فيروس نقص المناعة البشرية يهدد حياة أطفال باكستان

باكستان تشهد ثاني أسرع انتشار لوباء الإيدز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث يؤثر الفيروس في الفئات الأكثر ضعفا وتهميشا.
الخميس 2019/08/22
عائلات تحت وقع الصدمة

غلف القلق والخوف حياة العديد من الأسر في كل أنحاء مقاطعة السند البلدة الباكستانية الفقيرة، بعد تشخيص إصابة المئات من أبناء المنطقة بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة “الإيدز”، حيث أطلقت طبيبة محلية تحذيرا في نهاية أبريل الماضي من أن عددا من الأطفال تحت رعايتها قد ثبتت إصابتهم بفيروس الإيدز في فترة قصيرة جدا.

إسلام آباد - تنتظر عدة أسر باكستانية بقلق شديد أن يجري أولادهم فحوصات للكشف عن فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة، ولم يخطر للعامل الطبي الباكستاني في مستشفى محلي في مدينة روتاديرو في جنوب شرق البلاد، أن فحص ابنه مختار سيؤكد إصابته بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”.

وكان فحصا احترازيا لطفله ذي الخمس سنوات، بعد تحذيرات انتشرت في وسائل الإعلام المحلية عن زيادة حالات الإصابة بالفيروس بين الأطفال في منطقته بمقاطعة السند، بحسب تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية “يونيسيف”.

وبينما يجلس الطفل الذي أطلق عليه اسم مختار على حِجر والده، يسرد العامل الطبي ​​الباكستاني “أحمد” قصته ويقول “عندما أخبرتُ زوجتي، شرعت تلاحقني بالأسئلة: من أين أتى المرض؟ ولماذا أصاب طفلي تحديدا؟ وهل سيكتب له أن يعيش؟”.

وامتد القلق والخوف ليغلفا حياة أسرة أحمد، وحياة العديد من الأسر في كل أنحاء المقاطعة، إذ يصطف المئات من الآباء والأمهات كل يوم أمام مواقع عيادات الفحص والمستشفيات لفحص أطفالهم. الكثير منهم لديهم معرفة محدودة جدا بماهية فيروس نقص المناعة البشرية.

وقال النائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة فرحان حق، إن التفشي الأخير للمرض قد تم الإبلاغ عنه لأول مرة في 25 أبريل، مع الشروع في برنامج واسع لفحص فيروس نقص المناعة البشرية بين السكان في مقاطعة السند. وأوضح المتحدث أنه قبل التفشي الأخير، كان في كل أنحاء باكستان ما يزيد قليلا عن 1200 طفل مصاب بفيروس نقص المناعة، يتلقون العلاج المضاد للفيروسات الرجعية.

وأكد حق أن الفريق الذي تقوده منظمة الصحة العالمية سيسعى للتحقق من مصدر تفشي المرض والسيطرة عليه، كما سيقوم الخبراء بتوفير خبراتهم في جانب علاج المتأثرين والمصابين به من الأطفال، وكذلك تقديم المشورة والمساعدة النفسية للأسر.

واستجاب المسؤولون الصحيون بتوسيع دائرة الفحص في مقاطعة لاركانا، وبعد أكثر من ستة أسابيع من الفحوصات تم تشخيص أكثر من 750 شخصا بفيروس نقص المناعة، 80 بالمئة من الحالات المؤكدة كانت في صفوف الأطفال، ومختار، ابن العامل الصحي، كان واحدا منهم.

وعلى الرغم من التحقيقات المتسارعة للكشف عن سبب التفشي إلا أن الخبراء يقولون إن الممارسات الطبية السيئة في محاولات السيطرة على العدوى (نقص التعقيم وإعادة استخدام المحاقن والتقطير) ربما كانت أحد العوامل المفترضة.

ازدادت حالات الإصابة بالإيدز ازديادا شديدا في السنوات الأخيرة نتيجة تضافر عدة عوامل خطر، أبرزها انتشار حالات الاحتيال و”إعادة استخدام الإبر وعمليات نقل الدم عالية المخاطر

وفي مقاطعة السند نجح برنامج مكافحة الإيدز في إجراء حملة فحص ضخمة من خلال توسيع مراكز اختبار الإيدز الموجودة سلفا، وإنشاء مرفق جديد للاختبار في مستشفى تلوكا الرئيسي بروتاديرو، مما ساهم في فحص أكثر من 26 ألف شخص، معظمهم من الأطفال.  ويتلقى 356 شخصا خدمات الرعاية والعلاج المضاد للفيروسات الرجعية. من بين هؤلاء مختار، ابن العامل الصحي في مدينة روتاديرو الباكستانية، الذي يقول ممتنا “كنت خائفا، ولكن طفلي الآن يتلقى العلاج الذي يحتاج إليه. وعلينا الآن أن نضمن أن العلاج بهذه العقاقير المضادة للفيروسات الرجعية سيظل متاحا في منطقتنا”.

ومع وجود 20 ألف إصابة جديدة بفيروس نقص المناعة البشرية في عام 2017، تشهد باكستان ثاني أسرع انتشار لوباء الإيدز في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث يؤثر الفيروس في الفئات الأكثر ضعفا وتهميشا.

وأكدت تقارير سابقة أن طبيبا باكستانيا تسبب في نشر فيروس الإيدز بين ما لا يقل عن 600 شخص في بلدة السند جنوب البلاد، بعد استخدامه مرارا حقنة موبوءة، مما أدى إلى انتشار الهلع في المنطقة خصوصا وأن بين الضحايا أطفالا. وأوفدت السلطات عناصر من الشرطة حفاظا على أمن المنطقة التي تسودها حالة من الهلع مع توافد العائلات إلى مركز التحليل الطبي المستحدث في واسايو بالقرب من مدينة لاركانا في إقليم السند الجنوبي.

ويستولي الغضب والذعر على هذه البلدة الرازحة تحت وطأة الوباء، فيما لا تعلم السلطات بعد إن كانت موجة التفشي هذه ناجمة عن حالات إهمال خطر أم هي ناجمة عن ممارسات طبيب أطفال عديم الضمير. وتخشى الأسر الباكستانية أن يقضي المرض على مستقبل أولادها في بلد يصعب فيه الوصول إلى الخدمات الطبية، لاسيما في المناطق الريفية الفقيرة. وبحسرة شديدة تتساءل والدة فتاة في الرابعة من العمر شخصت إصابتها في بلدة مجاورة “من سيلعب معها؟ ومن سيقبل أن يتزوجها عندما تكبر؟”.

وفي مركز تشخيص بدائي يفتقر كثيرا إلى موارد بشرية ومعدات طبية، يقول أحد الأطباء “هم يأتون بالعشرات”.

ومن جهتهم أكد المحققون أن الطبيب المشتبه به في السند هو أيضا إيجابي المصل، لكنه ينفي أن يكون قد نقل العدوى للمرضى. ويقبع المتهم في زنزانة في مدينة راتو ديرو ويشتكي من حبسه مع مجرمين. لكن توجيه الاتهام إليه ليس أكبر هموم عائلات الضحايا، فهم يرغبون أيضا في الانتفاع من علاجات فعالة والحصول على معلومات أوفى؛ حيث تتوسل أم مصدومة بإصابة ابنتها قائلة “رجاء أعطونا أدوية لأولادنا كي نعالجهم وإلا سيموتون جميعهم”.

وينتظر مختار برفيز بقلق شديد أن تجري ابنته فحصا، متسائلا إن كانت إصابتها بالحمى مؤخرا دليلا على التقاطها العدوى. لكن البلاء قد نزل بأهال آخرين. ويدخل ناصر أحمد العيادة على عجل طالبا أدوية لابنته ذات العام الواحد التي شخصت إصابتها قبل ثلاثة أيام. ويقول الوالد مفجوعا “ألعن الطبيب المسؤول عن إصابة كل هؤلاء الأطفال”.

وازدادت حالات الإصابة بالإيدز ازديادا شديدا في السنوات الأخيرة نتيجة تضافر عدة عوامل خطر، أبرزها انتشار حالات الاحتيال و”إعادة استخدام الإبر وعمليات نقل الدم عالية المخاطر، فضلا عن ممارسات طبية خطرة”، بحسب بشرى جميل الخبيرة في الأمراض المعدية بجامعة الآغا خان في كراتشي.

وتوضح جميل أن “انتشار الممارسات الطبية السيئة على نطاق واسع بلا رقابة فعالة غالبا ما يؤدي إلى تفشي موجات وبائية في باكستان”.

وأكدت تقارير إخبارية أن رجلا باكستانيا أقدم على خنق زوجته المصابة بالإيدز حتى الموت، بعد أن أثبتت إدارة الصحة إصابة المئات من الأشخاص -معظمهم من الأطفال- بهذا المرض في غضون الأسابيع الماضية في مدينته.

وقال الرجل إنه خنق زوجته بحبل وشنقها في شجرة خارج منزله، بعد أن اتهمها بأنها كانت على علاقة غرامية بشخص آخر حين أصيبت بالفيروس.

وقال ضابط شرطة في شيكاربور إن الضحية -وهي أم لأربعة أطفال تبلغ من العمر 32 عاما- أثبتت إصابتها بالفيروس في الأيام الأخيرة، حيث تم احتجاز زوجها بعد توجيه تهمة القتل إليه.

21