فيسبوك… صحيفة القراء ووسائل الإعلام

الخميس 2017/01/26

لم يعد محتوى فيسبوك مجرد يوميات وأخبار شخصية يتداولها الأصدقاء في ما بينهم وحسب، بل أصبح أكبر من ذلك بكثير، فقد دخل في مجالات عدة لم يكن متوقعا أنه يمكن استخدامه لصالحها، حيث استخدمته وسائل الإعلام كمصدر للأخبار، وفي أحيان كثيرة يتم استخدامه من طرف الصحف والمجلات وحتى القنوات التلفزيونية لنشر الأخبار. فغالبا ما تجد الصحف مثلًا، تنشئ حسابا لها على الموقع وتضع فيه الأخبار التي تنشرها في نسختها الورقية.

إن حجم فيسبوك على مستوى العالم يوضح أنه لو كان فيسبوك بلدا لاحتل المرتبة الثالثة عالميا بعد الصين والهند من حيث عدد السكان. حيث يضم أكثر من 900 مليون مستخدم ناشط يتصل أكثر من نصفهم بالموقع مرة في اليوم على الأقل، وأكثر من نصف مستخدمي الإنترنت في العالم يستخدمون فيسبوك ويخصصون دقيقة من أصل 7 دقائق يمضونها على الإنترنت، لتصفح هذا الموقع بالذات.

وإذا كان فيسبوك يحمل مضامين متنوعة، فإن المضمون الإعلامي يلعب دورا بارزا في الحياة المعاصرة، ولا توجد عبارة جاهزة أفضل من “سلاح ذي حدين”، أكثر انطباقا على فيسبوك في جانبه الإعلامي، فكما أن “مالئ الدنيا وشاغل الناس الجديد” يستطيع أن يكون أداة مثلى للقفز على حواجز الإعلام الحكومي المتخشب، ومن بينه الإعلام العربي، فإنه يستطيع أن يكون مرتعا خصبا للإشاعة وبث الوعي الموهوم.

وفي الفترة الأخيرة تحولت مواقع الشبكات الاجتماعية إلى مصدر أساسي للمعلومات ولأشرطة الفيديو وشهادات الناس، فلجأ “المواطن الإعلامي” إلى تصوير الأحداث على جواله أو كاميراته ومن ثم وضع أشرطة الفيديو على الشبكات الاجتماعية حتى باتت مؤسسات إعلامية كبرى تأخذ قدرا كبيرا من المعلومات الموجودة على فيسبوك وتويتر ويوتيوب.

ومع ذلك بدأنا نشهد تحولا جذريا من مفهوم الإعلام المؤثر بصورة مطلقة في الجمهور والمتحكم بالمحتوى الإعلامي بطريقة مركزية إلى الإعلام الذي يتأثر بالجمهور وينقل عنه وينتظر مشاركاته وتعليقاته وآراءه، مثلما حدث مؤخرا في جورجيا وإيران وتونس ومصر وليبيا وسوريا، هو أكبر دليل على ذلك حيث تعتمد كبرى المؤسسات الإعلامية ووكالات الأنباء العالمية على مشاركات المدونين والصور الفوتوغرافية والفيديو الملتقط عبر كاميرات الخلوي بالرغم من عدم احترافية المصور وجودة الفيديو غالبا.

إن معالم تحول فيسبوك إلى إعلام بديل تبدو واضحة، لأن فيسبوك بكل ماله وما عليه يبقى مؤهلا ليكون بديلا عن الإعلام التقليدي بكل ما له وما عليه أيضا، قد يلغي بعض مساوئه مثل سيطرة الدول والحكومات عليه ولكنه قد يعوضها بأخرى مثل غياب المسؤولية وقلة موثوقية الخبر.

وفي ظل تطورات كبيرة يشهدها الموقع الأزرق، فقد قدم خدمته الجديدة المجانية الخاصة بالصحافيين تحت اسم “سيغنل” أو “إشارة”، وتهدف إلى مساعدة الإعلاميين على جمع الأخبار عبر فيسبوك وإنستغرام، واستخدامها لخدمة قصصهم وتقاريرهم الإخبارية باختلاف مضامينها السياسية والثقافية والترفيهية وحتى الرياضية منها.

لقد قدم فيسبوك خدمات مهمة لرجال الإعلام، حيث أصبح بإمكان الصحافي الوصول إلى قوائم مرتبة بالشخصيات الأكثر تأثيرا من السياسيين والمؤلفين والأدباء والممثلين والموسيقيين والرياضيين، مع إمكانية المقارنة بين تأثير كل عضو في القائمة يوميا. كما سهل عليهم خاصية البحث عن المحتوى المرئي على إنستغرام عبر البحث عن وسم “هاشتاغ” معين أو أشخاص وحسابات معينة، أو حتى عبر تحديد المكان بدقة. مثلما سهل عملية البحث عن المحتوى الذي يساعد الصحافي على بناء قصته مباشرة على فيسبوك، وسيجد كل ما يتعلق به بالترتيب الزمني. ويتيح للصحافي حفظ أي منشور أو صورة أو فيديو، ليتمكن من استخدامها لاحقا في القصص والتقارير الإخبارية.

وهناك الكثير من البرامج الإلكترونية التي تركز بالأساس على الكتابة والتحرير وإنتاج المحتوى الرقمي، لكن من المهم أن يتعرف الكاتب وبشكل مفصل على جمهور الأونلاين. وهذه المعرفة هي التي تتيح لكاتب النصوص الخاصة بالصحافة الرقمية ولمنتجي المحتوى الرقمي عامة أن يخرج بمادة تتوافق مع طبيعة هذا الجمهور.

إن الكتابة الجيدة للصحافة الرقمية تعتمد بشكل أساسي على ما يعرف بالاقتصاد في اللغة، وهو ما يعبر عنه بمقولة “ما قل ودل” وهو مبدأ تحتمه طبيعة الإنترنت كوسيلة، وكذلك نوعية الجمهور المستهلك لمحتوى الصحافة الرقمية، وكذلك الحال بالنسبة للزمن والاختصار. والمقصود بالاختصار هنا ليس مجرد تقليل عدد كلمات النص فحسب، وإنما المقصود به أن يكون التركيز منصبا في الأساس على التكثيف المفيد للقارئ.

كاتب عراقي

18