فيروز التميمي: نحن في القرون الوسطى للكتابة

الخميس 2014/02/13
التميمي: أظنني شخصا متجهما، ولست مخلصة للكتابة

طرابلس - أن تكتب معناه أن تدخل في مغامرة حقيقية مع اللغة والوجود وكل ما يحيط بك من مظاهر حياتنا، هذا هو ما ينهض عليه الفعل الكتابي في روايات الأردنية فيروز التميمي، حيث هناك لغة حياة يومية تستعرض تجارب إنسانية بتفاصيل ممتعة ترى صاحبتها أنها تمثّل سبيلها إلى الخروج من حالة التجهم. “العرب” التقت بها لتتحدث إليها حول عملها الفائز بجائزة الشارقة للإبداع العربي “ثلاثون”، وعن روايتها الجديدة “كأنها مزحة”، وحول مواضيع أخرى أدبية وفكرية.

بعد روايتيْ “ثلاثون” و”كأنها مزحة” تعمل الروائية الأردنية فيروز التميمي على كتابها الثالث الذي تقول عنه “هو ليس رواية، إنه توثيق للحظات فريدة لا أتمنى أن أنساها يوما ما. ولما كنت لا أثق بذاكرتي ولا بوسائل التخزين كالكاميرات والملفات.. إلخ.. وضعت هذه اللحظات في كتاب وأنا سعيدة فعلا بهذا الإنجاز! الآن لو فقدتُ ذاكرتي سيظل بإمكاني قراءة هذه اللحظات والتمتّع بها.. ربما كأول مرّة في كل مرة”.


سوء الحظ

تقول إيزابيل الليندي: “أكتب لأتداوى” أما فعل الكتابة عند الروائية فيروز التميمي فتقول عنه: “اختلف معنى الكتابة لديّ من مرحلة إلى أخرى في حياتي. الآن أكتب أحيانا لأن الكتابة تمتّعني، وبما أن المتع التي أعرفها قليلة جدا، فالكتابة تحافظ على أيامي من الملل وانعدام المعنى. لكنني لست مخلصة للكتابة. في مرحلة ماضية، كانت الكتابة طريقا ساحرا لكنه وعر. في مرحلة أخرى كانت الكتابة رئتي التي أتنفس بها وأصرخ”.

شخصيات رواياتي تعيش في المتخيل الغني أكثر مما تعيش في الواقع القاحل

وعن مدى تواصلها مع القارئ، تقول التميمي: “لا يشغلني. لا لسبب سوى أن القارئ بالنسبة إليّ ما زال كائنا افتراضيا. أنا لم أتواصل مع قارئ رواياتي، لا أعرفه، لم أره. تقريبا، نادرا ما تحدّثت عن رواياتي في محفل عام. بعض الأصدقاء أخبروني برأيهم في رواياتي لكنهم أصدقاء مقربون وذائقتنا تقريبا متشابهة وهم ليسوا “قارئاً” بعيدا لديه وجهات نظر مختلفة تماما عني.

لا أحب “الجانب الاجتماعي للكتابة” ولست مضطرة لحبّه لذا يمكنني إهماله. حفلات التوقيع لا أقوم بها ولسوء حظ رواياتي لم يتم توزيعها تقريبا. روايتي الأولى صدرت عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة وأظنهم لا يوزّعون كما دور النشر المختصة.

أما رواية “كأنها مزحة” فقصّتها قصّة، حيث صدرت عن دار الآداب – في بيروت بوجود صفحة بيضاء اتضح لي أنها صفحة ناقصة من الرواية! وحين تكلمت مع مسؤولة الدار وطلبت منها إيقاف التوزيع وعدتني بتصحيح الخطإ قبل مواصلة التوزيع وكان ذاك آخر ما سمعته منها! لذا أظن روايتي الثانية لم توزّع ولم تصل إلى القارئ. آمل أن يكون حظ كتابي الثالث ألطف قليلا”.


رواية الأسئلة

في روايتيها “ثلاثون” و”كأنها مزحة” يحضر الحبيب المتخيل وينشطر البناء الدرامي بشذرات قد تطول وتقصر. هل يكشف ذلك عن رؤية من الكاتبة نقدية للحياة؟ وهل تسعى بذلك إلى وضع نوع كتابي خاص بها؟ تقول فيروز التميمي مجيبة عن كل ذلك:” لا، لا أسمّيها رؤية نقدية للحياة. “الرؤية النقدية للحياة” تفترض ابتعاداً بشكل أو بآخر وتأملا عن بُعد وهذا ما لا أفعله أو أتمنى ألا أفعله. أتمنى الانغماس في الحياة ولا أستطيع فعل ذلك دوما”. وتضيف قائلة: “لا أظن أنني اجترحت نوعا كتابيا خاصا بي، فانشطار البناء الدرامي كما أسميته كان ضرورة لشخصيات تحتشد بشخوص داخلية كلها تنقّ على صاحبها بنفس اللحظة وكلها تتكلم في الوقت ذاته وكلّها تريد من صاحبها الانتباه إليها.

التميمي لا تسعى إلى اجتراح نوع كتابة خاصة بها

أظن أن شخصيات رواياتي تعيش في المتخيّل الغني أكثر مما تعيش في الواقع القاحل، لذا ترين الحبيب المتخيل وترين الشخصية نفسها تتنقل بين أشكال عدة”.

هناك من يرى أن رواية “ثلاثون” انتصرت للمرأة التي بحثت عنها التميمي في عالمها وعالم القراء، عن هذا الرأي تقول محاورتنا: “لم أسعَ وراء انتصارٍ للمرأة في “ثلاثون”. سعيت إلى كتابة نصّ المرأة، لتوثيق “بعض” المرأة. كما لم أفلح لأن هذا الهاجس ظلّ مسيطرا عليّ. عاودت المحاولة في رواية “كأنها مزحة” لكنني انتهيت إلى مكان آخر تماما لم أقصده. وأضافت فيروز التميمي قولها: “لم تُجب “ثلاثون” عن أية أسئلة.

لم أكتبها للإجابة عن أيّ شيء. هي رواية أسئلة كنت أريد كتابتها لأخلص من تجوالها داخليا، وبالطبع لم أفلح. اليوم في حياتي وكتابتي لديّ من الإجابات أقلّ بكثير مما كان لديّ وأنا أكتب “ثلاثون”.

تبدو الوحدة حاضرة بقوة في روايات التميمي، وعن هذه المسألة تقول: “الوحدة حاضرة في الواقع الذي أكتب عنه، لأنها حاضرة في حياة البشر الذين من حولي وفي كتابتي، ولأنها لا تخيفني، على العكس فإنها تمتّعني”.

أحب التفاصيل

في روايتها “كأنها مزحة” هناك سخرية نلمحها بين السطور، وعنها تقول فيروز التميمي: “تأسرني الكتابة التي تتمتّع بقدر مناسب من السخرية. في “ثلاثون” و”كأنها مزحة”، حاولتُ أن يكون حسّ السخرية بالمقدار الملائم تماما، لا أقل ولا أكثر. لا أدري كم نجحت في ذلك لكنني أطمح إلى كتابة غير متجهّمة.

أظننّي شخصا متجّهما، لا يبدو ذلك واضحا لكني متجهّمة من الداخل والكتابة فرصتي الوحيدة لأنتقد كل ذلك التجهّم. تعجبني تلك الدعوة التي تصلنا بين حين وآخر لأنه -لا نأخذ الحياة بشكل جادّ تماما- تعجبني الدعوة ولا أستطيع تطبيقها، لا أحاول أساسا. لكن الكتابة هي فرصتي، الكتابة هي أداة قول تأملي. أحب أن أصف وأتأمل، ثم أحب مشاركة ما خرجت به مع الآخرين”. وعن علاقة التركيز على التفاصيل بنجاح الرواية، تجيب التميمي: “لا أظن أن هناك قاعدة بهذا الخصوص، يمكننا تجميع مليون تفصيلة ولن تصنع سوى رواية بائسة. أنا كقارئة أحب قراءة التفاصيل، في الشعر كما في الرواية، أحب أن يلفت أحد نظري إلى تفاصيل لم أرها. تأسرني الالتقاطات الذكية للتفاصيل وأحب الالتفات إلى التفاصيل التي تحكّ عقلي وتتركني ذاهلة ولو لحظات أفكّر فيها”.

العديد من النقاد يذهبون إلى أن الرواية العربية تعاني أزمة كاتب، وهناك شق آخر يرى أنها تعيش أزمة قارئ، في هذا الشأن تقول التميمي: “أنا لا أميّز بين الكاتب والقارئ. الكاتب قارئ أساسا وقبل كل شيء. ونحن لدينا كل الأزمات، أزمة كتابة ناتجة عن أزمة قراءة وأزمة نقد؛ إنها حلقة!”

وتتابع قائلة: “أحسّ أننا في القرون الوسطى للكتابة حين أقرأ لبعض الكتّاب الأجانب. أرى أفكارا خلاّقة فعلا، أرى تحرّرا من الأسئلة المعبّرة عن أجناس الكتابة وتحرّرا من الفذلكات التي لا تلزم أحدا وتحرّرا من الافتعــالات في الشكل والمضمون. ربما لو توقّف الكتاب عن التنظير للكتابة وكتبوا بالفعل يمكننا ساعتها أن نتطوّر. دون أن نكون أحرارا كبشر لا يمكننا أن نكون أحرارا في الكتابة”.

15