فيسبوك سوق مفتوحة لتجارة العملة في مصر

أضيف إلى جملة المخاطر التي باتت تمثلها مواقع التواصل الاجتماعي على الأمن القومي المصري مؤخرا، خطر جديد، تمثّل في استخدام تلك المواقع لتجارة العملات الأجنبية (الدولار بالأساس).
الخميس 2016/10/06
قرارات عنترية أضرت الاقتصاد

القاهرة - كان قرار البنك المركزي المصري، القاضي بإغلاق البعض من شركات الصرافة، والتضييق على شركات أخرى، بسبب التلاعب بالدولار الأميركي ورفع أسعاره بشكل مبالغ فيه، مقدمة لأن تتحول مواقع التواصل إلى سوق بديلة لتجارة العملة، في ظل أزمة نقص الدولار التي تواجهها الحكومة والارتفاع الجنوني في سعره، ما تسبب في أن يصل سعر الدولار الواحد إلى حوالي 14 جنيها مصريا بالسوق السوداء (السعر الرسمي في البنوك 8.88 جنيه).

وكانت الحكومة قد أعلنت عن أنها ستراقب حركة تجارة العملة على مواقع التواصل عن كثب، لأنها بمثابة تهديد صريح للأمن القومي، لكنها لم تعلن عن إلقاء القبض على أي من المتعاملين في هذه السوق، التي أصبح أكثرية حائزي العملات الأجنبية يلجأون إليها، إما لبيع ما لديهم وإما لشراء عملات لاستخدامها في أغراض السفر، وإما لشراء البضائع من الخارج.

وتتم عمليات بيع وشراء العملة الأجنبية من خلال عدة صفحات على موقع فيسبوك، أين يكشف الشخص الحائز على الدولارات عن المبلغ الذي يمتلكه والسعر الذي يريد أن يبيع به، بشرط أن يتم التواصل معه عبر حسابه الشخصي، لتحديد تفاصيل عملية البيع ومكان استلام المبلغ، وأحيانا يكتب التجار أرقام هواتفهم للتواصل معهم.

ويرى مراقبون أن تحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى نافذة للإضرار بالاقتصاد المصري، يعطي شرعية أكبر لرقابة مضاعفة عليها من قبل أجهزة الأمن، إذ أصبحت لديها الآن حجة قوية تدافع بها عن نفسها أمام انتقادات واسعة تعرضت لها خلال الفترة الأخيرة، بسبب ما أثير عن نية الأمن في رقابة المواطنين على صفحات التواصل.

وكان تقرير قضائي لمحكمة القضاء الإداري، صدر قبل أيام، قد منح وزارة الداخلية الحق القانوني في مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، وارتكز على البعض من الصفحات على الإنترنت التي باتت تمثل تهديدا صريحا للدولة وإضرارا بالأمن القومي، ما اعتبره البعض من الدوائر السياسية والحقوقية انتهاكا لحرية الرأي والتعبير.

وقال حازم محمود، الخبير في أمن المعلومات، إن وصول الأمر إلى حد أن تصبح مواقع التواصل ملاذا لتجار العملة، يعطي للحكومة بمختلف أجهزتها الحق في أن تصنّف هذه المواقع على أنها “هدّامة”، وتجب مواجهتها بشتى الطرق.

وتوقع المزيد من الإجراءات التصعيدية من جانب الدولة خلال الفترة المقبلة للسيطرة على مواقع التواصل، بإقرار قانون الجريمة الإلكترونية في أسرع وقت ممكن، بما يحويه من عقوبات قد تصل إلى السجن المؤبد بل والإعدام أيضا.

مواقع التواصل أصبحت عبئا على الحكومة، ويساء استخدامها بشكل لافت، وكثيرا ما وضعت الدولة في مأزق

وأضاف لـ”العرب”، أن البعض من الصفحات التي تشتري العملات الأجنبية بأسعار مضاعفة عن السوق الرسمية تتبع جماعة الإخوان المسلمين، في محاولة منها لزيادة الضغوط الاقتصادية على الحكومة لإظهار فشلها، خاصة وأن الكثير من شركات الصرافة التي أغلقت كان يمتلكها رجال أعمال ينتمون في مجملهم إلى جماعة الإخوان، وبالتالي فهم يتخّفون الآن بعيدا عن أعين الأمن وسط الملايين من الصفحات الأخرى على مواقع التواصل الاجتماعي.

وصرح “أدمن”، مؤسس إحدى الصفحات التي تروج لتجارة العملة وتحمل اسم “المارد الأخضر”، في إشارة إلى لون عملة الدولار، لـ”العرب” بأن “هدفه هو جمع أكبر قدر ممكن من الدولار الأميركي، ولو بأسعار مرتفعة، ثم بيعه بسعر أقل وبنسب صغيرة، والرسالة الأهم أن تفهم الحكومة أنه ليس بإمكانها الإصلاح، وأن غلق شركات الصرافة كان قرارا ‘عنتريّا’ ومتسرعا وغير مفيد”.

وشددت الحكومة من إجراءاتها على شركات الصرافة، وما يعرف بتجار السوق السوداء، وألقت القبض على العديد منهم، وأغلقت العشرات من المنافذ، وسحبت تراخيص البعض الآخر. وسنّ البرلمان المصري مؤخرا عقوبة تصل إلى 10 سنوات سجنا، وغرامة تصل إلى 5 ملايين جنيه (نحو 450 ألف دولار) على التجار الذين يبيعون الدولار بأسعار السوق السوداء، ما جعل مواقع التواصل تتحول إلى سوق سوداء تتحدى إجراءات الحكومة.

واللافت للأمر، أن عددا ممن يديرون صفحات تجارة العملة على مواقع التواصل لجأوا إلى تقديم مزايا لحائزي الدولار، لزيادة الإقبال عليهم، لدرجة أنهم يقدمون خدمة “الدفع على باب المنزل”، بحيث يمكن التواصل معهم على الصفحة وكتابة عنوان السكن، فيتم توصيل “المبلغ” بالجنيه المصري حتى باب المنزل، من خلال مندوب للصفحة موجود في كل منطقة، ويعرف سكانها عن كثب، مما يعطي طمأنينة للطرفين حتى لا يبلّغ أحدهما عن الآخر.

وقال اللواء فؤاد علام الخبير الأمني لـ”العرب”، إن مواقع التواصل أصبحت عبئا على الحكومة المصرية، ويساء استخدامها بشكل لافت، وكثيرا ما وضعت الدولة في مأزق، سواء بنشر شائعات مغرضة أو بالتحريض ضد مؤسسات الدولة، واصفا تحولها إلى ساحة لتجارة العملة بأنه “تهديد صريح للاقتصاد”، ولتعمّد إحراج الدولة وزيادة الأعباء عليها، وطالب بوضع خطة لرصد هذه الصفحات، يشارك فيها المواطنون بالإبلاغ الفوري عن أصحابها.

وأشار إلى أن نسبة المصداقية على الإنترنت منخفضة للغاية، ولا بد أن تكون هناك توعية بذلك، وتوجيه المجتمع إلى أن هناك مواقع للتواصل الاجتماعي تعج بشبكات متخصصة في النصب وترويج العملات المزيفة.

19