فيسبوك أكثر خطورة على ترامب من هيلاري كلينتون

يكافح فيسبوك لغسل سمعته المهددة إثر اتهامات بالانحياز السياسي. ويتخوف كثيرون من أن موقع التواصل الإجتماعي العملاق يمكنه بسهولة تحويل خيارات التصويت لدى الناخبين المترددين بنسبة كبيرة في أي انتخابات حول العالم، وهو ما يحوله إلى قوة تأثير غير مسبوقة يقف خلفها مليار شخص.
الثلاثاء 2016/05/17
تواصل كشف أسرار مواقع التواصل

واشنطن- يجد مارك زوكربيرغ، مؤسس موقع التواصل الاجتماعي العملاق فيسبوك، نفسه في مأزق بعدما جرى استدراجه شيئا فشيئا إلى دائرة مغلقة تحيط بها جماهير السياسة الغاضبة من كل جانب.

وأغضب فيسبوك الكثيرين عندما وجهت له اتهامات بالانحياز السياسي والسعي إلى التأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أوشكت على عبور المرحلة التمهيدية، استعدادا لمواجهة مفتوحة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

وضمن المرشح اليميني المتطرف دونالد ترامب تمثيل الحزب الجمهوري أمام وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون التي من المرجح أن تفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لها. ويقول منتقدو فيسبوك إنه لا يبدي تعاطفا كبيرا تجاه ترامب عوضا عن الحياد في مؤسسة تحظى بمتابعة مليار مشترك حول العالم.

ومازالت فرضية صعود ترامب إلى البيت الأبيض مفزعة بالنسبة إلى الكثيرين في الولايات المتحدة وحول العالم. لكن بات من المخيف أيضا فرضية أخرى تهيمن على مخيّلة الوسط السياسي برمته. وتُبنى هذه الفرضية على إمكانية أن تستعمل شركة فيسبوك قدراتها غير المسبوقة للتأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية. ويبدو أن الموظفين في فيسبوك قد ناقشوا صراحة ما إذا كان يتوجب عليهم فعل ذلك.

وقال موقع “جيزمودو”، الجمعة، “استعمل بعض الموظفين في فيسبوك استطلاعا تابعا للشركة ليسألوا مارك زوكربيرغ، هل يجب على الشركة محاولة عرقلة ‘الرئيس ترامب’ في العام 2017″. لكنّ متحدثا باسم زوكربيرغ قال، الأحد، إنه سيجتمع هذا الأسبوع مع عدد من قيادات الفكر المحافظ في وسائل الإعلام لبحث مزاعم متعلقة بوجود انحياز سياسي على موقع التواصل الاجتماعي واسع الانتشار. وأضاف المتحدث، أن نحو 12 من “قيادات الفكر المحافظ” سيشاركون في الاجتماع مع زوكربيرغ الأربعاء.

عزرا كلاين: عندما تدقق في الأمر ستجد أن أكثر مواقع التواصل الاجتماعي حفاظا على حياديتها، هي التي تحظى بالمستخدمين الأكثر انحيازا على الإطلاق

وتعززت الانتقادات الموجهة للشركة بعدما أبلغ موظف سابق فيها موقع جيزمودو لأخبار التكنولوجيا، بأن العاملين يحجبون في أحيان كثيرة قصصا إخبارية محل اهتمام القراء المحافظين من قائمة الموضوعات الأكثر رواجا. وقال زوكربيرغ إن شركة فيسبوك “لم تجد دليلا يثبت صحة التقرير”، لكنها ستواصل التحقيق في الأمر. وفتحت لجنة تابعة لمجلس الشيوخ تحقيقا أيضا في ممارسات فيسبوك.

وحددت شركة فيسبوك، الجمعة، الخطوط العريضة لموضوعاتها الأكثر رواجا في قسمها المتعلق بالعلاقات الإعلامية، وصرحت بأن المراجعين لا يسمح لهم بالتمييز ضد المصادر ولا توجد لديها إرشادات بذلك. وأصبحت شركة فيسبوك، التي تقدر قيمتها حاليا بنحو 350 مليار دولار، أكبر مصدر أخباري لمستخدمي فيسبوك الناشطين يوميا حول العالم.

ويقول 63 في المئة من المستخدمين أو ما يعادل 41 في المئة من الأميركيين البالغين، إنهم يحصلون على الأخبار من الموقع وفقا لدراسة أجراها العام الماضي مركز أبحاث بيو ومؤسسة نايت. وقد يكون موظفو فيسبوك يعبرون فقط عن مخاوف الملايين من الأميركيين من المرشح الجمهوري المتطرف. لكن بينما لا يوجد أي دليل على نية الشركة القيام بأي تحرك مضاد تجاه ترامب، فإن القدرة الخارقة التي يمتلكها فيسوك للتلاعب بالملايين من المستخدمين بمجرد إجراء تعديل بسيط على خوارزميته هو سبب جدي للقلق.

ويقول عزرا كلاين، مؤسس موقع فوكس لتحليل التكنولوجيا، إن “جذب انتباه مؤسس فيسبوك خطوة كافية لحل المشكلة.” ويضيف “لكن الحقيقة هي أن فيسبوك سيصبح أكثر انحيازا وليس العكس. السبب البسيط هو أن المساهمين في فيسبوك دون مقابل أهم بكثير من هؤلاء الذين يحصلون على مقابل من عملهم في الشركة، لأن من لا يحصلون على مقابل هناك لا يهتمون كثيرا بما يريده زوكربيرغ، وسيستمرون في القيام بما يحلو لهم.” وظلت إمكانية تغيير شركة إنترنت عملاقة مثل فيسبوك أو غوغل لنتائج انتخابات معيّنة بالاعتماد على تغييرات خفية لرمزها سيناريو افتراضيا لسنوات.

وفي العام 2010 فسر أستاذ القانون في جامعة هارفارد جونتان زيترين “كيف يمكن أن يقرر فيسبوك نتائج انتخابات دون أن يكشف ذلك أي شخص على الإطلاق”، وذلك بعد أن قام الموقع باختبار سري تمكن الموظفون خلاله، بحسب زعمه، من زيادة نسبة المشاركة بـ340 ألف صوت في كافة أرجاء البلاد في يوم الانتخابات بمجرد إظهار صورة أمام المستخدمين لشخص يعرفونه وهو يقول “أنا انتخبت”. وكرر فيسبوك هذه التجربة على نطاق واسع أثناء انتخابات 2012.

فيسبوك يمكنه عرقلة ترامب

وبالرغم من أن هذا الاختبار لم ينحز إلى أي مرشح، إلا أن إمكانية استخدام تلك القوة لتوجيه الناخبين أصبحت تمثل قلقا واضحا لدرجة أن مديرة عمليات فيسبوك شريل ساندبورغ قالت في العام 2014 “أريد أن أكون واضحة: فيسبوك لا يمكنه أن يتحكم في المشاعر ولا يستطيع ولن يحاول التحكم في المشاعر”.

وأتت تعليقات ساندبورغ مباشرة بعد نشر دراسة مثيرة للجدل أجراها فيسبوك، أوضحت أن الشركة كانت قد تلاعبت سرا بعواطف قرابة 700 ألف شخص. ولدى أكثر من 78 بالمئة من الأميركيين حساب في أي من الشبكات الاجتماعية.

وتعني هيمنة فيسبوك على الحياة اليومية للأميركيين، بالإضافة إلى حقيقة أن المزيد من الناس يحصلون على الأخبار منه أكثر من أي مصدر آخر، أن تأثير الشركة في الانتخابات وصل إلى حجم غير مسبوق. ومع مرور كل عام تزداد إمكانية قيام شركة إنترنت عملاقة بالتأثير على نتائج الانتخابات.

وكتبت صحيفة الغارديان مؤخرا عن حجم مخزون المعلومات التي يمتلكها فيسبوك عن مئات الملايين من الناخبين وعن كيفية سماحه من الآن لمرشحي الانتخابات الرئاسية باستغلالها بطرق متعددة. وقالت الصحيفة إن “فيسبوك الذي أخبر المستثمرين بأنه ‘كان منفعلا بفعل الاستهداف’ لا يسمح للمرشحين بتقفي أثر المستخدمين. لكنه الآن يسمح للحملات الرئاسية بتحميل ما لديها من قوائم عناوين البريد الإلكتروني الضخمة وملفات الناخبين (التي تتضمن العادات السياسية والأسماء الحقيقية والعناوين المنزلية وأرقام الهاتف) في شبكة إعلانات شركة فيسبوك، ثم تقوم الشركة بربط الناخبين الحقيقيين بحساباتهم على فيسبوك".

وفي مقال نشرته مجلة بوليتيكو تحت عنوان “كيف يمكن لغوغل أن يتلاعب بانتخابات 2016؟”، يصف روبرت أبستاين دراسة شارك في كتابتها وجدت أن “خوارزمية غوغل يمكنها بسهولة تحويل خيارات التصويت لدى الناخبين المترددين بنسبة تصل إلى عشرين بالمئة أو أكثر (وتصل في بعض المجموعات السكانية إلى 80 بالمئة) مع عدم ملاحظة أي شخص تقريبا بأنه تعرض للتلاعب”.

روبرت أنستاين: التعديلات التي تؤثر على رؤى الناس السياسية قد لا تكون نتيجة لمهندسين أشرار منكبين على تغيير القناعات السياسية في البلاد، بيد أن هناك إمكانية لحدوث ذلك

ويقول أبستاين “الكثير من هذا التلاعب غير مقصود، حيث تتأثر نتائج البحث على موقع غوغل بشعبية العناوين الأخرى التي تم البحث عنها، ويتم تغيير الخوارزميات طول الوقت لأسباب متعددة، وبعض التعديلات التي تؤثر على ما يراه الناس حول السياسة قد لا تكون نتيجة لمهندسين أشرار منكبين على تغيير القناعات السياسية في البلاد. بيد أن هناك إمكانية لحدوث ذلك، ونفس المخاطر تنطبق على فيسبوك.”

وفي الماضي استعملت الكثير من الشركات، بما في ذلك الإذاعات وقنوات التلفزيون والشركات الإعلانية، قوتها الضخمة للتأثير على الانتخابات بكل الوسائل، سواء عن طريق المال أو الإعلانات أو الافتتاحيات أو مجرد الطريقة التي تقدم بها الأخبار. لكن لم يسبق لأي شركة أن امتلكت ذلك القدر من التأثير على قطاع واسع من المستخدمين مثل فيسبوك (40 بالمئة من كل الأخبار حاليا تأتي من فيسبوك)، مع امتلاك القدرة أيضا على جعل التغييرات غير مرئية.

ويقول عزرا كلاين “الناس يذهبون إلى قراءة المقالات والأخبار التي تتفق مع قناعاتهم، وهذا الميل المنحاز يحدث على فيسبوك بشكل أكبر مما يحدث عندما يجدون هذه المقالات والأخبار على الموقع الإخباري نفسه.” وأضاف “لكن عندما تدقق في الأمر فستجد أن أكثر مواقع التواصل الاجتماعي حفاظا على حياديتها هي التي تحظى بالمستخدمين الأكثر انحيازا على الإطلاق.”

ومثلما نشر موقع جيزمودو “لا يوجد قانون يمنع فيسبوك من فعل ذلك إن أراد فعله.” ويقول أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا أوجين فولوخ “يتمتع فيسبوك بحق التعديل الأول في الخوارزميات مثل صحيفة نيويورك تايمز. يمكنهم عرقلة ترامب إن أرادوا. يعرقلونه أو يدعمونه.”

وقد يرى الكارهون لعنصرية ترامب ومقته للأجانب وسلوكه الخاطئ والفظ هذا تطورا مرحبا به. لكن كون شركة واحدة تمتلك الوسائل للتأثير على نتائج الانتخابات في اتجاه معين يعد تجديدا خطيرا. وإذا ما انطلق هذا المسار من الصعب التحكم فيه.

وفي حالة هيمنة فيسبوك السياسية فقد تستحسن أغلبية الناس النتائج، لكن هل نريد حقا أن يتم تقرير أي انتخابات مستقبلية في مختلف أنحاء العالم من قبل القناعات السياسية لمارك زوكربيرغ أو مهندسين مجهولي الهوية يتحكمون في ما يظهر في الخلاصة الإخبارية؟

13