فيروز.. السلم السماوي

الأحد 2016/02/07

مثل جميع المصريين نشأت على صوت أم كلثوم، كان لدينا “غرامفون” في منزلنا لتشغيل الإسطوانات، في الستينات استبدلناه بـ”البيك آب” الأحدث والأسهل في التنقل به، الأهم أنه يعمل بالبطاريات.

استأذنت أبي في استعارته في أحد الأيام لرحلة مدرسية، وافق، ذهبنا للأهرامات ومعي إسطوانة واحدة لكوكب الشرق، صديقنا مروان، أمّه سورية، أحضر معه شيئا مختلفا، فيروز، بمجرد أن أدرنا الجهاز انطلق صوت ملائكي أجبرنا ونحن المراهقين المشاغبين أصحاب الصوت العالي على الهدوء.

نقلتنا سيدة الملكوت الغنائي إلى رحاب أوسع وأرقى من الدنيا المادية، أحسسنا أننا نصعد معها سلّما سماويا جميلا.

كنا في عام 1968 وغنت قصيدة “القدس”، شحنتنا بطاقة إيجابية رائعة لدرجة أننا كنا نريد ترك الدراسة والالتحاق بالجيش، وقفت في نفس العام أمام ميكروفون الإذاعة المدرسية، وكنت مديرها وقلت لزملائي “من الآن سيتبع السلام الوطني أغنية من أغاني فيروز الثلاثين عن فلسطين”.

لماذا أكتب عنها اليوم دون مناسبة! “الست” فيروز أكملت الثمانين عاما في نوفمبر 2015، وهي من نفس برجي الفلكي “القوس”، وطالما كتبت عن أم كلثوم العدد الماضي بدافع إحياء ذكراها، فأكتب اليوم عمّن أحببت من كل الأصوات العربية.

حبّي لها دفعني لاكتشاف مناطق كثيرة لا يعرفها القارئ العربي عنها، فقد لحّن لها السنباطي ثلاث قصائد للشعراء عبدالوهاب محمد وجورج جرداق وأنسي الحاج.

كان مقررا أن يذهب السنباطي لها لتحفيظها الألحان، لكن اندلعت الحرب الأهلية عام 1976، وخاف الملحن، طلب منها أن تذهب للكويت ويسجلا الألحان هناك، فرفضت بشدة، وغضبت قائلة “كيف أترك بلدي في حالة حرب وأذهب لدولة أخرى لأغني؟”.

قال عنها نزار قباني إن الوطن ولد كقصيدة على شفتيها، لم تغن لمصريين إلاّ لأميرهم أحمد شوقي في “جارة الوادي” ولنزار قباني “لا تسألوني ما اسمه حبيبي”، ووافق الرحبانية أن تغني لعبدالوهاب “سهار”، و”خايف أقول اللي في قلبي”، و”مر بي”، و”جارة الوادي”.

فيروز هي كل شيء، الحب والإيمان والإنسان والجمال، وهي الأغنية التي تنسى دائما أن تكبر، هي التي تجعل الصحراء أصغر، والقمر أكبر.

احترت كثيرا في نهاية المقال، هل أنهيه بقصة حبي التي ضاعت لأن حبيبتي كانت تفضّل شادية؟ أم أحكي عن غناء مطربة عالمية هي ميراي ماتيو الفرنسية لإحدى أغانيها “حبيتك بالصيف” دليلا على مكانتها العالمية؟ أم عن قصيدة “مكة” التي كتبها سعيد عقل المسيحي وغنتها المطربة المسيحية فيروز؟ فجاءت كأعظم ما غني لقبلتنا نحن المسلمين.

لكني اخترت أن أكتب عمّا تمثله في قلوب اللبنانيين، ففي عام 1976 كان القصف على بيروت ينطلق من جميع المتحاربين، لكن عندما كانت تخرج من بيتها يتوقف القصف من جميع الأطراف حتى تعود لبيتها، اتفقوا جميعا على حماية فيروز، فحتى لو تم تدمير لبنان، فهي قادرة أن تعيده للحياة من جديد!

24