة فيروز.

ويدخل الكاتب هاشم قاسم إلى منزل فيروز المتواضع في زقاق البلاط ببيروت ليصف للقارئ أسلوب حياة فتاة “مترددة ترتدي البلوزة والتنورة، وتعيش غريبة عن أحلام الصبايا، إذ كانت رغباتها وأمنياتها تتجمد عند عتبة المنزل، ولم تكن فرص الخروج إلى المجتمع متاحة لها سوى تلك الزيارات الطويلة إلى منزل جدتها ليزا البستاني في بلدة الدبية”.

يضيف قاسم “ولأن قلقها كان يتركز على إبعاد الفقر عن عائلتها الصغيرة، فقد أقدمت على العمل في سن مبكرة واشتركت في سن الرابعة عشرة في برامج الأخوين فليفل الإذاعية”.

الأيقونة لها وجه خفي

ويتطرق الكاتب إلى زواج فيروز من عاصي الرحباني، والعديد من الأعمال الفنية التي كانت حبيسة الحكاية لدى الأخوين رحباني، لكن الكاتب يربط روعة هذه الأعمال بمزاج فيروز، ويقول نقلا عن عاصي “بقدر ما تكون نفسيتها مرتاحة يكون أداؤها أبهى، أما إذا كانت مشوشة وأعصابها متعبة فيتعذر العمل معها”. وعن الأعمال الفنية والزواج والعائلة يقول قاسم ناقلا عن فيروز في مراحل سابقة “الزواج صعب بين البسطاء والعاديين فكيف بيننا. بيتنا بيت صعب وأولاد هذا البيت تعذبوا كثيرا، عائلتنا مثل التراجيديا الإغريقية، الفرح فيها وقتي، والأساس فيها هو الحزن والألم. فرحنا المؤقت كان الحلم، الحزن كان الحقيقة”.

ويستعرض الكاتب المراحل العائلية العصيبة التي مرت بها فيروز إذ أن ابنها هالي يعاني من مرض اليرقان الحبشي، الذي أفقده الحركة، ووالدتها توفيت في سن الثانية والأربعين، وزوجها عاصي أصيب بالجلطة الدماغية قبل وفاته، فيما توفيت ابنتها ليال جراء المرض نفسه.

وينقل الكاتب عن فيروز كلاما تشير فيه إلى تجاربها ومعاناتها على مر السنين قائلة “قيل فيها الكثير إلا الحقيقة. أنا من أصدقاء الصمت، سألوني في مصر عن شعوري بالغناء أمام أبوالهول، فقلت أبوالهول صاحبي من زمان وأنا من أقربائه، أحبه لأنه صامت”.

إن كتاب “الظاهرة الرحبانية.. مسيرة ونهضة” لهاشم قاسم جاء في 384 صفحة من القطع الوسط، وهو صادر عن دار بيسان وقد عرض في معرض بيروت الدولي للكتاب في وقت سابق من شهر ديسمبر الجاري.

14