فيسبوكستان يرسل المبعوثين الدبلوماسيين لدول العالم

الضجة الإعلامية الضخمة التي نتجت عن التراشق الإعلامي بين فيسبوك من جهة ووسائل الإعلام والحكومة النرويجية من جهة أخرى، تعيد الجدل من جديد حول سلطة فيسبوك وانتشاره وحول طبيعته المزدوجة كشركة وكمجتمع وكيان عابر للحدود الجغرافية وتشابكه مع السياسة والدين والإعلام في كل العالم.
السبت 2016/09/17
فيسبوك متشابكة مع قضايا الثقافة والدين والسياسة في كل العالم

لندن - لا يُضيع مارك زوكربيرغ، مؤسس فيسبوك، فرصة دون إعادة التأكيد على أن شركته ليست شركة إعلامية. ويكرر باستمرار أن فيسبوك مجرد منصة تواصل اجتماعي تتيح المجال للأفراد والمؤسسات الإعلامية الصغرى والكبرى نشر المقالات والمشاركة كما يشاؤون.

كلام زوكربيرغ لم يعد يقنع الجميع، فانتشار فيسبوك الواسع وسلطته الكبيرة يدفعان الكثير من الخبراء إلى اعتباره أهم وسيلة إعلامية على وجه الأرض، ويذهب بعضهم إلى ما هو أبعد من ذلك ويصف فيسبوك بمصطلحات وكأنه، أي فيسبوك، أصبح كيانا سياسيا عالميا موازيا للدول.

ولا توجد قصة توضح هذا الالتباس أكثر من الضجة التي أثارها حذف صورة البنت الفيتنامية العارية، والمناكفات الإعلامية والدبلوماسية التي نتجت عنها بين فيسبوك والحكومة النرويجية والإعلام النرويجي وآخرين حول العالم.

عناوين مقالات الصحف والمواقع المتخصصة عكست هذا المزاج العام الذي بات يرى فيسبوك على أنه كينونة سياسية قائمة، فمثلا نشر موقع كوارتز المتخصص مقالة بعنوان “النرويج غاضبة من فيسبوك ومن خوارزمياته بسبب ممارسة الرقابة وحذف صورة أيقونية لحرب فيتنام”.

بدأت القصة منذ حوالي أسبوعين، عندما قام كاتب نرويجي مشهور وهو توم إجيلاند، بنشر مقال بعنوان “صور غيرت تاريخ الحروب” وقام بمشاركته عبر صفحته الشخصية في فيسبوك، تضمن المقال عرضا لصور مختلفة، من ضمنها صورة بعنوان “رعب الحرب”، وهي صورة لطفلة فيتنامية كانت تجري عارية مع مجموعة من الأطفال هربا من غارة بقنابل النابالم على قريتها أثناء الحرب في فيتنام عام 1972، الصورة المذهله التي فازت بجائزة بوليتزر في مجال الصحافة في حينها، جعلت الكثيرين يعتقدون أن تلك الصورة وانتشارها وتفاعل الجماهير معها أدت إلى وقف حرب فيتنام، أو على الأقل، أدت إلى قلب المزاج العام الأميركي والعالمي ضد تلك الحرب، فما كان من فيسبوك إلا أن قام بحذف الصورة لمخالفتها شروط وسياسة الموقع، لأنها صورة تظهر طفلة عارية، وكخطوة عقابية إضافية، قام فيسبوك بتعطيل حساب الكاتب على فيسبوك لمدة 24 ساعة.

إسبن ايجل هانسين: ليس من اللائق أن يتم التعدي على واجبات وحقوق رئيس التحرير من قبل خوارزميات تتم برمجتها في مكاتبك (إلى مارك زوكربيرغ)

تضامنت نقابة الصحافيين وصحف أخرى في النرويج وباقي العالم مع الكاتب وقامت بنشر نسخ من نفس الصورة على فيسبوك احتجاجا على سياسة فيسبوك، فتم حذفها جميعها من قبله.

دفع هذا إسبن ايجل هانسين، رئيس تحرير أهم صحيفة في النرويج “آفتينبوستين”، إلى كتابة رسالة مفتوحة لمارك زوكربيرغ ونشرها على الصفحة الأولى، متهما زوكربيرغ شخصيا بالإساءة وتجاوز صلاحياته، واصفا إياه بـ”رئيس التحرير الأقوى في العالم”.

كتب هانسون موجها كلامه لزوكربيرغ “تقع على وسائل الإعلام مسؤولية اختيار ما ينشر من قصص، كل حالة على حدة، قد تكون هذه مسؤولية ثقيلة، ولكن هذا الحق والواجب من اختصاص رؤساء التحرير حول العالم، وليس من اللائق أن يتم التعدي على هذه الواجبات والحقوق من قبل خوارزميات تتم برمجتها في مكاتبك في كاليفورنيا”.

كانت الرسالة احتجاجا قوي اللهجة ضد سياسات فيسبوك واصفة اياها بـ”التعدي الصارخ على الحريات”.

وانضمت إرنا سولبرغ رئيسة وزراء النرويج عبر صفحتها في فيسبوك، إلى موجة الاحتجاج ونشرت نفس الصورة مع تعليق باللغة النرويجية “أنا أيضا أقول لا لهذا النوع من الرقابة”، فما كان من فيسبوك إلا أن حذف الصورة التي شاركتها رئيسة الوزراء، التي ردت بمنشور جديد لنفس الصورة مع تغطية جسم الفتاة العاري، وكتبت “ما يقوم به فيسبوك من حذف هذا النوع من الصور، حتى وإن كان بحسن نية، هو عبارة عن حذف ورقابة على تاريخنا الجمعي”. وبعد تضخم الضجة الإعلامية، تراجعت شركة فيسبوك وأعادت إظهار كل نسخ الصورة التي أخفتها سابقا، وأصدرت بيانا توضيحيا بنفس اللغة المعتادة من فيسبوك “لقد استمعنا لآراء ‘مجتمعنا’، وبعد الرجوع إلى المعايير والقوانين التي تنظم ‘المجتمع” في فيسبوك، قمنا باستثناء هذه الصورة للاعتبارات التاريخية والرمزية لها”.

استخدام كلمتي “مجتمعنا” و”المجتمع” ليس خطأ مطبعيا، بل هو الترجمة الدقيقة للغة التي يستخدمها فيسبوك الذي لا يشير أبدا إلى مستخدميه بأنهم “زبائن” أو “عملاء” أو “مستخدمون” عكس ما تقوم به الشركات الأخرى.

عام 2012 نشرت كلية القانون في جامعة كاليفورنيا دراسة بعنوان “فيسبوكستان” لتقييم الطبيعة الخاصة والوضع القانوني لفيسبوك، وماهية القوانين التي يجب أن تخضع لها هذه الشركة “الكيان” المنتشر في كل أرجاء العالم، وخصوصا أن 80 بالمئة من جمهور فيسبوك أو كما يسميه فيسبوك “مجتمع فيسبوك” تتواجد خارج حدود الولايات المتحدة الأميركية، الوطن الأم.

تقول دراسة كلية القانون في جامعة كاليفورنيا “إن فيسبوك نوعية جديدة ومختلفة من الشركات متعددة الجنسيات ولاعب مختلف على المسرح الدولي، ففي حين أن الشركات الكبرى قامت بعولمة الإنتاج والبيع وتوزيعها حول العالم، إلا أن فيسبوك وأمثالها من الشركات تختلف لكونها لا تقدم سلعا تصنع وتباع بل منصات يستخدمها الآخرون للإنتاج والمشاركة وأحيانا البيع، ويجعل الشركة متشابكة مع قضايا الثقافة والدين والسياسة في كل العالم”.

فيسبوك يمتلك انتشارا وسطوة عالمية كبيرين، وكلما انتشر استخدامه أكثر وأصبح من الطقوس والعادات التي نمارسها دون الكثير من التفكير، ستكون هناك حاجة أكبر لتوضيح الواجبات والمسؤوليات القانونية لكل الأطراف المعنية

تستخلص الدراسة أن اختلاف فيسبوك الجذري عن غيره من الشركات متعددة الجنسيات يثير أسئلة قانونية بخصوص السيادة بقوة ومن نوع مختلف.

ترصد الدراسة العديد من الحالات التي قامت بها دول حول العالم للتأثير على سياسة فيسبوك، وفي حين أن بعض الدول نجحت، في بعض الأحيان، في التأثير على فيسبوك ليغير أساليبه وسياساته، إلا أن فيسبوك، في المقابل، نجح أيضا في بعض الحالات التأثير على بعض الحكومات وجعلها تغير سياساتها.

وفي تقرير نشرته المجلة الإخبارية “سليت” قالت فيه “إن فيسبوك يقوم بإرسال المبعوثين الدبلوماسيين لدول العالم، فقد وظف فيسبوك مبعوثا دبلوماسيا للهند ومبعوثا آخر متخصصا بإيطاليا، أما حان الوقت لأن تقوم دول العالم بإرسال بعثات دبلوماسية تمثلها لدى فيسبوك؟”.

كتب الأكاديمي لوري أندروز في مقالة علمية عن شبكات التواصل الاجتماعي والخصوصية “عندما فاز ديفيد كاميرون برئاسة وزراء بريطانيا، قام بتحديد موعد لمقابلة ‘رئيس دولة’ أخرى هو مارك زوكربيرغ”. ففي حين أن فيسبوك يسعى باستمرار للحوار مع مختلف حكومات ودول العالم، إلا أنه وفي كل أدبياته ومنشوراته يتجنب رؤية العالم بحدوده الجغرافية المعترف بها دوليا، وفي الرسومات التوضيحية التي ينشرها، يفضل فيسبوك التركيز على إظهار شبكة العلاقات البشرية التي تربط مستخدميه حول العالم دون رسم الحدود الجغرافية.

مما لا شك فيه أن فيسبوك يمتلك انتشارا وسطوة عالمية كبيرين، وكلما انتشر استخدامه أكثر وأصبح من الطقوس والعادات التي نمارسها دون الكثير من التفكير، ستكون هناك حاجة أكبر لتوضيح الواجبات والمسؤوليات القانونية لكل الأطراف المعنية، وسيحتاج العالم لشفافية أكثر من قبل شركة فيسبوك وخصوصا بما يخص عمليات الرقابة وطريقة عمل الخوارزميات والبرمجيات التي يستخدمها.

وفي مقابلة صحافية أجرتها مونيكا بيكيرت، رئيس قسم السياسات العالمية في فيسبوك تقول “نحن نقوم في كل يوم بالحوار مع مجموعات حول العالم بخصوص سياساتنا، ففي حين أننا نحن المسؤولون عن هذه السياسات ونحن من يقوم بالإشراف عليها، إلا أن هذا الحوار يجب أن يكون حوارا عالميا، ويجب أن يشارك به الجميع”.

محلل تكنولوجي

18