فيزياء البلازما بوابة الطاقة البديلة المستقبلية

الاثنين 2014/09/08
مجسم مصغر لمفاعل التوكاماك الإندماجي

واشنطن- نفاد الطاقة وعدم التوصل إلى إيجاد بدائل متجددة تعوّض النقص وتقدم حلولاناجعة، مُعضلة تؤرق جل بلدان العالم، خاصة تلك التي تتمتع بتقدم تكنولوجي وعلمي من شأنه أن يدعم امتلاكها لطاقة نظيفة مستدامة. معضلة تتنزل في إطارها تجارب فيزياء البلازما التي تعدّ مستقبل الطاقة البديلة، رغم الإمكانيات المادية واللوجستية التي مازالت تعوزها، والتحديات التقنية التي مازالت تجابهها.

للوصول إلى واحدة من أكثر شركات الاندماج النووي سرّية في العالم، يجب على الزائرين شق طريقهم من خلال مجمع مكاتب في الضواحي عند سفح جبال سانتا آنا، إلى الشرق من إرفين، كاليفورنيا، إلى أن ينتهوا إلى مقر كبير لشركة “تراي ألفا إينرجي”، لا يحمل أيّة علامات تدلّ عليه.

هذا هو أقرب ما يمكن أن يصل إليه دخيل دون توقيع اتفاقية عدم الإفصاح؛ حيث أنّ شركة “تراي ألفا” تحمي أسرارها التجارية بإحكام شديد، لدرجة أنها لا تملك موقعًا على شبكة الإنترنت، ولكنّ شظايا المعلومات التي تسربت جعلت من الواضح أن هذا المبنى يحتوي على واحدة من أكبر تجارب الاندماج الجارية الآن في الولايات المتحدة. وهي واحدة من أكثر التجارب غير التقليدية.. فبدلًا من استخدام مفاعل “توكاماك”، بشكل الدونات، الذي هيمن على بحوث طاقة الاندماج لأكثر من 40 عامًا، تختبر حاليًا “تراي ألفا” مفاعلًا خطيًّا تَدعّي أنه سيكون أصغر من حيث الحجم وأبسط من حيث التعقيدات وأرخص من حيث الثمن، وسينتج طاقة اندماج تجارية خلال قرابة عقد من الزمن، وهي مدّة أقصر بكثير من الأعوام التي تراوحت بين 30 و50 عامًا، التي وعدتنا بها مفاعلات “التوكاماك”.

يبدو ذلك جذابًا، خاصةً في الوقت الذي يشهد فيه مشروع الاندماج الرائد في العالم وهو “توكاماك” (عملاق اسمه إيتر وهو المفاعل التجريبي الحراري النووي الدوليITER )ـ تأخيرًا وتجاوزًا للتكاليف. ومن المتوقع أن يكون إيتر ـ الذي يجري بناؤه في كاداراش، فرنسا ـ أول مفاعل اندماجي قادر على توليد فائض طاقة من حرق مستدام من وقوده البلازمي، غير أن تكلفته تُقدَّر بحوالي 50 مليار دولار أميركي، أي حوالي 10 أضعاف التقديرات المبدئية، ولن تبدأ أولى تجاربه بالوقود قبل عام 2027، أي بتأخير 11 عامًا عن الجدول الزمني الذي تمّ تحديده قبل الانطلاق في الفعلي في المشروع.

من جهة أخرى، يستحوذ إيتر على حصة الأسد من ميزانية طاقة الاندماج للولايات المتحدة، بينما يحظى المشجعون للأساليب البديلة بدعم شحيح من الحكومة، ولكنّ نفاذ الصبر المتزايد من تكنولوجيا “التوكاماك” دَفَعَ فريق “تراي ألفا”، وعددا من الفيزيائيين الآخرين في كلّ من الولايات المتحدة وكندا، للبحث عن خيارات مختلفة. فعلى مدى عقد ونصف، أطلق هؤلاء المُنْشَقُّون ما لا يقل عن ستّ شركات لاستهداف تصميمات بديلة للمفاعلات الاندماجية، بعضها يورد فعلًا نتائج مشجعة، ناهيك عن جذب استثمارات ضخمة.وفي هذا الإطار، جمعت “تراي ألفا” وحدها، 150 مليون دولار من أمثال المؤسِّس المشارك لمايكروسوفت بول ألِن، وشركة رأس المال الاستثماري التابعة للحكومة الروسية، “روسنان Rusnano”.

800 مليون دولار جنتها "جنرال فيوجن" من أصحاب رأس المال الاستثماري المغامر

هذا النجاح، من ثمّة، يجلب تمحيصًا أكثر في وعودهم الجريئة، إذ تعرّضت “تراي ألفا” لمشاكل يصعب التغلب عليها عندما بدأت التوسع لتصل إلى حجم المفاعلات، كما يقول جيفري فريدبرج، وهو فيزيائي نووي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبريدج. فعلى سبيل المثال؛ يجب على الشركة أن تثبت أنه يمكن تحقيق درجات حرارة تبلغ مليار كلفن، وهي الحرارة اللازمة لحرق الوقود الغريب الذي تنوي استخدامه، ويجب أن تبرهن على وجود طريقة عملية لتحويل الطاقة المُنتَجَة إلى كهرباء. ويمكن أن تثار أسئلة مشابهة حول أيّة شركات ناشئة أخرى، كما يقول ستيفن دين، الذي يرأس “فيوجِن باور أسوسييتس″، وهي مجموعة داعمة في جايثرسبِرج، ميريلاند.

وفي هذا السياق لا مناص من طرح سؤال جوهري متعلق بلبّ المسألة مفاده؛ هل ستكون شركات الاندماج البديلة قادرة على الحفاظ على زخمها، وتبرير تفاؤل مؤسَّسيها؟ أم أنها ستتلاشى مثل أحلام الاندماج التي سبقتها؟


تقليد الشمس


من حيث المبدأ، بناء مفاعل اندماجي هو في أبسط تعريفاته مجرد تقليد للشمس؛ خذ نظائر مناسبة من الهيدروجين، أو من العناصر الخفيفة الأخرى، وأضف حرارة لنزع الإلكترونات من نوى الذرات، ومن ثمّ تتشكل البلازما المتأينة، ثم اضغط تلك البلازما واحتفظ بها مع بعضها البعض لفترة من الوقت. سيسمح هذا للنواة بأن تندمج، فتُحوِّل تباعًا جزءًا من كتلتها إلى طاقة. ولكن من الناحية العملية، تؤدي محاولة تقليد النجم إلى مشاكل هندسية مروعة، فعلى سبيل المثال؛ البلازما الساخنة المحبوسة في مجال مغناطيسي تميل إلى الالتواء والانحناء، كأنها ثعبان غاضب يكافح للهرب.

وفي هذا السياق، فقد فضّل باحثو الاندماج نموذج التوكاماك لمدة طويلة، باعتباره أفضل وسيلة لاحتواء هذا الوحش البلازمي. ويرجع ابتكار التوكاماك إلى علماء الفيزياء السوفييت في خمسينات القرن الماضي، وقد أُعلِن عنه للغرب بعدها بعقد من الزمن، حيث حققت تلك المفاعلات كثافات بلازما، ودرجات حرارة، وحصرًا أعلى بكثير من أيّة آلةٍ سبقتها. وبتطوير الفيزيائيين لتصميم التوكاماك؛ تحسّنت الطرق التي يتم السيطرة بها على البلازما ذات الطاقة العالية.

ومنذ البداية، تساءل العديد من الفيزيائيين عن إمكانية الارتقاء بالتوكاماك؛ لتحقيق إنتاج طاقة تجاري. فهي أجهزة معقدة بشكل مثبّط، بالنسبة للمبتدئين، حيث إنه يلزم لفّ الغرفة الحلقية بمجموعات متعددة من اللفات الكهرومغناطيسية اللازمة لتشكيل المجال المغناطيسي الذي يحصر البلازما.

العلماء يحدوهم الأمل في إيجاد طريقة توفر طاقة نظيفة ومستدامة رغم ضخامة التكاليف

وتمر الكثير من اللفات التي يتم تشغيلها من خلال الفراغ الشبيه بمركز الدونات لدفع تيار كهربائي قوي خلال البلازما، ثم هناك الوقود، وهو مزيج من نظائر الهيدروجين ديوتيريوم (دي) وتريتيوم (تي). فعلى نطاق واسع، يُعتبر الـ”دي-تي” الخيار الوحيد المناسب لمفاعل الطاقة، لأنه يشتعل عند درجة حرارة أقل من أيّة توليفة أخرى، فقط حوالي 100 مليون كلفن، ويطلق طاقة هائلة، لكن %80 من تلك الطاقة التي تنبعث من التفاعل تكون في شكل نيوترونات مسرعة، من شأنها أن تنشر الخراب على جدران مفاعل الطاقة، تاركةً إياها مشِعّة للغاية. ولتوليد الكهرباء، فإن طاقة النيوترونات لا بد من استخدامها لتسخين الماء في توربينات بخارية تقليدية -في عملية تتسم بكفاءة تتراوح من 30 إلى 40 في المئة فقط.

من جهة أخرى، فإنّ التكلفة والتعقيد والتقدم البطيء، تعدّ أمورا أعاقت أيضًا الاندماج بحصر القصور الذاتي، البديل الأبرز للحصر المغناطيسي بالتوكاماك. وهذا النهج ـ الذي تنفجر فيه كريات الوقود المجمدة للداخل بقوة بواسطة أشعة ليزر ذات طاقة عالية ـ تلَقَّى أيضًا الكثير من التمويل الحكومي. ورغم الجهد الذي امتد لعقود في أبحاث حصر القصور الذاتي، لا تزال مبادرات معينة، مثل منشأة الإشعال الوطنية في مختبر لورانس ليفرمور الوطني في ليفرمور، كاليفورنيا، تكافح من أجل الوفاء بوعودها لتحقيق طاقة الاندماج.


تحوُّل جذري


عديدة هي المخاوف التي أثارت بعض الحماس تجاه الستيلاريتور: جهاز حلقي يبسّط جوانب معينة من التوكاماك، ولكنه يتطلب مغناطيسات أكثر تعقيدًا. ومعظم علماء فيزياء البلازما تركوا المسائل الهندسية العملية لوقت لاحق، على افتراض أن التعديلات ستظهر بعد أن تقوم فيزياء البلازما بعملها. ورُوّاد الاندماج من الأقلية التي تجادل بأن هناك حاجة إلى حل جذري، يُمكّن من تدبير الهندسة المناسبة، عبر تصميم مفاعل بسيط ورخيص، يمكن لشركات الطاقة فعلًا أن تشتريه، ومن ثم محاولة ترويض البلازما.

أحد هؤلاء الروّاد هو نورمان روستوكر، فيزيائي بجامعة كاليفورنيا في إرفين، شارك في تأسيس “تراي ألفا” في عام 1998، وهو في سن الثانية والسبعين. وقد اقترح رفقة زملائه التخلص من وقود الـ”دي-تي” لصالح اندماج البروتونات مع بورون-11، وهو نظير مستقر يمثل حوالي %80 من البورون الطبيعي. ويتطلب إشعال وقود بروتون-بورون-11 درجات حرارة تصل إلى مليار كلفن، أي ما يقرب من 100 ضعف سخونة قلب الشمس. والطاقة المتولدة في كل حدث اندماجي ستكون فقط حوالي نصف تلك التي تصدر من وقود الـ”دي-تي”، لكن نتائج التفاعل ستكون خالية عمليًّا من النيوترونات المزعجة، حيث إن الاندماج سيولد فقط ثلاث نوى هيليوم نشطة، معروفة أيضًا باسم جسيمات ألفا. هذه الجسيمات مشحونة كهربيًّا، ومن ثم يمكن توجيهها بالمجالات المغناطيسية في جهاز “معجّل عكسي”، من شأنه أن يحول طاقاتها إلى تيار كهربي عادي بكفاءة تصل إلى %90.


الأفكار البديلة


في الوقت الذي نشر فيه الفريق هذا المفهوم 1 في عام 1997، أصبح واضحًا أن وزارة الطاقة الأميركية ليست في طريقها لتمويل تطوير الجهاز، مفضِّلة بدلًا من ذلك التركيز على التوكاماك، الذي بدا وكأنه رهان أكثر أمانًا. إذ يقول جون سلو، فيزيائي البلازما في جامعة واشنطن: “التجارب العظيمة تم تمويلها لعقود من الزمن، ولذلك هناك احتمال ضئيل ألا تستطيع تحقيق أهدافها. وإذا شرعوا في تمويل تلك البدائل؛ ستعود كل الشكوك لتظهر من جديد”. لذلك قرر روستوكر وزملاؤه الاستفادة من الثقافة القوية للولايات المتحدة في شركات التكنولوجيا الناشئة والتمويل الاستثماري المغامر. فكوّنوا شركة أسموها “تراى ألفا”، بعد تمكنهم من إجراء تفاعل بروتون-بورون-11، ومن ثم ذهبوا إلى زيادة الاستثمار الكافي لتوظيف أكثر من مئة شخص.

التوكاماك
◄ نوع من أنواع المفاعلات النووية الاندماجية

◄ يعمل عن طريق رفع درجة حرارة البلازما إلى درجة اندماج نووي

◄ يجعل البلازما تطفو في مسار دائري داخل المفاعل دون أن تلامس أيا من أجزائه

◄ لم يتمكن من الحفاظ على تواصل التفاعل الاندماجي أي على حرارة البلازما

◄ مازال عاجزا عن إنتاج الطاقة لأنه يعمل بتقطع نبضي

يعتقد الباحثون في ما يتعلق بعقلية السرية الشديدة التي تسود “تراى ألفا”، أنّ “جزءا من سحر كونك شركة ممولة من رأس مال استثماري مغامر هو تطوير أفكارك، قبل أن يستطيع أي شخص آخر أن يراها”. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، بدأت الشركة السماح لموظفيها بنشر النتائج واستعراضها في المؤتمرات. فمع آلتهم التجريبية الحالية، وهو جهاز يبلغ طوله 10 أمتار، يسمى سي2-، استطاعت “تراى ألفا” أن تثبت حدوث التآلف بين البلازمويد المتصادم، كما هو متوقع 2، واستمرار كرة النار لمدة تصل إلى 4 ميلّي ثانية، وهي مدة طويلة جدًّا، وفقًا لمعايير فيزياء البلازما، طالما يتم حقن الوقود بالأشعة 3.

وفي العام الماضي، أعلن باحث “تراي ألفا”، هويانج جوو، في مؤتمر البلازما في فورت وورث، تكساس، أن مدة الحرق قد ارتفعت إلى 5 ميلّي ثانية. هذا، وتبحث الشركة الآن عن المال لبناء آلة أكبر.

كبرنامج علمي، يُعتبر ذلك ناجحًا للغاية، ولكنه ليس انصهار بروتون- بورون-11حتى الآن، كما يقول هوفمان، الذي استعرض ذلك العمل للملياردير ألِن، عندما كان يفكر هذا الأخير في الاستثمار من عدمِه. فكما يقول، شغّلت “تراي ألفا” آلتها الـ”سي2-” فقط مع الديوتيريوم، ولا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق ظروف البلازما القصوى اللازمة لحرق الوقود في نهاية المطاف.

من جهة أخرى، فإنّ الفريق متفائل بخصوص المال، إذ يقول كرتلي أحد أعضائه: “هناك حاجة هائلة في السوق إلى طاقة منخفضة التكلفة، وآمنة، ونظيفة. ولذلك.. نحن نشهد دفعة كبيرة في مجتمع الاستثمار الخاص لتمويل وسائل بديلة لتوليد ذلك”. وإذا كان توفير التمويل ناجحًا، كما يقول كيرتلي، فـ”ستكون خطتنا وجود محطة توليد كهرباء تجريبية تدخل العمل في السنوات الست القادمة”.


الدعم المالي


استطاعت “جِنرال فيوجن” إثبات الفكرة بجهاز على نطاق صغير، وذلك باستخدام مكابس مدفوعة بمتفجرات؛ وجَنَتْ نحو 50 مليون دولار من أصحاب رأس المال الاستثماري المغامر من جهة والحكومة الكندية من جهة أخرى. وإذا تمكنت الشركة من الحصول على 25 مليون دولار أميركي إضافية تقريبًا، كما يقول لابِرج؛ “ستبني نظام انفجار داخلي أضخم، يمكن أن يضغط البلازما إلى المستويات اللازمة؛ لإحداث الاندماج، ربما في غضون العامين المقبلين”.

على الرغم من هذا التفاؤل، يقدّر دين بأنه لا زال يفصلنا عقد من الزمن على الأقل، وربما فترة أطول، قبل إنتاج وتشغيل أي شركة تعمل في أبحاث مفاعلات الاندماج البديلة لمحطة الطاقة. هناك ببساطة الكثير من التكنولوجيا الجديدة التي تحتاج إلى تحقيق، حيث يقول: “أعتقد أن هذه الأشياء هي دوافع جيدة، وينبغي دعمها، ولكنني لا أعتقد أننا على وشك تحقيق انفراجة”.

ليس من الواضح كم هو مقدار الدعم الذي سيأتي من وزارة الطاقة في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور، إذ قدَّم برنامج طاقة الاندماج التابع لوزارة الطاقة قدرًا يسيرًا من المال لشركة “هيليون”، وأيضًا لبعض الأبحاث الأكاديمية التي تتم على نطاق صغير للمفاعلات البديلة، بينما أبدت وكالة الوزارة للتمويل طويل الأمد ـ وهي وكالة مشروعات البحوث المتقدمة للطاقة ـ اهتمامًا ببعض الأفكار البديلة، لدرجة أنها عقدت ورشة عمل حولها العام الماضي. وتقوم اللجنة الاستشارية لطاقة الاندماج حاليًا بإعداد خطة بحثية لمدة عشر سنوات، تبدأ بحلول بداية العام المقبل، قد تؤدي إلى جلب مزيد من الدعم للشركات الناشئة، غير أن الأموال شحيحة، بينما يمثّل “إيتر” استنزافًا ماليًّا ضخمًا.

في الوقت الراهن، سيأتي المال الوفير على الأرجح من القطاع الخاص. ورغم وجود العديد من العقبات التقنية، يبدو أن المستثمرين على استعداد لاستغلال فرصة.

6